الدُعاء على الكفار والدُعاء لهم في السيرة النبوية

18/08/2026| إسلام ويب

لم يكن عادة النبي صلى الله عليه وسلم ديمومة الدعاء على الكفار في كل حال، بل كان يدعو عليهم في حال دون حال، وعلى قوم دون آخرين، وأحيانا كان يدعو لهم.. وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه: "باب: الدعاء على المشركين"، وترجم أيضا: "باب: الدعاء للمشركين".. وقد ثبت في السيرة النبوية في مواقف كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأفراد وجماعات مِن المشركين بالهداية، ودعا في مواقف وأحاديث أخرى على آخرين بالهلاك والعذاب، ومِنْ ذلك:

أولاً: دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للكافرين بالهداية:
لا شك أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لمخالفيه ومحاربيه ومَنْ آذوه مِن الكافرين صورة من صور الرحمة بهم، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء:107). قال ابن كثير: "يخبر تعالى أن الله جعل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، أي: أرسله رحمة لهم كلهم، فمن قَبِل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة، سعد في الدنيا والآخرة، ومَنْ ردَّها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة.. وقال مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: (إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة). وفي الحديث الآخر: (إنما أنا رحمة مهداة)".
وقد ثبت في مواقف كثيرة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم للكفار بالهداية، ومِن ذلك:
1 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (جاء الطُّفَيْلُ بن عَمْرٍو إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ دَوْسًا قدْ هَلَكَتْ، عَصَتْ وأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عليهم، فقال صلى الله عليه وسلم: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وأْتِ بهِم) رواه البخاري. قال القاري: "(اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وأْتِ بهم) أي: إلى المدينة مهاجرين، أو قَرِّبْهم إلى طريق المسلمين، وأقبل بقلوبهم إلى قبول الدين". وقال الكرماني: "ودعا لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهداية في مقابلة العصيان، والإتيان بهم في مقابلة الإباء (الامتناع عن الإسلام).. فإن قلتَ: هم طلبوا الدعاء عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم دعا لهم، قلتُ: هذا مِنْ كمال خُلُقِه العظيم ورحمته بالعالمين". وقال العيني: "وفيه حرص النبي صلى الله عليه وسلم على مَن يسلم على يديه.. وكان يحب دخول الناس في الإسلام، فكان لا يعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام".
2 ـ دعا النبي صلى الله عليه وسلم لأم أبي هريرة رضي الله عنه ـ قبل إسلامها ـ. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتُها يوما فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أكره، فأتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي، قلتُ: يا رسول الله، إني كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليَّ، فدعوتُها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اهْدِ أم أبي هريرة. فخرجتُ مستبشرا بدعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم، فلما جئتُ فصِرْتُ إلى الباب فإذا هو مجاف فسمِعَتْ أمي خشف (صوت) قدمي فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعتُ خضخضة الماء، قال: فاغتسلتْ ولبست درعها، وعجلت عن خمارها (عجلت الفتح متجاوزة عن خمارها)، ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فرجعتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح) رواه مسلم.
3 ـ سألت عائشة رضي الله عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قائلة: (يا رسول الله، هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحُد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: لقد لقيتُ من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيتُ منهم يوم العقبة، إذ عرضتُّ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كُلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب (جبل صغير بين مكة والطائف ميقات أهل نجد)، فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، ولقد أرسل إليك ملَك الجبال لتأمره بما شئت، فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا مُحمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملَك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت؟، إن شئتَ أن أُطبق عليهم الأخشبين (الجبلين)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا) رواه البخاري. قال القرطبي في "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم": "وإذا تأملتَ هذا الحديث انكشف لك مِن حاله صلى الله عليه وسلم معنى قوله: {وَمَا أَرسَلنَاكَ إِلا رَحمَةً لِلعَالَمِينَ}(الأنبياء:107)". وفي "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري": "(بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يوحد الله، ولا يشرك به شيئًا) هذا شأن رحمة العالمين، لا كنوح عليه السلام حيث قال: {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}(نوح:26)، ولا كموسى عليه السلام حيث قال: {رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا}(يونس: 88)".
4 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعانا، وإنما بُعِثْتُ رحمة) رواه مسلم. قال الطيبي: "قوله: (وإنما بعثتُ رحمة) أي إنما بعثت لأُقَرِّب الناس إلى الله تعالى وإلى رحمته، وما بُعِثْتُ لأُبْعِدَهم عنها، فاللعن مناف لحالي فكيف ألعن؟!!". وقال المناوي: "وهذا قاله لما قيل له ادع على المشركين، يعني لو كنتُ أدعو عليهم لبعدوا عن رحمة الله، ولَصِرْتُ قاطعا عن الخير، إني لم أُبْعَث لهذا"..

