جامع البيان في القراءات السبع

02/08/2026| إسلام ويب

كتاب "جامع البيان في القراءات" لأبي عمرو الداني (ت444هـ) من الكتب العمدة في علم القراءات القرآنية، ومن المفيد التعريف بمؤلفه، ومنهجه في كتابه، ومضمونه، وبعض الجهود التي بُذلت لخدمته.
 
تعريف بالمؤلف 
 
يعدُّ عثمان بن سعيد، أبو عمرو الداني -الذي شهد له القاصي والداني بتفوقه في مجال قراءات القرآن- عَلَماً مقدماً في مجال علم القراءات القرآنية، قال عنه ابن الجزري (ت833هـ): "الإمام العلَّامة الحافظ أستاذ الأساتيذ، وشيخ مشايخ المقرئين"، وقال عنه ابن بشكوال (ت578هـ): "كان أحد الأئمة في علم القرآن ورواياته وتفسيره ومعانيه وطرقه وإعرابه، وجمع في ذلك تواليف حساناً، يطول تعدادها"، وقال عنه الحافظ عبد الله بن محمد بن خليل (ت777هـ): "لم يكن في عصره ولا بعد عصره بمدد أحد يضاهيه في حفظه وتحقيقه".
 
ومن نظر في كتبه علم مقدار الرجل وما وهبه الله تعالى، ولا سيما كتاب (جامع البيان) في ما رواه في القراءات السبع. والكلام في هذه السطور حوله. 
 
تعريف بالكتاب
 
عرض المؤلف خطة كتابه في مقدمته عرضاً شافياً وافياً، فقال: "أما بعد، أيدكم الله بتوفيقه، وأمدكم بعونه وتسديده، فإنكم سألتموني إسعافكم برسم كتاب في اختلاف الأئمة السبعة بالأمصار، محيط بأصولهم وفروعهم، مبين لمذاهبهم واختلافهم، جامع للمعمول عليه من رواياتهم، والمأخوذ به من طرقهم، ملخص للظاهر الجلي، موضح للغامض الخفي، محتوٍ على الاختصار والتقليل، خال من التكرار والتطويل، قائم بنفسه مستغن عن غيره، يذكِّر المقرئ الثاقب، ويُفْهِمُ المبتدئ الطالب، ويخف على الناسخ، ويكون عوناً للدارس، فأجبتكم إلى ما سألتموه، وأسعفتكم في ما رغبتموه، على النحو الذي أردتم، والوجه الذي طلبتم".
 
ويزيد خطته بياناً وتفصيلاً فيقول: "وذكرت لكم الاختلاف بين أئمة القراء في المواضع التي اختلفوا فيها من الأصول المطردة، والحروف المتفرقة، وبيِّنت اختلافهم بياناً شافياً، وشرحت مذاهبهم شرحاً كافياً، وقرَّبت تراجمهم وعباراتهم، وميَّزت بين طرقهم ورواياتهم، وعرَّفت بالصحيح السائر، ونبَّهت على السقيم الداثر". 
 
ثم يحدِّد شرطه في الرواة عن أئمة القراءة، فيقول: "وأفردت قراءة كل واحد من الأئمة برواية من أخذ القراءة عنه تلاوة، وأدى الحروف عنه حكاية، دون رواية من نقلها مطالعة في الكتب، ورؤية في الصحف، إذ الكتب والصحف غير محيطة بالحروف الجلية، ولا مؤدية عن الألفاظ الخفية، والتلاوة محيطة بذلك، ومؤدية عنه.
 
ثم يسمِّي الرواة على ما اشترطه مع طرق كل واحد منهم، فيبلغ بهم أربعين رواية، من مئة وستين طريقاً عن القراء السبعة، ويصف هذه الروايات والطرق بقوله: "هي التي أهل دهرنا عليها عاكفون، وبها أئمتنا آخذون، وإياها يصنفون وعلى ما جاءت به يعولون". 
 
ويردف ذلك ببيان طريقته في عرض وجوه القراءات، فيقول: "فإذا اتفق الرواة من طرقهم عن الإمام على أصل أو فرع، سميت الإمام دونهم، وإذا اختلفوا عنه سمَّيت من له الرواية منهم، وأهملت اسم غيره. وإذا اتفقت الأئمة كلهم على شيء، أضربت عن اتفاقهم، إلا في أماكن من الأصول، ومواضع من الحروف، فإني أذكر ذلك فيها: لنكتة أدلُّ عليها، أهملها المصنفون، أو لداثر أنبه عليه، أغفله المتقدمون، أو لغامض خفي أكشف عن خاص سره، وأُعرِّف بموضع غموضه، أو لوهم وغلط وقع في ذلك، فأرفع الإشكال في معرفة حقيقته، وأفصح عن صحة طريقته".
 
