مقصد عمارة الأرض في السنة النبوية

31/01/2021| إسلام ويب

من المقاصد الشرعية التي لا تخطئها العين، مقصدُ إعمار الأرض، واستثمار خيراتها النافعة في تحقيق مراد الله تعالى، وهو من المقاصد المنصوص عليها في القرآن الكريم في أكثر من موضع، ولا غرو أن يكون لهذا المقصد حضور في السنة النبوية قولا وعملا.

قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61]، قال الإمام ابن العربي في أحكام القرآن: "قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله تعالى على الوجوب" اهـ. فالآية تؤكد وجوب عمارة الأرض.

يقول الشيخ علال الفاسي في كتابه مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها: «المقصد العام للشريعة الإسلامية هو: عمارة الأرض، وحفظ نظام التعايش فيها، وصلاحها بصلاح المستخلفين فيها، وقيامهم بما كلفوا به من عدل واستقامة، ومن صلاح في العقل وفي العمل، وإصلاح في الأرض، واستنباط لخيراتها، وتدبير لمنافع الجميع».

وقد أولت الشريعة الإسلامية الاهتمام الأعظم بعنصر الفرد البشري، وجعلته أهم أركان البناء والتعمير، وبصلاحه يصلح العالم، وتنتظم شؤونه، كما قرر ابن عاشور في كتاب المقاصد" أن المقصد العام للتشريع، (هو حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه وهو نوع الإنسان).

فشجعت السنة على مبدأ الاكتساب والعمل، وأعلت من شأن اليد العاملة، وخفضت من شأن اليد الممتدة لطلب النوال المجاني، روى البخاريُّ في صحيحه عن المقدام بن معد يكرب - رضي الله عنه - أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكل أحد طعاما قط، خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام، كان يأكل من عمل يده».

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره، خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه».

وغيرها من الأحاديث الكثيرة المؤكدة على هذا المعنى، إذ لا يمكن لأمة خاملة أن تنتج حضارة، أو تبني مجداً وهي لا تقدس العمل، أو توكل غيرها في القيام بمهامها وواجباتها الاقتصادية أو السياسية، فإن فعلت ذلك فقد حكمت على نفسها بالعدم والفناء.

وتأمل معي هذا النص النبوي العميق في الدلالة على ما نحن بصدده، حيث قال -صلى الله عليه وسلم- : «إن قامت على أحدكم القيامة، وفي يده فسيلة فليغرسها». رواه الإمام أحمد وغيره عن أنس بن مالك، وصححه الألباني في صحيح الجامع.

 وفي هذا الحديث كما قال المناوي في فيض القدير: "مبالغة في الحث على غرس الأشجار وحفر الأنهار لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعت به فاغرس لمن يجئ بعدك لينتفع، وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة، وذلك بهذا القصد لا ينافي الزهد والتقلل من الدنيا".

ودور المسلم رائد في إعمار الأرض، واستثمار طاقات الكون، وهي مسيرة بدأت من أولى لحظات الوعي البشري، وحتى آخر ساعة في هذا الوجود، وليس المقصد من زرع تلك الفسيلة هو الارتزاق أو سد حاجة لهذا الغارس، بل هي استجابة لنداء الشرع القاصد إلى إبقاء الحركة العمرانية قائمة في ذهن المسلم دون انقطاع، وهذا أبلغ ما يمكن أن يشير إليه هذا النص النبوي الكريم.

وفي الحديث عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة". رواه البخاري ومسلم.

وإنما كان له هذا الأجر الممتد لأن الشارع يلحظ في هذا العمل التشجيع على إعمار الأرض، واستدامة المنافع، وتنمية المبادرات المجتمعية التي يعود نفعها لا على صاحبها فحسب، بل على سكان هذه الأرض من البشر، والطيور، والبهائم، فهي إذن حضارة بناء وإعمار لا يتضرر بها أحد، بل إعمار يتصالح مع كل مكونات هذا الكوكب وسكانه المشاركين لنا في الوجود.

وفي البخاري بابُ مَن أحيا أرضاً مَواتاً ورأى ذلك عليٌّ رضيَ الله عنه في أرضِ الخَرابِ بالكوفةِ، وأخرج حديث عائشةَ رضيَ الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال  "من أعمر أرضا ليست لأحد؛ فهو أحق". قال عُروةُ: قضى به عُمَرُ رضي الله عنه في خلافته.

وفي مسند الإمام أحمد عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العافية منها فله فيها صدقة». العافية: الطير وغير ذلك.

فالإحياء الذي نبهت إليه السنة النبوية يعد من أهم أدوات عمارة الأرض العمارة الحسية، وهو من أهم الحلول التي تقدمت بها السنة النبوية لتخفيف الأعباء الاقتصادية التي تعاني منها الدول اليوم من خلال تركز التجمعات البشرية في المدن الرئيسية، مما يؤدي إلى زيادة الطلب على الخدمات، والاختناقات العمرانية المشهودة، بينما الشريعة الإسلامية تفتح آفاق العمران من خلال بعث الحياة في موات الأرض، مما يؤدي إلى توازن الانتشار البشري في أرجاء الأرض وعمرانها واستخراج خيراتها وأقواتها المودعة فيها.

وقد أكدت السنة النبوية على مجموعة من القيم والأخلاق المصاحبة لمشروع الإعمار، ومن تلك القواعد والأسس الأخلاقية التي أرستها السنة النبوية ما جاء في الحديث المشهور حديث عبادة بن الصامت، «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قضى أن لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجة وغيره وصححه الألباني.

 وأيضا روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَن غشنا فليس منا"، وحديث عاصم بن كليب عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه "، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وغيرها من النصوص النبوية الحاكمة لمشروع الاستخلاف والبناء الحضاري.

وبهذا نعلم امتياز الشريعة الإسلامية عن غيرها من النظريات البشرية الجائرة، كالرأسمالية التي تحكمها المادية المحضة، حيث أتاحت للفرد التجرد من أخلاقيات الكسب، والانفلات من قيود الملكية العادلة، أو كالاشتراكية التي وأدت الرغبة البشرية في الإنتاج والإعمار، من خلال التسلط على حق الملكية الفردية، وعطلت الطموحات، وصادمت الفطرة السليمة.

بل توازنت الشريعة في إباحة التملك وحرية الإعمار المحكوم بمنظومة قيمية وأخلاقية، تحفظ التوازن، وترعى المصالح العامة والخاصة في وقت واحد، إذ إن الشريعة الإسلامية ذات مقاصد متكاملة ومترابطة، تترادف وتتآزر للوصول إلى مقصد المقاصد وهو تحقيق العبودية الحقة لله تعالى.

وإنما حصل للمسلمين من مشاهد الانحسار الحضاري حين تسرب إليهم الوهم بأن الإسلام لا يرغب في العمل والإنتاج، واتهموه زورا بأنه سبب في التخلف وتراجع البناء والإنتاج، بينما يتعامون عن هذه النصوص الصارخة بضرورة الشهود الحضاري، والمشاركة الفاعلة في التعمير المادي والمعنوي، والاستثمار المتوازن بين منافع الدنيا ونعيم الآخرة، وإنما يعزى ذلك إلى ضعف تمثل الأمة لهذه التوجيهات النبوية في حياتهم الواقعية والعملية.

www.islamweb.net