ثانيا: الدعاء على الكافرين:
1 ـ عن عبد الله بن أوْفى رضي الله عنه قال: (دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب (المشركون الذين توجهوا إلى المدينة للقضاء على الإسلام والمسلمين) فقال: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وزَلْزِلْهُم) رواه البخاري. قال القاضي عياض: "فيه جواز الدعاء على المشركين والانتصار به على العدو". وقال النووي: "وفيه استحباب الدعاء عند اللقاء والاستنصار".
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (لما كانَ يَوْم الأحْزَاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وقُبُورَهُمْ ناراً، شغلُونا عنِ الصَّلَاة الوُسْطَى حتّى غَابَت الشَّمْس) رواه البخاري. قال ابن حجر: "وفيه الدعاء عليهم بأن يملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً.. وفي هذا الحديث جواز الدعاء على المشركين بمثل ذلك". وقال ابن دقيق العيد: "وفي الحديث: دليل على جواز الدعاء على الكفار بمثل هذا"..
2 ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أَنَّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم كان إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعوَ على أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْد الركوع) رواه البخاري. وعنه أيضا رضي الله عنه: (أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان إذَا قَال: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَه، في الرَّكْعَة الآخِرَة مِن صَلَاة العِشَاء قَنَتَ (دعا): اللَّهُمَّ أنْجِ عَيَّاشَ بنَ أبِي رَبِيعَة، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيد، اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَة بن هشام، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِين مِنَ المؤمنين (هذا عامٌّ بعْدَ خاصٍّ، والمُراد بالمُستَضعَفين مِن المُؤمِنين بِمَكَّة)، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَك (بَأْسَك أو عُقوبَتَك) علَى مُضَر (كُفَّارِ قُرَيْش أولاد مُضَر القَبيلة المَشْهورة الَّتي مِنها جَميعُ بُطونِ قُرَيْش)، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عليهم سِنِين (مُجدِبة) كَسِنِي يُوسُف) ..قال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "وينبغي للقانت (في الصلاة) أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سمَّى مَن يدعو لهم مِن المؤمنين، ومَن يدعو عليهم مِن الكافرين المحاربين كان ذلك حسناً"..
3 ـ عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في حديث طويل وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْش، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بقُرَيْش، اللَّهُمَّ عليك بقُريْش، ثُمَّ سَمَّى: اللَّهُمَّ عَلَيْك بأبي جَهْلٍ بن هشام، وعُتْبَة بن رَبِيعَة، وشيبَة بن رَبِيعَة، والوَلِيد بنِ عُتْبَة، وأُبَيِّ بنِ خَلَف، وعُقْبَة بن أبِي مُعَيْط. قال عبد اللَّه: فَلقَدْ رَأَيْتُهُمْ في قَلِيبِ بَدْر (الحُفرة التي حَفَرَها المُسلِمون في غزوة بدر لِيُلْقوا فيها مَن هَلَك مِن كُفَّارِ قُرَيْش)) رواه البخاري.
4 ـ دعا النبي صلى الله عليه وسلم على كِسرى ملك الفرس بتمزيق ملكه لما مزق كتابه صلى الله عليه وسلم إليه، وقد وقع ما دعا به. قال العيني في "عمدة القاري شرح صحيح البخاري": "فيه جواز الدعاء على الكفار إذا أساؤوا الأدب وأهانوا الدين"..
يُشرع الدعاء على أعداء الله الذين يحاربون الله ورسوله بالهلاك إذا أصروا على كفرهم وعنادهم، أو استمروا في إيذائهم للمؤمنين، وأيس من هدايتهم، لورود ذلك في القرآن الكريم والسُنة النبوية، قال الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا}(يونس:89)، وقال تعالى: {وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا}(نوح:26). قال القرطبي: "دعا عليهم حين يئس من اتباعهم إياه"..