ثم يصل ذلك بعرض طريقته في جميع مادة الكتاب، فيقول: "ولا أعدو في شيء مما أرسمه في كتابي هذا ما قرأته لفظاً، أو أخذته أداء، أو سمعته قراءة، أو رأيته عرضاً، أو سألت عنه إماماً، أو ذكرت به متصدراً، أو أجيز لي، أو كُتِبَ به إلي، أو أذن لي في روايته، أو بلغني عن شيخ متقدِّم، أو مقرئ متصدِّر بإسناد عرفته وطريق ميزته، أو بحثت عنه عند عدم النص والرواية فيه، فألحقته بنظيره، وأجريت له حكم شبيهه". 
 
ويذيِّل كلامه هذا، بتوضيح مصطلحه في تسمية القراء، فيقول: "وإذا اتفق نافع (ت169هـ) وابن كثير (ت120هـ)، قلت: قرأ الحرميان، وإذا اتفق عاصم (ت127هـ) وحمزة (ت156هـ) والكسائي (ت189هـ)، قلت: قرأ الكوفيون؛ طلباً للتقريب على الملتمس، ورغبة في التسهيل على الطالبين". 
 
ويختم خطته المفصَّلة، بالحديث عن الأبحاث التي سيقدِّم بها للكتاب، فيقول: "وذلك بعد الاستفتاح بقول رسول الله ﷺ: (أنزل القرآن على سبعة أحرف) وبيان معناه، وشرح تأويله، ثم نتبعه بذكر الوارد من الأخبار في الحضِّ على اتباع السلف والأئمة في القراءة، والتمسك بما أدُّوه، والعمل بما تلقوه. ثم نصل ذلك بذكر أسماء القراء والناقلين عنهم، وأنسابهم، وكناهم، ومواطنهم، ووفياتهم، وبعض مناقبهم، وأحوالهم، وتسمية أئمتهم الذين أخذوا عنهم الحروف وقيدوها، وأدُّوا إليهم القراءة وضبطوها، وتسمية الذين نقلوا إلينا ذلك عنهم رواية وتلاوة".
 
ولا يفوته في هذه الخطة الحافلة أن يبين اهتمامه، واجتهاده، وعنايته في إعداد هذا الكتاب، وتصنيفه فيقول: "وبالغت في تلخيص ذلك وتقريبه، واجتهدت في إيضاحه وتهذيبه، وأعطيته حظاً وافراً من عنايتي، ونصيباً كاملاً من درايتي".
 
تلك هي خطة المؤلف في تصنيف الكتاب، وهي خطة مترابطة الحلقات، متسلسلة الأفكار، محكمة البناء، على أحسن ما تكون خطة كتاب ترابطاً وتسلسلاً وتناسقاً وإحكاماً.
 
والمؤلف قد وفَّى بالتزامه، ونفَّذ بنود خطته، فجاء كتابه متين البناء، متسلسل الأبواب، أخذ فيه كل موضوع حقّه من البحث والنقاش.
 
مضامين الكتاب
 
ابتدأ الداني كتابه بباب (ذكر الخبر الوارد عن النبي ﷺ بأن القرآن أنزل على سبعة أحرف، وبيان ما ينطوي عليه من المعاني، ويشتمل عليه من الوجوه) ساق فيه من روايات الحديث ما فيه كفاية ومقنع، ثم بحث في معناه من خلال إجابته على خمسة أسئلة:
 
أولها: ما معنى الأحرف التي أرادها النبي ﷺ ها هنا؟ وكيف تأويلها؟
 
والثاني: ما وجه إنزال القرآن على هذه السبعة أحرف؟ وما المراد بذلك؟
 
والثالث: في أي شيء يكون اختلاف هذه السبعة أحرف؟
 
والرابع: على كم معنى يشتمل اختلاف هذه السبعة أحرف؟
 
والخامس: هل هذه السبعة أحرف كلها متفرقة في القرآن موجودة فيه في ختمة واحدة؟
 
وقد جاء بحث الداني في الباب رائعاً رائقاً، زاخراً بالأمثلة والشواهد، ثم ختم الباب بإيراد جملة ما يعتقده ويختاره في موضوع إنزال القرآن، وكتابته، وجمعه، وتأليفه، وقراءته، ووجوهه.
 
