واللهِ ما الفقرَ أخشى عليكم

21/05/2026| إسلام ويب

 

 

 

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

الفقر والغنى كلاهما امتحان من الله تعالى، يبتلي بهما عباده ليظهر صبر الصابرين وشُكر الشاكرين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له) رواه مسلم. فالمؤمن إن أصابته نعمة دينية من عبادة وعمل صالح، أو نعمة دنيوية كالمال والبنين، شكر الله فحصل له الأجر في الآخرة، مع سروره في الدنيا، وإن أصابته ضراء من فقر أو مرض أو ابتلاء، صبر وانتظر الفرج من الله، فكان الصبر خيراً له، لأنه يُثاب بأجر الصابرين الذين يُوفَّون أجورهم بغير حساب..

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الفقر، ويحذر من فتنة الغنى والمال، فيقول: (اللهُمَّ إنِّي أعوذُ بك مِنَ الكَسَلِ والهَرَمِ، والمَأثَمِ والمَغرَمِ، ومِن فِتنةِ القَبرِ وعَذابِ القَبرِ، ومِن فِتنةِ النَّارِ وعَذابِ النَّارِ، ومِن شَرِّ فِتنةِ الغِنى، وأعوذُ بك مِن فِتنةِ الفَقرِ) رواه البخاري.

فالغِنى بلا إيمان وتقوى، باب من أبواب الفتن العظيمة، فالمال يكون نعمةً إذا استُعمل في طاعة الله، وسُخّر في مرضاته، فيكون سبباً لدخول الجنة، وقد يكون المال نقمةً إذا استُعمل في المعصية، فيكون سبباً للهلاك والنار، وإن أخطر ما يواجه القلوب ليس الفقر ولا قلة ذات اليد، وإنما في المال والغنى، قال صلى الله عليه وسلم: (إنَّ لكلِّ أمَّةٍ فتنةً وفتنَةُ أمَّتي: المالُ) رواه الترمذي، وقال أيضا: (فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِن أخشى علَيكُم أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُلهيكُم كما ألهَتْهم) رواه البخاري.

وإذا نظرنا في واقعنا اليوم، نرى مِن الناس مَنْ إذا أنعم الله عليه بنعمة ووسَّع عليه في رزق ومال نسي المُنعم سبحانه، واستخدمه في معصية الله، وتكبر على خلقه، وأفسد في الأرض..

وحتى نعرف الطريق الصحيح، لا بد أن نرجع إلى حال الصحابة رضوان الله عليهم، لنرى كيف عاشوا قبل أن تُفتح عليهم الدنيا، وكيف ظلوا ثابتين بعد أن فُتحت عليهم..

لقد أدرك الكثير من الصحابة الحالين: حال الفقر وحال الغنى، فما غيّر الفقر صبرهم، وما غيّر الغنى قلوبهم، بل ظلوا صابرين راضين في الفقر والضراء، شاكرين حامدين في السراء والنعمة..

كان أهل الصفة من الصحابة الفقراء لا مأوى لهم ولا بيوت، فكانوا ينامون في المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ بعضهم إلى بيته ليطعمهم، فإذا لم يجد طعاماً قال: (إني إذاً صائم). وكان الصحابة الذين عندهم سعة في العيش يواسون إخوانهم ويقدّمون لهم ما عندهم ولو كان قليلاً، كما فعل الأنصار مع المهاجرين..

وما شبع الصحابة رضوان الله عليهم من التمر إلا بعد معركة خيبر، وكانوا من شدة فقرهم لا يرون الطعام الشهي إلا يسيراً، وكانت خفافهم مشققة، وثيابهم مرقعة، يجاهدون في سبيل الله ولو لم يجدوا في طريق الجهاد إلا ورق الشجر طعاما لهم..

أيها المؤمنون: وحين فُتحت الدنيا على الصحابة رضوان الله عليهم، وجاءتهم الأموال من كل صوب، لم يغيّر الغنى قلوبهم، ولم يفسد نفوسهم، بل ظلوا على حالهم من الزهد والورع، شاكرين لله، منفقين في سبيله.. لقد عاشوا الفقر والضراء، ثم أدركوا الغنى والسراء، فكانوا في الحالين عباداً لله، لا يفتنهم المال ولا يطغون به، بل كانوا يرونه وسيلةً للآخرة لا غايةً للدنيا..

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه، حين تولى الخلافة، لم يتغيّر حاله، بل ظل يخرج إلى السوق ليبيع ويشتري حتى قال له الصحابة: لا يليق بخليفة رسول الله أن ينشغل بالتجارة، فجعلوا له رزقاً من بيت المال، ومع ذلك ظل زاهداً، لا يحرص على جمع الدنيا، بل يوزعها في سبيل الله، ويجعلها ذخرا له في الآخرة..

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي فتحت في عهده كنوز فارس والروم، ومع ذلك كان يلبس الثوب المرقع، ويأكل الزيت والخبز، ويقول: "لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً، ولكني أستبقي طيباتي للآخرة". فكان يرى المال وسيلة للآخرة، لا وسيلة للترف والفساد..