فائدة:
هناك فرق بين الدعاء للكافرين بالهداية، والدعاء بالمغفرة لهم، فالأول وهو الدعاء لهم جائز، فيجوز للمسلم أن يدعو للكفار بالهداية سواء كان المدعو له واحداً أو أكثر، والثاني وهو الدعاء لهم بالمغفرة يَحْرُم ولا يجوز. وقد قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ}(التوبة:113). قال السعدي: "يعني: ما يليق ولا يَحْسُن للنبي وللمؤمنين به {أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} أي: لمن كفر به، وعَبَدَ معه غيره {وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} فإن الاستغفار لهم في هذه الحال غلط غير مفيد، فلا يليق بالنبي والمؤمنين، لأنهم إذا ماتوا على الشرك، أو علم أنهم يموتون عليه، فقد حقت عليهم كلمة العذاب، ووجب عليهم الخلود في النار، ولم تنفع فيهم شفاعة الشافعين، ولا استغفار المستغفرين".
وقال النووي: "وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة فحرام بنص القرآن والإجماع". وقال ابن تيمية في "مجموع الفتاوى": "فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسُنَّة والإجماع".. وقال العيني في شرح حديث (اللهُمَّ اِغْفِرْ لِقَوْمِي): "معناه: اهدهم إلى الإسلام الذي تصح معه المغفرة، لأن ذنب الكفر لا يُغفر، أو يكون المعنى: اغفر لهم إن أسلموا".
وقال القرطبي: "وقد قال كثير مِن العلماء: لا بأس أن يدعوَ الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيَّيْن، فأما مَنْ مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يُدعَى له".. ومن ثم فيجوز الدعاء للكافر الحي بالهداية، لا بالرحمة ولا بالمغفرة، ومما يدل على هذا ما رواه الترمذي وأبو داود عَنْ أَبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أنَّ اليهودَ كانوا يتعاطَسونَ عِندَ النَّبِيِّ رجاء أن يقول لهم: يرحَمُكمُ اللَّه، فكان يقول لهم: يهديكمُ اللَّهُ ويصلِحُ بالَكُمْ). وفي هذا الحديثِ: الدُّعاء لِمَن يُرجَى هِدايته مِن غيرِ المسلمين ما دامَ حيًّا، فإذا مات على ضلالِه وكُفْرِه، فلا دُعاءَ له..

مِن خلال السيرة النبوية ومواقفها وأحداثها نرى أن الدعاء على الكفار أو الدعاء لهم له أحوال، فحين يشتد عداؤهم ومحاربتهم للإسلام والمسلمين يُدْعَى عليهم بكف شرهم وهزيمتهم، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم على أهلِ مكَّةَ بِالشِّدّة وأن يُريهم سنين كَسِني يوسف، ودعا على صناديد قريش لِكثرة أذاهم وعداوتهم، فأُجيبتْ دعوتُه فيهم، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، ودعا على الكافرين عقب غزوة أحد فقال: (اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسُلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك إله الحق) رواه أحمد. وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب (الخندق).. وحين يُرْجَى هدايتهم وإسلامهم يُدعى لهم بالهداية، كما فعل صلى الله عليه وسلم بالدعاء بالهداية لثقيف ودوْس وغيرهم، ولأم أبي هريرة رضي الله عنها وغيرها..ولهذا ترجم البخاري في صحيحه فقال: "باب الدعاء على المشركين"، وفي موضع آخَر: "باب الدعاء للمشركين بالهُدى ليتألفهم". قال ابن حجر: "وقوله: "ليتألفهم" مِنْ تفقه المصنف إشارة منه إلى الفرق بين المقامين، وأنه صلى الله عليه وسلم كان تارة يدعو عليهم، وتارة يدعو لهم، فالحالة الأولى حيث تشتد شوكتهم ويكثر أذاهم.. والحالة الثانية حيث تؤمن غائلتهم ويُرْجَى تألفهم كما في قصة دوس"..
وقال ابن بطال في "شرح صحيح البخارى": "كان الرسول يحب دخول الناس في الإسلام، فكان لا يَعجل بالدعاء عليهم ما دام يطمع في إجابتهم إلى الإسلام، بل كان يدعو لمَن كان يرجو منه الإنابة، ومَن لا يرجوه ويَخشى ضره وشوكته يدعو عليه، كما دعا عليهم بسنين كسني يوسف، ودعا على صناديد قريش، لكثرة أذاهم وعداوتهم، فأجيبت دعوته فيهم، فقتلوا ببدر، كما أسلم كثير ممن دعا له بالهدى". وقال العيني: "ذكرنا أن دعاء النبي على حالتين: إحداهما: أنه يدعو لهم إذا أمِن غائلتهم، ورجا هدايتهم، والأخرى: أنه يدعو عليهم إذا اشتدت شوكتهم، وكثر أذاهم، ولم يأمن مِن شرهم على المسلمين".. فلم يكن دَأْب النبي صلى الله عليه وسلم ديمومة الدعاء على الكفار في كل حال، بل كان يدعو عليهم بالهلاك والعذاب في حالٍ دون حال، وعلى قومٍ دون آخرين، وثبت كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا لأفراد وجماعات مِن المشركين بالهداية.. 

www.islamweb.net