الخطبة الأولى
الحمد لله الكريم المنَّان، العظيم الرحيم، جعل برَّ الوالدين من أجلِّ القربات، وقرن حقهما بحقه في محكم الآيات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالإحسان إلى الأمهات والآباء، ووعد على ذلك عظيم الثواب والجزاء، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أبرُّ الناس بأهله، وأعظمهم وفاءً ورحمةً بأمهات المؤمنين وسائر النساء، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه واقتفى أثره إلى يوم الدين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد: عباد الله: الحديث عن الأم حديثٌ عن مدرسة الرحمة، ومنبع الحنان، وسرِّ التضحية، وأعظمِ أسباب الاستقرار في البيوت والمجتمعات؛ فالأمُّ نعمةٌ من أجلِّ نعم الله على العباد، جعل الله لها منزلةً عظيمة، ومكانةً رفيعة، وحقًّا مؤكدًا، حتى قرن سبحانه برَّها وبر الأب بعبادته وتوحيده، فقال جل شأنه: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23].
فتأملوا -رحمكم الله- كيف جاء حق الوالدين مباشرة بعد حق الله تعالى، وما ذاك إلا لعظيم فضلهما، وخاصة الأم التي تحملت من المشاق والآلام ما لا يطيقه كثير من الناس. قال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ} [لقمان: 14]. فالأم حملت، وسهرت، وأرضعت، وربَّت، وضحَّت براحتها وصحتها وعمرها من أجل أولادها، لا تنتظر جزاءً ولا شكورًا.
وقد عظَّم النبي صلى الله عليه وسلم حق الأم تعظيمًا بالغًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك) رواه البخاري. قال العلماء: إنما كرر الأم ثلاثًا لعظيم ما تتحمله من الحمل والولادة والرضاعة والتربية والخدمة.
معاشر المؤمنين: الأم ليست شخصاً عادياً في حياة الإنسان، بل هي موطن للرحمة، ومصدر للأمان، وباب من أبواب الجنة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الجنة تحت أقدام الأمهات) رواه النسائي. وإن كان في إسناده كلام عند بعض أهل العلم، إلا أن معناه صحيح تشهد له النصوص الكثيرة الدالة على عظيم برِّ الأم والإحسان إليها.
وقد كان السلف الصالح يبالغون في بر أمهاتهم؛ فهذا ابن عون -رحمه الله- كان إذا نادى أمه خفض صوته، وكان محمد بن سيرين إذا كلم أمه كأنه يتضرع. وقال طلحة بن مصرف: "ما برَّ رجلٌ أمه إلا وسَّع الله عليه في رزقه".
ولقد أكثر الشعراء من وصف فضل الأم، ومن ذلك قول حافظ إبراهيم -رحمه الله-:
الأمُّ مدرسةٌ إذا أعددتَها *** أعددتَ شعبًا طيبَ الأعراقِ
فالأم الصالحة تُخرِّج العلماء والدعاة والقادة والأبطال، وإذا فسد حال الأمهات ضعف حال المجتمعات، ولذلك كان الاهتمام بالأم في الإسلام اهتمامًا ببناء الأمة كلها؛ حتى قال بعض المعاصرين: "وحد عقلية الأم توحد عقلية الأمة".
أيها المسلمون: إن من أعظم ما ينبغي أن يعتني به المسلم معرفة حقوق الأم التي أوجبها الله تعالى، فإن كثيرًا من الناس يعرف فضلها نظريًا، لكنه يقصِّر عمليًا في حقوقها.
فمن حقوقها: طاعتها في غير معصية الله، وخفض الجناح لها، والإنفاق عليها عند حاجتها، والإحسان إليها قولًا وفعلًا، والصبر على ما قد يصدر منها من غضب، أو تكرار أو ضعف بسبب الكبر والمرض، قال تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء: 23-24].
تأملوا كيف نهى الله حتى عن كلمة التضجر الصغيرة "أف"، فكيف بمن يرفع صوته على أمه؟! وكيف بمن يهجرها أو يؤذيها أو يترك السؤال عنها؟! بل كيف بمن يودعها دور الرعاية ويتنكر لفضلها؟! إن هذا من العقوق العظيم الذي توعد الله ورسوله عليه بالعقوبات الشديدة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين) رواه البخاري.
