
مِن القواعِد المقرَّرة عند أهل العِلم أنَّ شرَف العِلم بشرَف المعلوم، ولا عِلم أشرف مِن العلم بالله عز وجل وأسمائه الحسنى وصفاته العليا.. قال ابن العربي في "أحكام القرآن" في فضْل العِلم بأسماء الله تعالى: "شرَف العلم بشَرَف المعلوم، والباري أشرَف المعلومات، فالعِلم بأسمائه أشرَف العلوم". وقال الأصْبَهاني: "فيَنْبغِي للمسلمين أَنْ يعرفوا أسماء الله وتفسيرها، فَيُعَظِّمُوا اللهَ حَقَّ عَظَمَته". وقال ابن القيم في "بدائع الفوائد": "فالعلم بالأسماء والصفات، والتعبد بها هو قطب السعادة، ورَحَى الفلاح والنجاح، مَنْ رام السعادة وابتغاها فليأخذ نفسه بأسماء الله وصفاته، فبها الأنس كله، والأمن كله، وما راحة القلب وسعادته إلا بها، لأنها تتعلق بمن طِبُّ القلوب بيديه، وسعادتها بالوصول إليه".
وأسماء الله تعالى وصفاته توقيفية مصدرها القرآن الكريم والسُنة النبوية، لا مجال للعقل والاجتهاد فيها، يجب الوقوف فيها على ما جاء به القرآن الكريم والأحاديث النبوية الصحيحة.. وأهل السُنة يثبتون ما أثبته الله عز وجل لنفسه ـ مِن أسماء وصفات ـ في كتابه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم في أحاديثه، مِن غير تحريف ولا تعطيل، ومِنْ غير تكييف ولا تمثيل، كما ينفون ما نفاه الله عن نفسه في كتابه، أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن الله عز وجل أعلم بنفسه من غيره، ورسوله صلى الله عليه وسلم أعلم الخَلْقِ بربه، قال الله تعالى: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(الأعراف:180). قال أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني: "ويعتقدون ـ يعني: أهل السُنة والجماعة ـ أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، وموصوف بصفاته التي سمَّى ووصف بها نفسه، ووصفه بها نبيه صلى الله عليه وسلم". وقال الشيخ ابن عثيمين: "أسماء الله تعالى توقيفية، لا مجال للعقل فيها، وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسُنة، فلا يُزاد فيها ولا يُنْقَص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء، فوجب الوقوف في ذلك على النَّص.. ولأن تسميته تعالى بما لمْ يُسَمِّ به نفسه، أو إنكار ما سَمَّى به نفسه، جناية في حقه تعالى، فوجب سلوك الأدب في ذلك والاقتصار على ما جاء به النص".. والله عز وجل ليس كمثله شيء، فإنه سبحانه الكامل في أسمائه الحسنى وصفاته العُلى، الذي دلت النصوص والعقول على أنه لا نظير له سبحانه وتعالى، فلا مثيل له في ربوبيته، ولا مثيل له في إلهيته، ولا مثيل له في أسمائه وصفاته، قال الله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}(الشورى:11). قال السعدي: "{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأنَّ أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة".