وعثمان بن عفان رضي الله عنه، الذي كان من أغنياء الصحابة، لم يكن المال عنده سبباً للكبر والبخل، بل كان سبباً للإنفاق العظيم في سبيل الله..

وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، عاش زاهداً، يلبس الخشن، ويأكل القليل، ولما فتحت الدنيا كان يقول: "يا دنيا غرّي غيري، إليَّ تشوقتي أم إلي تعرضتي، طلّقتك ثلاثاً لا رجعة فيها، لا أمل لي فيكي، ولا أمل لك فيّ، فاذهبي عني وابحثي عن غيري".

وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بعث لها معاوية رضي الله عنه بمائة ألف درهم فقسمتها ولم تترك منها شيئاً، فقالت لها بريرة خادمتها: "أنت صائمة، فهلا ابتعت لنا منها بدرهم واحد من المائة ألف من أجل طعام الإفطار، فقالت عائِشة رضي الله عنها: لو ذكَّرْتيني لفعلت"، هكذا كان حالها رضي الله عنها في حال الغنى، تنفق المال كله في سبيل الله، وتنسى نفسها..

عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، من كبار الأغنياء، أُتي بطعام وهو صائم، فلما قُرِّب إليه الطعام نظر إليه وقال: قُتِل مصعب بن عمير وهو خير مني، وكفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت رجلاه بدا رأسه، وقُتل حمزة وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط، وأعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا قد عُجلت لنا"، ثم جعل يبكي رضي الله عنه، ما تغيرت نفوسهم والله، ولا تبدلت، يذكرون على الطعام إخوانهم الفقراء الشهداء قبل الفتوحات، فلا ينسونهم مع النعم التي يعيشون فيها..

هكذا كان حال الصحابة رضوان الله عليهم، لم يغيّر الغنى قلوبهم، ولم يفتنهم المال، بل جعلوه وسيلةً وزاداً للآخرة، لأنهم كانوا يدركون أن الدنيا دار ممر، وأن الآخرة دار مقر، والعبرة أن الغنى لا يكون خطراً إذا صاحبه إيمان وتقوى، وإنما الخطر أن يُتاح المال بلا رقيب من الإيمان والتقوى، فيتنافس الناس فيه وينسون الآخرة، وقد أدرك الصحابة هذا المعنى العظيم، فكانوا في الغنى شاكرين منفقين، كما كانوا في الفقر صابرين راضين..

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم في الفقر صابرين محتسبين، وفي الغنى شاكرين منفقين، لم تغيّر الدنيا قلوبهم، ولم يفتنهم المال، بل جعلوه وسيلةً وزاداً للآخرة..

عاشوا الفقر فلم يجزعوا، وأدركوا الغنى فلم يطغوا، بل كانوا يرون أن المال لا قيمة له إن لم يُستعمل في طاعة الله، وأن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الغِنى عن كَثرةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنى غِنى النَّفسِ) رواه البخاري.

كان تعاملهم رضوان الله عليهم مع المال مثالاً يُحتذى، لم يغيّر الغنى قلوبهم، ولم يفتنهم المال، بل كانوا ينفقون على الفقراء والمساكين، ويواسون إخوانهم، وكانوا يرون في المال حقاً لليتيم والمسكين وابن السبيل، ويجعلونه وسيلةً للتكافل والإحسان.. بينما بعض الناس اليوم إذا وسّع الله عليهم نسوا حقوق الفقراء والمساكين، وانشغلوا بزينة الدنيا، وأعرضوا عن شكر المنعم سبحانه، فاستخدموا المال في الترف والمعاصي بدل أن يكون وسيلةً للخير والبر، وهذا هو الخطر الذي حذّر منه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (فواللهِ ما الفَقرَ أخشى علَيكُم، ولَكِن أخشى علَيكُم أن تُبسَطَ عليكُمُ الدُّنيا كما بُسِطَت على مَن كان قَبلَكُم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُلهيكُم كما ألهَتْهم) رواه البخاري.

وختاماً: فلنعتبر بحال الصحابة رضوان الله عليهم الذين جمعوا بين الصبر والرضا في الفقر، والشكر والعطاء في الغنى، ولنحذر مِنْ حال مَنْ ينسى الله إذا وسّع عليه في رزقه.. فالمال نعمة وابتلاء، فإما أن يكون نعمةً تأخذ بيدك إلى الجنة إذا استُعمل في الطاعة، وإما أن يكون نقمةً تقود إلى النار إذا استُعمل في المعصية، وهذا لا ينافي السعي للرزق والمال، بل الإسلام دعا إلى السعي والكسب من الحلال، ووضْع المال في مصارفه الشرعية، من رعاية الأهل والأولاد والتوسعة عليهم، والإنفاق على الفقراء والمساكين، وبذل الخير للناس، لكنه شدّد على أن يكون المال في اليد لا في القلب، وأن يكون وسيلةً للطاعات والخيرات لا أداةً للشر والفساد..

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
 

www.islamweb.net