والباب الثاني: جاء بعنوان (ذكر الأخبار الواردة بالحض على اتباع الأئمة من السلف في القراءة والتمسك بما أدّاه أئمة القراءة عنهم منها) ساق فيه روايات كثيرة عن الصحابة والتابعين، لم يجمعها كتاب آخر في ما نحسب.
 
وترجم في الباب الثالث للقراء السبعة ورواتهم الذين اعتمدهم في جامع البيان، فجاءت تراجمهم حافلة، مدعَّمة بالأسانيد المتصلة.
 
ورابع أبواب المقدمة تحدَّث فيه عن أسانيد القراء السبعة في تلقي القراءات إلى رسول الله ﷺ، وهو باب واسع، يدل على سعة رواية، وعمق بحث، خاصة في تعرضه لتضعيف الطبري (ت311هـ) اتصال قراءة ابن عامر (ت118هـ). فقد روى حجة الطبري، ثم كرَّ على مقالته بالتفنيد والتزييف، يؤيد آراءه بالروايات، ويدعِّم حججه بالأسانيد، في ردّ طويل مسهب ومقنع.
 
وخامس أبواب المقدمة -وهو آخرها- سرد فيه أسانيده بالروايات والطرق التي اعتمدها في جامع البيان عن القراء السبعة.
 
ثم شرع في بيان اختلاف القراء في أبواب الأصول، مبتدئاً بذكر اختلافهم في الاستعاذة، فالبسملة، فسورة فاتحة الكتاب، ثم ذكر اختلاف القراء في ضم ميم الجمع وفي إسكانها، ثم مذهب أبي عمرو البصري (ت154هـ) في الإدغام، ثم قال: "ذكر اختلافهم في سورة البقرة، فأول ما أقدّم من اختلافهم فيها مذاهبهم في الأصول التي تطَّرد، ويكثر دورها، ويجري القياس فيها، وأُرتب لذلك أبواباً، وأجعله فصولاً، ثم أتبعه بذكر الحروف التي يقلُّ دورها، ولا يجري قياس عليها سورة سورة إلى آخر القرآن".
 
وتحدث عن أبواب الأصول واحداً واحداً، ثم ذكر فَرْشَ الحروف سورة سورة إلى آخر القرآن.
 
منهج المؤلف
 
يعرض الداني اختلاف القراء ورواتهم عرضاً مفصّلاً مبسّطاً، بعبارة سلسة، وقلم سيَّال، ويناقش الروايات في مواطن الخلاف، فيبين الرواية الصحيحة الشائعة عند القراء، التي عليها العمل، والرواية الشاذة التي لم يعمل بها القراء، ولم يأخذ بها أهل الأداء، وهو في الترجيح يقول: "وبذلك قرأتُ، وعلى ذلك أهل الأداء". أو يقول: "بهذا قرأت، وبه آخذ". أو يقول:" وكذلك قرأت، وهو الذي يوجبه القياس، ويحققه النظر، وتدلُّ عليه الآثار، وتشهد بصحته النصوص، وهو الذي أتولَّاه، وآخذ به". أو يقول: "والعمل في قراءة عاصم من جميع طرقه، والأخذ له في كل رواياته، بالفصل بالتسمية لا غير". أو يقول: "والعمل عند عامة أهل الأداء من البغداديين: ابن مجاهد (ت324هـ) وابن شَنَبُوذ (ت328هـ)، وابن المنادي (ت336هـ) وغيرهم على الأول، وعلى جميع الرقيين، وبذلك قرأت على جميع شيوخي، وبه آخذ".
 
وفي التضعيف يقول: "وليس عليه العمل"، أو يقول: "وهذا خلاف لقول الجماعة أيضاً في سائر الباب".
 
وفي المواطن التي يكون الخلاف فيها قويًّا، يُسهب الداني في المناقشة والرد، ويُكثر من إيراد الروايات، حتى يظن أن القارئ لم يبق عنده أدنى ريبة في صحة ما يرى، ورجحان ما يقول. ففي رده على من يأخذ لورش (ت197هـ) بالمد الطويل، عند ما تتقدم الهمزة على حرف المد، يطولُ نَفَسُ الداني في إيراد الحجج والأدلة، ومناقشة النصوص، وردّ بعضها إلى بعض، حتى يستغرق الصفحات الكثيرة.
 