و"الغفور" اسم مِنْ أسماء الله تعالى الحُسْنى، وهو يتضمن صفة المغفرة، فالله عز وجل يغفر للمذنبين إذا استغفروه وتابوا وأنابوا إليه، ولو بلغت ذنوبهم عَنان السماء، فإنه سبحانه يسترها عليهم ويغفرها لهم.. قال ابن منظور: "أصل الغَفر: التغطية والستر، فقولهم: غفر الله له أي: ستر له ذنوبه". وقال ابن سِيدَه في "المخصص": "(الغفور) الذي يَغفر الذُّنوب، وتأويل الغُفران في اللغة: التَّغطية على الشيء". وقال الزجَّاج: "(الغَفْر، والغُفْران) في اللغة: الستر، وكل شيء سترتَه فقد غفرتَه، والمغفرة من الله عز وجل ستره للذنوب، وعفوه عنها بفضله ورحمته، والغفار هو الذي أظهر الجميل وستَر القبيح في الدنيا، وتجاوز عن عقوبته في الآخرة، وهو الذي يغفر الذنوب وإن كانت كبيرة، ويسترها وإن كانت كثيرة.. والله عز وجل "غفار غفور" لذنوب عباده، أي يسترها ويتجاوز عنها، لأنه إذا سترها فقد صفح عنها وعفا وتجاوز، و"غفار وغفور" مِن أبنية المبالغة فالله عز وجل "غفار غفور"، لأنه يفعل بعباده ذلك مرة بعد مرة إلى ما لا يحصى، فهو من أوصاف المبالغة في الفعل، وليس من أوصاف المبالغة في الذات". وقال السعدي: "(الغفور) الذي يغفر الذنوب ويتوب على مَنْ تاب.. "العفُوُّ الغفورُ الغفَّار": الذي لم يَزلْ ولا يَزالُ بالعفوِ مَعروفًا، وبالغفرانِ والصَّفح عن عِبادِه موصوفا، كُلُّ أحدٍ مضطرٌّ إلى عَفوِه ومَغفرتِه، كما هو مضطرٌّ إلى رحمتِه وكرمِه"..
وقد ورد اسم الله عز وجل "الغفور" في الكثير مِن الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ومن ذلك:
1 ـ قال الله تعالى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(يونس:107). قال ابن كثير: "{وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي: لمن تاب إليه وتوكل عليه، ولو مِنْ أي ذنب كان، حتى مِن الشرك به، فإنه يتوب عليه". وقال السعدي: "{وَهُوَ الْغَفُورُ} لجميع الزَلّات، الذي يوفق عَبْده لأسباب مغفرته، ثم إذا فعلها العبد، غفر الله ذنوبه، كبارها وصغارها".
2 ـ قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}(الحجر:50:49). قال البغوي: "{نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} قال ابن عَبَّاس: يَعْني لِمَنْ تَاب مِنْهم". وقال الشوكاني في "فتح القدير": "{نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي: أخبرهم يا محمد أني أنا الكثير المغفرة لذنوبهم، الكثير الرحمة لهم.. ثم إنه سبحانه لما أمر رسوله بأن يخبر عباده بهذه البشارة العظيمة، أمره بأن يذكر لهم شيئا مما يتضمن التخويف والتحذير حتى يجتمع الرجاء والخوف، ويتقابل التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال: {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} أي: الكثير الإيلام، وعند ما جمع الله لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير صاروا في حالة وسطا بين اليأس والرجاء، وخير الأمور أوساطها، وهي القيام على قدمي الرجاء والخوف"..
3 ـ قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا}(الكهف:58). قال ابن كثير: "{وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ} أي: ربك - يا مُحمد - غفور ذو رحمة واسعة". وقال السعدي: "أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته، وأنه يغفر الذنوب، ويتوب الله على من يتوب، فيتغمده برحمته، ويشمله بإحسانه، وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب، لعجل لهم العذاب، ولكنه تعالى حليم لا يعجل بالعقوبة، بل يُمْهِل ولا يُهْمل".
4 ـ قال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(الزمر:53). قال ابن كثير: "هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة مِنَ الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر. ولا يصح حمل هذه الآية على غير توبة، لأن الشرك لا يُغفر لمن لم يتب منه". وقال السعدي: "اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعا من الشرك، والقتل، والزنا، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار. {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} أي: وصفه المغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود.. والعطاء أحب إليه مِن المنع، والرحمة سبقت الغضب وغلبته، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها، بل لا سبب لها غيره: الإنابة إلى الله تعالى بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع والتأله والتعبد، فهلم إلى هذا السبب الأجل، والطريق الأعظم".
