
السَّماحة تعني السُّهولة واليُسر، والعفو واللين، والجُود والإحسان، وهي طيب في النفس عن كرم وسخاء، ولين في الجانب عن سهولة ويُسر، وبشاشة في الوجه عن طلاقة وبِشْر، وصِدْق في التعامل دون غِش وخيانة، والتَّسامح مع الغير في المعاملات المختلفة يكون بتيسير الأمور، والملاينة فيها..
وصور التسامح والسماحة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها وحث عليها كثيرة ومتعددة، ومنها: السماحة في البيع والشراء. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ألا أخبرُكم بمَن يُحرَّمُ على النَّار، وبمَن تُحرَّمُ علَيه النَّار؟ علَى كلِّ قَريبٍ هيِّنٍ سَهلٍ) رواه الترمذي وصححه الألباني.
قال القاري في "مرقاة المفاتيح": "أي: تحرم على كل سهل طلق حليم، ليِّن الجانب، قيل: هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف. (قريب) أي: من النَّاس بمجالستهم في محافل الطاعة، وملاطفتهم قدر الطاعة. (سهل) أي: في قضاء حوائجهم، أو معناه أنَّه سمْح القضاء، سمْح الاقتضاء، سمْح البيع، سمْح الشراء".
ولمَّا كان البيع والشراء صورة من صور المعاملات اليومية المتكررة، فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة للرجل السَمْح في بيعه وشرائه، فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى يحب سمْح البيع، سمْح الشراء سمْح القضاء) رواه الترمذي وصححه الألباني.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحِم الله عبداً سَمْحاً (سهلا) إذا باع، سمْحاً إذا اشترى، سمْحاً إذا اقتضى (طلب قضاء حقه بسهولة)) رواه البخاري. وفي رواية: (وإذا قضى) أي: أعطى الذي عليه بسهولة. وقد ذكر البخاري هذا الحديث في صحيحه تحت قوله: "باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع".
وفي هذا الحديث: (رحِم الله عبداً سَمْحاً) دُعاء مِن النبي صلى الله عليه وسلم بالرحمة لِمَن تحلَّى بِخُلُقِ السَّماحة، وهي: التَّسْهيل والتَّنازل والتَّغاضي في الأُمور، وعدم الشِّدَّة والتَّصلُّب في شرائه، فلا يَبْخَس ويُقلِّل من قيمة البضاعة ويُصِرُّ على ذلك، أو في بيعه: فلا يَتشَدَّدُ في رَفْعِ السِّعر ويُصرُّ على ذلك، وفيه الحَضُّ على المُسامَحة، وحُسن المُعاملة، واسْتِعْمال مَحاسِن الأَخْلاق ومكارمها، وتَرْكِ الْمُشاحَّة في البيع والشراء. وفي تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي: "(السمح): السهل، رتب الدعاء عليه ليدل على أن السهولة والتسامح في المعاملة سبب لاستحقاق الدعاء، ولكونه أهلا للرحمة".
وقال ابن حجر: "السهولة والسماحة متقاربان في المعنى.. والمراد بالسماحة ترك المضجرة ونحوها. وفيه الحض على السماحة في المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق، وترك المشاحنة، والحض على ترك التضييق على الناس في المطالبة، وأخذ العفو منهم".
وقال ابن بطال: "فيه الحضُّ على السَّمَاحَة، وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة والرقة في البيع، وذلك سبب إلى وجود البركة فيه، لأن النَّبي عليه السلام لا يحض أمته إلا على ما فيه النفع لهم، في الدنيا والآخرة".
وقال المناوي: "(رحم الله عبدا) دعاء أو خبر، وقرينة الاستقبال المستفاد من (إذا) تجعله دعاء. (سَمْحاً) بفتح فسكون، جوادًا أو متساهلًا، غير مضايق في الأمور، وهذا صفة مشبَّهة تدل على الثبوت، ولذا كرر أحوال البيع والشراء والتقاضي، حيث قال: (إذا باع، سمْحاً إذا اشترى، سمحًا إذا اقتضى) أي: وفَّى ما عليه بسهولة. (سمحًا إذا اقتضى) أي: طلب قضاء حقه، وهذا مسوق للحث على المسامحة في المعاملة، وترك المشاححة والتضييق في الطلب، والتَّخلُّق بمكارم الأخلاق، وقال القاضي (عياض): رتَّب الدعاء على ذلك، ليدل على أنَّ السهولة والتسامح سبب لاستحقاق الدعاء، ويكون أهلًا للرحمة والاقتضاء والتقاضي، وهو طلب قضاء الحق".