والداني في مناقشاته وترجيحاته يعتمد على الرواية والأثر، ويستعمل القياس والنظر، ويستشهد بأقوال النحويين. غير أنه لا يقدّم على صحيح الرواية قياساً، ولا على ثابت الأثر نظراً ولا لغة. يقول عند رواية الإسكان لأبي عمرو في راء بارئكم: "والإسكان أصحُّ في النقل، وأكثر في الأداء، وهو الذي أختاره وآخذ به". ثم يقول: "وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن، على الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردُّها قياس عربية، ولا فشوّ لغة، لأن القراءة سنَّة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها". ويقول: "والمذهبان حسنان بالغان، غير أن الأول أقيس، والثاني آثر، وعليه عامة أهل الأداء".
 
وأخيراً، فمادة "جامع البيان" العلمية مادة وفيرة، تذخر بالآثار، والأمثلة، والشواهد من القرآن الكريم التي تفوق العدّ والحصر، والمناقشات العلمية، والترجيحات المدعمة بأقوى الأدلة رواية، ولغة، وقياساً، يعرض الداني ذلك في تسلسل وترابط محكم، وتناسق وانسجام، بعبارة سهلة، وأسلوب عذب، وقلم سيَّال بالمترادفات الكثيرة، والعبارات المتزاوجة. وتلك صبغة في أسلوب أهل الأندلس، ومزيَّة في أدبهم وكتبهم.
مصادره
 
مصادر الداني في "جامع البيان" تتوزع على قسمين: رواياته عن الشيوخ، وكُتُبِ من سبقه من أئمة القراءات واللغة والتفسير.
 
أولاً: رواياته عن شيوخه: وهي المصدر الأهم، والأساس في جمع مادة الكتاب، وعلى شيوخه اعتمد غالباً في رواية وجوه القراءة، والخلاف بين القراء، وفي ضبط الأداء. وشيوخ الداني الذين روى عنهم القراءة في "جامع البيان" عَرْضاً، أو رواية حروف كثيرون، يزيد عددهم على السبعين شيخاً.
 
ثانياً: إفادته من الكتب: استفاد الداني من كتب الأئمة قبله، مما يتصل بموضوع كتابه، ككُتب القراءات وعلومها، وكتب النحو، وغيرها. أما كُتب القراءات فهي كثيرة، تشمل رواية الوجوه، والوقف والابتداء، وضبط الأداء، والأحرف السبعة.
 
على أن أهم كتاب من مصادر الداني في "جامع البيان" وأكثرها اعتماداً عليه، هو "كتاب السبعة" لابن مجاهد، حيث إن الداني ضمَّن كتابه معظم المادة العلمية لكتاب ابن مجاهد، سواء في رواية القراءة ووجوهها، أو في تراجم القراء ومناقبهم، وأسانيدهم.
 
خدمة الكتاب تحقيقاً
 
هذا، وقد طُبِعَ الكتاب غير مخدوم خدمة تليق بمكانته العلمية، ثم حُقِّق تحقيقاً علميًّا في رسائل علمية بجامعة أم القرى بمكة المكرمة من قبل أربعة من الطلبة: عبد المهيمن عبد السلام الطحان، وطلحة محمد توفيق، وسامي عمر إبراهيم، وخالد علي الغامدي
 
وجاء في مقدمة المحقِّقين: "فبسبب من شرف هذا العلم -علم القراءات- وفضله وأهميته وخطورته وعزوف الباحثين عنه في هذا الزمان، بادرنا إلى تحقيق هذا الكتاب النفيس، لما له من قيمة علمية كبيرة، ولما لمؤلفه من مكانة علمية بين جهابذة هذا الفن".
 
ولما وقفتْ مجموعة بحوث الكتاب والسنة التابعة لجامعة الشارقة على هذا التحقيق العلمي الدقيق، اتصلت بالمحقِّقين، وأخذت منهم الموافقة على طباعته ونشره. وصدر الكتاب بحلِّة قشيبة، وقد نال العناية والاهتمام بما يليق بجلالة قدر مؤلفه، ومكانة كتابه. وصدرت الطبعة الأولى من الكتاب، 1428هـ-2007م. 

 

www.islamweb.net