5 ـ قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}(الملك:2). قال ابن كثير: "{وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} أي: هو العزيز العظيم المنيع الجناب، وهو مع ذلك غفور لمن تاب إليه وأناب، بعدما عصاه وخالف أمره، وإن كان تعالى عزيزا، هو مع ذلك يغفر ويرحم، ويصفح ويتجاوز".
6 ـ عن عبد الله بنِ عمر رضي الله عنه قال: (إنَّا كنَّا لنعُدُّ لِرَسولِ اللَّهِ صلى اللَّهُ علَيهِ وسلم في المَجلِس الواحدِ مائةَ مرَّة: ربِّ اغفر لي، وتُب عليَّ، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الغفور) رواه أبو داود. قال الهروي: "(إنك أنت التواب الغفور): صيغتا مبالغة، (مائة مرة): مفعول مطلق: لنعُدُّ".
7 ـ عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: (صلَّى بِنا رسولُ اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم على رجلٍ منَ المسلمين فسمعتُه يقول: اللَّهمَّ إنَّ فلان ابن فلانٍ في ذمَّتِك وحبلِ جوارِك، فقِهِ فتنة القبرِ وعذاب النَّار، أنتَ أَهل الوفاء والحقّ، اللَّهمَّ اغفِر له وارحمه إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرَّحيم) رواه أبو داود وابن ماجه. (اللَّهُمَّ إنَّ فلانَ بنَ فلانٍ في ذِمَّتِك) أي: في حِفْظِك وأمَانِك وضَمانِك.. (وحَبْل جوارِك) أي: اجْعَله في أمانٍ منَ العذاب، وفي كنَفِ حِفْظِك، و"الحَبْل" هو العَهْد والميثاق، (فَقِهِ فِتْنَةَ القبْرِ، وعذابَ النَّار) أي: نَجِّهِ مِن سؤال القبْر وأنواع عذابِه مِن الظُّلْمَة والضِّيق، وعذابِ النَّار، (وأنْتَ أهْل الوَفَاء) أيْ: بالوَعْد، فالله لا يُخلِف الميعاد، (إنَّك أنتَ الغَفُورُ الرَّحِيم) أي: كثير المغفرة للذنوب، وكثير الرحمة بقبول الطاعات، وفي هذا إشارةٌ إلى سَعَة رَحْمتِه ومغفرتِه وشمولِهما..
8 ـ روى البخاري في صحيحه عن أبي بكرٍ رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (عَلِّمْنِي دُعَاءً أدْعُو به في صَلَاتِي، قال: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنْتَ، فَاغْفِرْ لي مَغْفِرَةً مِن عِندِك، وارْحَمْنِي، إنَّكَ أنْتَ الغَفُور الرَّحِيم).
وقال ابن القيم في قصيدته "النونية":
هو الغفور فلو أُتي بقرابها مِنْ غير شِركٍ، بل مِنَ العِصيانِ
لأتاه بالغفران مِلء قرابها سبحانه، هو واسعُ الغُفرانِ
فائدة:
1 ـ "الغفور" اسم مِنْ أسماء الله تعالى، فالله سبحانه هو الغفور الغفار للذنوب والسيئات، صغيرها وكبيرها، فإذا تاب العبد واستغفر ربَّه قبِل الله توبته وسَتَرَه وغفر له، قال الله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(الزمر:53). ومع ذلك لا ينبغي للإنسان أن يُسرف في الذنوب والمعاصي، ويُصر عليها، ولا يتوب إلى الله منها، محتجًّا لنفسه بأن الله تعالى هو الغفور الرحيم.. وقد قال الله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}(الحجر50:49). قال ابن كثير: "أي: أخبر يا مُحمد عبادي أني ذو رحمة وذو عقاب أليم.. وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف". وقال السعدي: "{أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} فإنهم إذا عرفوا كمال رحمته، ومغفرته سَعَوا في الأسباب الموصلة لهم إلى رحمته وأقلعوا عن الذنوب وتابوا منها، لينالوا مغفرته. ومع هذا فلا ينبغي أن يتمادى بهم الرجاء إلى حال الأمن والإدلال، فنبئهم {وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الألِيمُ} أي: لا عذاب في الحقيقة إلا عذاب الله الذي لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه نعوذ به من عذابه.. فالعبد ينبغي أن يكون قلبه دائما بين الخوف والرجاء، والرغبة والرهبة"..