إقالة النادم في البيع أو الشراء:
حثنا النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على التَّعامُلِ فيما بيْننا بالتسامح والرِّفْق، وبين لنا فضْلَ تَفْريجِ الكُرُبات والتَّنْفيس عن الناس، وفي البيع والشراء قد يشتري الإنسان سِلْعَةً ويريد أن يرجع فيها لسبب من الأسباب، فحث النبي صلى الله عليه وسلم المشتري والبائع على إقالة الآخر إذا طلب ورغب في الرجوع عن هذا الشراء أو البيع، والإقالة: هي المسامحة، والتراجع عن البيع أو الشراء، وتدل على كرمٍ وسماحةٍ في النفس، وليس هذا على سبيل الإلْزام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أقالَ مُسلِمًا عَثْرته، أقالَه الله يوم القيامة) رواه أبو داود وصححه الألباني. وفي رواية للطبراني وصححها الألباني: (مَنْ أَقَالَ أَخَاه بَيْعاً أَقَال الله عَثْرَته يوم القيامة). وفي عون المعبود في شرح سنن أبي داود: "وصُورَة إِقَالَة الْبَيْع: إِذَا اِشْترى أَحَد شَيْئاً مِنْ رجُل ثُمَّ ندِم على اشْتِرَائه، إِمَّا لِظُهُورِ الْغَبْن فيه أَوْ لزوال حاجته إليْه، أَوْ لِانْعِدام الثمن: فَرَدَّ الْمَبِيع على البَائع، وقبِلَ الْبَائِع رَدَّه: أَزَال اللَّه مَشَقَّته وعثْرته يوم القيامة، لأنَّه إِحْسان منْه على المُشْترِي، لأَنَّ الْبَيْع كان قدْ بَتَّ فلا يسْتطيع الْمُشْتَرِي فسْخه".
ومعنى: (أقال الله عثْرتَه يوم القيامة) أي: غفَر الله زلَّتَه وخطيئته، وأَزال مشَقَّته يوم القيامة، لأنَّه أَحْسَن إلى المُشْتري، لأن البيع كان قد بُتَّ، فلا يَسْتطيعُ المُشْتري فَسْخَه، فكان الجزاء من جِنسِ العمل، لأنَّه لما سامح أخاه بعد أنْ ثبت البيع واسْتَقَرَّ، ولما مَنَّ عليه بأنْ يُعيد إليه ماله أنْ يُرجِعَ سِلْعَته، فاللهُ عزَّ وجلَّ أكْرَم من عبده فيَمُنَّ عليه في يوْمٍ يحتاج إليه، وليس هذا على سبيلِ الإلْزامِ، فليس البائِعُ آثِمًا لو رَفضَ، لكِنَّ الأكْمَلَ والأَنْفَعَ والأَفْضل في أنْ يقيل أخاه المسلم، لأنه مُحتاجٌ إلى هذا الأمر، فإذا أقالَه في مثلِ هذه الحاجة، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ سيُقيل عثْرَته وخطأَه في يومٍ يحتاج فيه إلى رحْمة الله سبحانه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كان في حاجَةِ أخيه كان الله في حاجته، ومَنْ فَرَّجَ عنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّج الله عنه بها كُرْبَةً من كُرَب يوْم القيامة، ومَن سترَ مسلما، سترَه الله يوم القيامة) رواه البخاري.
مِن الهَدْي النبوي للبائع والمشتري ـ في البيع والشراء ـ: التعامل بروح السماحة في العمليات التجارية المختلفة فيما بينهما، ومن معاني التسامح: السهولة والحلم، والعفو واللين، والجُود والإحسان، والصدق والإقالة، بحيث يلتقيان دون أن يضيع الحب والأدب بينهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (رحِمَ الله عبْداً سمْحاً إذا باع، سمْحاً إذا اشترى).