ومن حقوق الأم كذلك: الدعاء لها حيَّة وميتة، وصلة رحمها، وإكرام صديقاتها، وتنفيذ وصيتها المشروعة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما) رواه أبو داود.
معاشر المؤمنين: إن من المؤلم في هذا العصر أن بعض الأبناء والبنات يتعاملون مع أمهاتهم بغلظة أو جفاء، وربما انشغلوا بالهواتف والشاشات ورفقاء السوء عن مجالسة أمهاتهم والسؤال عن حاجاتهن. وبعض الناس لا يتذكر أمه إلا في مناسبة عابرة أو يوم محدد، بينما الإسلام جعل بر الأم عبادةً مستمرة لا تنقطع طوال العام.
عباد الله: لقد انتشر في العالم ما يسمى "بيوم الأم"، وهو يوم يُحتفل فيه بالأمهات، ويُقدَّم لهن شيء من الهدايا والكلمات. والأصل الذي ينبغي أن يقرره المسلم أن تكريم الأم في الإسلام ليس يومًا واحدًا في السنة، بل هو عبادة دائمة وشريعة مستمرة. فالمسلم يبر أمه كل يوم، ويحسن إليها كل حين، لا ينتظر مناسبة عالمية ليتذكر فضلها، والمهم ألا يتحول الأمر إلى بديل عن البر الحقيقي المستمر، فإن بعض الناس قد يهدي أمه هدية في يوم الأم، ثم يعقها بقية السنة! وهذا من التناقض العظيم.
لقد كان السلف يبرون أمهاتهم أعظم البر دون أن ينتظروا يومًا خاصًا؛ فهذا علي بن الحسين -رحمه الله- كان لا يأكل مع أمه في صحفة واحدة، فقيل له: إنك من أبر الناس بأمك، فلماذا لا تأكل معها؟ فقال: "أخشى أن تسبق عيني إلى ما سبقت إليه عينها فأكون قد عققتها". فتأملوا هذا الفقه العظيم في البر والخوف من التقصير.
فاحذروا عباد الله: من العقوق، وتمسكوا بالبر، وأكثروا من الدعاء لأمهاتكم، أحياءً وأمواتًا، فإن دعوة صادقة، وكلمة طيبة، وخدمة يسيرة، قد تكون سببًا في رضا الله تعالى ودخول الجنة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. فاتقوا الله عباد الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أن من أعظم القربات بعد توحيد الله بر الوالدين، وعلى رأسهما الأم التي أوصى الله بها في كتابه، وكرر النبي صلى الله عليه وسلم الوصية بحقها في سنته.
أما بعد: معاشر المؤمنين: بر الأم في الإسلام ليس مكرمةً في يوم عابر، بل مكرمة في كل يوم وساعة، والبر الحقيقي يكون بطاعتها والإحسان إليها وخدمتها والصبر عليها والدعاء لها.
وإن من واجب الآباء والأمهات كذلك أن يربوا أبناءهم على معرفة قدر الأم واحترامها، وأن يغرسوا في نفوسهم معاني الرحمة والوفاء، حتى ينشأ جيل بارٌّ رحيم، يعرف لأهل الفضل فضلهم.
عباد الله: إن من أعظم أسباب سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة رضا والديه عنه، وخاصة الأم، وقد كان بعض السلف يقول: "دعوة الأم تفتح للولد أبواب السماء". وكم من إنسان وُفِّق في حياته بسبب بره بأمه، وكم من آخر تعسرت أموره بسبب عقوقه وجفائه.
فيا من أدرك أمه: اغتنم حياتها قبل فوات الأوان، واحرص على البر بها، والجلوس معها، وإدخال السرور عليها، فإنك لا تدري متى تفقدها. ويا من فقد أمه: أكثر لها من الدعاء والصدقة والاستغفار، فإن البر لا ينقطع بالموت.
وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة والنعمة المسداة، كما أمركم الله بذلك فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].