2 ـ مهما كثُرَت وعَظُمت ذنوب العبد فإن الله تعالى ـ الذي من أسمائه الحسنى "الغفور" ـ مغفرته ورحمته أعظم مِن ذنوبه، قال الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ}(النَّجم:32). قال السعدي: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} فلولا مغفرته لهلكَت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة". وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال اللَّهُ تبارك وتعالى: يا ابنَ آدمَ إنَّكَ ما دعوتَني ورجوتَني غفَرتُ لَكَ على ما كانَ فيكَ ولا أبالي، يا ابنَ آدم! لو بلغت ذنوبُكَ عَنانَ السَّماءِ ثمَّ استغفرتَني غفرتُ لَكَ، ولا أبالي، يا ابنَ آدم! إنَّكَ لو أتيتَني بقرابِ الأرضِ خطايا ثمَّ لقيتَني لا تشرِكُ بي شيئًا لأتيتُكَ بقرابِها مغفرةً) رواه الترمذي. (لو بلغَتْ) أي: وصلَتْ، (ذنوبُك) الَّتي ارتكبتَها وفعَلتَها، (عَنانَ السَّماء) أي: وصلت ذنوبُك لكثرتها إلى السحاب وإلى السَّماءِ الَّتي تَراها، (ثمَّ) بعدَ ذلك، (استَغفرتَني) أي: طلَبتَ المغفِرةَ منِّي ودوتني، (غَفَرتُ لك) هذه الذُّنوبَ والمعاصِي، (ولا أُبالي) بهذه الذُّنوبِ والمعاصي وإنْ كانتْ مِن الكبائرِ، والمعنى: أنَّه لو كَثُرَت ذُنوبُك كثرةً تَملَأُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ بحيث تَبلُغُ أقطارَها وتَعُمَّ نَواحِيَها، ثمَّ دعوتني واستَغفَرتَني، غَفَرتُ لك جميعَها غيرَ مُبالٍ بكَثرتِها فإني أنا الغفور الرحيم..
وإذا علِم المؤمن أن الله تعالى هو "الغفور" الذي يغفر النوب جميعا، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(الزمر:53). فإنه يُشْرَع ويُسْتَحَب له أن يُكثر مِن الاستغفار حتى تحصل له المغفرة والخيرات التي وعد الله تعالى بها المستغفرين، قال الله تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}(نوح:12:10). وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ـ فيما روى عنِ الله تعالى ـ أنه قال: (يا عبادي، إنكم تُخطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أَغْفِر لكم) رواه مسلم. قال الخطابي في "شأن الدعاء": "يغفر ذنوب عباده مرة بعد أخرى كلما تكررت التوبة من الذنب من العبد تكررت المغفرة، وستره سبحانه لذنوب عبده بأن لا يكشف أمْرَه لِخَلْقِه، ولا يهتك ستره بالعقوبة التي تُشَهِّرَه في عيونهم"..
مِنْ أعظم الأسباب التي تزيد الإيمان وتقويه: معرفة أسماء الله تعالى الحُسنى الواردة في الكتاب والسُنة النبوية الصحيحة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد لله تعالى وسؤاله بها، والتضرع إليه بمعانيها، قال الله تعالى: {وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}(الأعراف:180). قال السعدي: {فَادْعُوهُ بِهَا} وهذا شامل لدعاء العبادة ودعاء المسألة، فيُدْعَى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب، فيقول الداعي مثلا: اللهم اغفر لي وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم، وتُب عَلَيَّ يا تواب، وارزقني يا رزّاق، والطف بي يا لطيف، ونحو ذلك"..