الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فصل أموال التجارة

جزء التالي صفحة
السابق

( فصل ) :

وأما أموال التجارة فتقدير النصاب فيها بقيمتها من الدنانير والدراهم فلا شيء فيها ما لم تبلغ قيمتها مائتي درهم أو عشرين مثقالا من ذهب فتجب فيها الزكاة ، وهذا قول عامة العلماء ، وقال أصحاب الظواهر : ولا زكاة فيها أصلا ، وقال مالك : إذا نضت زكاها لحول واحد .

وجه قول أصحاب الظواهر أن وجوب الزكاة إنما عرف بالنص والنص ورد بوجوبها في الدراهم والدنانير والسوائم فلو وجبت في غيرها لوجبت بالقياس عليها والقياس ليس بحجة خصوصا في باب المقادير .

( ولنا ) ما روي عن سمرة بن جندب أنه قال { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإخراج الزكاة من الرقيق الذي كنا نعده للبيع } .

وروي عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : { في البر صدقة } ، وقال صلى الله عليه وسلم { : هاتوا ربع عشر أموالكم } فإن قيل : الحديث ورد في نصاب الدراهم ; لأنه قال في آخره : " من كل أربعين درهما درهم " .

فالجواب أن أول الحديث عام وخصوص آخره يوجب سلب عموم أوله أو نحمل قوله من كل أربعين درهم على القيمة أي : من كل أربعين درهما من قيمتها درهم .

وقال صلى الله عليه وسلم { : وأدوا زكاة أموالكم } من غير فصل بين مال ومال إلا ما خص بدليل ، ولأن مال التجارة مال نام فاضل عن الحاجة الأصلية فيكون مال الزكاة كالسوائم .

وقد خرج الجواب عن قولهم : إن وجوب الزكاة عرف بالنص ; لأنا قد روينا النص في الباب على أن أصل الوجوب عرف بالعقل وهو شكر لنعمة المال وشكر نعمة القدرة بإعانة العاجز إلا أن مقدار الواجب عرف بالسمع .

وما ذكر مالك غير سديد ; لأنه وجد سبب وجوب الزكاة وشرطه في كل حول فلا معنى لتخصيص الحول الأول بالوجوب فيه كالسوائم والدراهم والدنانير ، وسواء كان مال التجارة عروضا أو عقارا أو شيئا مما يكال [ ص: 21 ] أو يوزن ; لأن الوجوب في أموال التجارة تعلق بالمعنى وهو المالية والقيمة ، وهذه الأموال كلها في هذا المعنى جنس واحد .

وكذا يضم بعض أموال التجارة إلى البعض في تكميل النصاب لما قلنا .

وإذا كان تقدير النصاب من أموال التجارة بقيمتها من الذهب والفضة وهو أن تبلغ قيمتها مقدار نصاب من الذهب والفضة فلا بد من التقويم حتى يعرف مقدار النصاب ثم بماذا تقوم ؟ ذكر القدوري في شرحه مختصر الكرخي أنه يقوم بأوفى القيمتين من الدراهم والدنانير حتى إنها إذا بلغت بالتقويم بالدراهم نصابا ولم تبلغ بالدنانير قومت بما تبلغ به النصاب .

وكذا روي عن أبي حنيفة في الأمالي أنه يقومها بأنفع النقدين للفقراء .

وعن أبي يوسف أنه يقومها بما اشتراها به فإن اشتراها بالدراهم قومها بالدراهم وإن اشتراها بالدنانير قومها بالدنانير وإن اشتراها بغيرهما من العروض أو لم يكن اشتراها بأن كان وهب له فقبله ينوي به التجارة قومها بالنقد الغالب في ذلك الموضع .

وعند محمد يقومها بالنقد الغالب على كل حال وذكر في كتاب الزكاة أنه يقومها يوم حال الحول إن شاء بالدراهم وإن شاء بالدنانير .

وجه قول محمد أن التقويم في حق الله تعالى يعتبر بالتقويم في حق العباد ثم إذا وقعت الحاجة إلى تقويم شيء من حقوق العباد كالمغصوب والمستهلك يقوم بالنقد الغالب في البلدة كذا هذا .

وجه قول أبي يوسف أن المشترى بدل وحكم البدل يعتبر بأصله فإذا كان مشترى بأحد النقدين فتقويمه بما هو أصله أولى .

وجه رواية كتاب الزكاة أن وجوب الزكاة في عروض التجارة باعتبار ماليتها دون أعيانها ، والتقويم لمعرفة مقدار المالية والنقدان في ذلك سيان فكان الخيار إلى صاحب المال يقومه بأيهما شاء .

ألا ترى أن في السوائم عند الكثرة وهي ما إذا بلغت مائتين الخيار إلى صاحب المال إن شاء أدى أربع حقاق وإن شاء خمس بنات لبون ؟ فكذا هذا .

وجه قول أبي حنيفة أن الدراهم والدنانير وإن كانا في الثمنية والتقويم بهما سواء ، لكنا رجحنا أحدهما بمرجح وهو النظر للفقراء ، والأخذ بالاحتياط أولى ألا ترى أنه لو كان بالتقويم بأحدهما يتم النصاب وبالآخر لا فإنه يقوم بما يتم به النصاب نظرا للفقراء واحتياطا ؟ كذا هذا .

ومشايخنا حملوا رواية كتاب الزكاة على ما إذا كان لا يتفاوت النفع في حق الفقراء بالتقويم بأيهما كان جمعا بين الروايتين .

وكيفما كان ينبغي أن يقوم بأدنى ما ينطلق عليه اسم الدراهم أو الدنانير وهي التي يكون الغالب فيها الذهب والفضة ، وعلى هذا إذا كان مع عروض التجارة ذهب وفضة فإنه يضمها إلى العروض ويقومه جملة ; لأن معنى التجارة يشمل الكل لكن عند أبي حنيفة يضم باعتبار القيمة إن شاء قوم العروض وضمها إلى الذهب والفضة ، وإن شاء قوم الذهب والفضة وضم قيمتهما إلى قيمة أعيان التجارة .

وعندهما يضم باعتبار الأجزاء فتقوم العروض فيضم قيمتها إلى ما عنده من الذهب والفضة فإن بلغت الجملة نصابا تجب الزكاة وإلا فلا .

ولا يقوم الذهب والفضة عندهما أصلا في باب الزكاة على ما مر .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث