الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
باب ذكر إدريس عليه السلام

واسمه خنوخ بن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم .

قال الزبير بن بكار : وهو إدريس بن اليارد بن مهلائيل بن قينان بن الطاهر بن هبه ، وهو شيث بن آدم ، وإنما قيل له إدريس لأنه أول من درس الوحي المكتوب .

وقد أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار ، أخبرنا أبو محمد الجوهري ، أخبرنا أبو عمر بن حيويه ، أخبرنا أحمد بن معروف الخشاب ، أخبرنا الحارث بن أبي أسامة ، حدثنا محمد بن سعد ، أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس ، قال: إن أول نبي بعد آدم إدريس عليه السلام ، وهو حنوخ بن يرذ ، وكان يصعد له في اليوم من العمل ما لا يصعد لبني آدم في السنة ، فحسده إبليس وعصاه قومه ، فرفعه الله مكانا عليا وأدخله الجنة .

قلت: كذا في هذه الرواية "حنوخ" بالحاء المهملة ثم بالخاء المعجمة ، و "يرذ" بالذال المعجمة . ورويت الكلمة الأولى بخاءين معجمتين ، و "يرد" بدال مهملة .

وزعم ابن إسحاق أن إدريس أول نبي أعطي النبوة .

وقد روى أبو ذر ، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ، أنه قال: "أربع من الرسل سريانيون : آدم ، وشيث ، وأخنوخ وهو إدريس ، ونوح" . [ ص: 234 ]

وقال علماء السير: نبأ الله تعالى إدريس في حياة آدم ، وقد مضى من عمر آدم ستمائة واثنتان وعشرون سنة ، وأنزل عليه ثلاثون صحيفة فدعا قومه ووعظهم وأمرهم بطاعة الله ومخالفة الشيطان ، وأن لا يلامسوا أولاد قابيل ، فخالفوا ، فجاهدهم وسبى منهم واسترق .

وهو أول نبي خط بالقلم وقطع الثياب وخاطها ، ورفع إدريس وهو ابن ثلاثمائة وخمس وستين سنة ، وأبوه حي ، فعاش أبوه بعد ارتفاعه مائة وخمسا وثلاثين سنة .

قال زيد بن أسلم : كان يصعد لإدريس من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم ، فجاءه ملك فاستأذن الله في جلسة ، فأذن له فهبط إليه في صورة آدمي ، وكان يسجد ، فلما عرفه ، قال: إني أسألك حاجة ، قال: ما هي؟ قال: تذيقني الموت فلعلي أعلم ما شدته فأكون له أشد استعدادا ، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه ساعة ثم أرسله ، ففعل ، ثم قال: كيف رأيت؟ قال: أشد ما بلغني عنه ، وإني أحب أن تريني النار ، قال: فحمله وأراه إياها ، قال: إني أحب أن تريني الجنة ، فأراه إياها ، فلما دخلها وطاف فيها ، قال له ملك الموت : اخرج ، فقال: والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يخرجني ، فبعث الله ملكا يحكم بينهما ، فقال: ما تقول يا ملك الموت ، فقص عليه ما جرى ، فقال: ما تقول يا إدريس ، قال: إن الله تعالى قال: كل نفس ذائقة الموت وقد ذقته ، وقال: وإن منكم إلا واردها وقد وردتها . وقال لأهل الجنة وما هم منها بمخرجين . فو الله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني ، فسمع هاتفا من فوقه يقول:

بإذني دخل وبأمري فعل ، فخل سبيله .

فإن قيل: أين هذه الآيات لإدريس ؟

فالجواب: إن الله أعلم بوجوب الورود ، وامتناع الخروج من الجنة وغير ذلك فقاله . [ ص: 235 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية