
الخطبة الأولى
الحمد لله الكبير المتعال، ذي الجلال والإكرام، الذي شرع لعباده المواسمَ الفاضلة، وجعل فيها من الخيرات والنفحات ما تُطهَّر به القلوب، وتُغفر به الذنوب، أحمده سبحانه وأشكره على ما أولى وأنعم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ جعل الأعيادَ شعائرَ للإسلام، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، خيرُ من صلى وصام، ولبَّى وحجَّ البيت الحرام، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأطهار، وصحابته الأخيار، ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أيها المسلمون: أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي وصية الله للأولين والأخرين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد: عباد الله: فإن من أعظم مواسم الطاعة التي امتنَّ الله بها على عباده: عيدَ الأضحى المبارك، ذلك العيد العظيم الذي يجتمع فيه المسلمون على ذكر الله وتعظيمه، وإظهار شعائر الإسلام، والتقرب إلى الله بالمناسك وأنواع القربات. وهو يومٌ من أيام الله المشهودة، شرعه الله لهذه الأمة رحمةً وفضلاً، وأبدلها به عن أعياد الجاهلية، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال: (إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الفطر، ويوم النحر) رواه أحمد.
معاشر المؤمنين: إن عيد الأضحى مرتبطٌ بأعظم شعائر الإسلام؛ بالحجِّ والوقوف بعرفة، والتلبية والتكبير، والنحر والذكر، فهو عيدُ التوحيد والتسليم والطاعة. وفيه يتذكر المسلمون قصة الخليل إبراهيم عليه السلام حين امتثل أمر ربه، واستجاب لندائه، وهمَّ بذبح ولده إسماعيل عليه السلام طاعةً لله، فلما صدق في الامتثال، فداه الله بذبحٍ عظيم، قال سبحانه: {فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 103 - 107].
أيها المسلمون: ومن أعظم ما ينبغي أن يتعلمه المسلم في هذه الأيام: أحكام الأضحية وآدابها، فإنها شعيرة عظيمة من شعائر الدين، قال تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 2]. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ووضع رجله على صفحتهما، ويذبحهما بيده) متفق عليه.
والأضحية سنة مؤكدة عند جمهور أهل العلم للقادر المستطيع، يثاب فاعلها أجرًا عظيمًا، وهي من أحب الأعمال إلى الله في هذه الأيام المباركة، عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما عمل آدمي من عمل يوم النحر أحب إلى الله من إهراق الدم، إنه ليأتي يوم القيامة بقرونها وأشعارها وأظلافها، وأن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع من الأرض، فطيبوا بها نفسا) رواه الترمذي.
ويبدأ وقت ذبحها بعد صلاة العيد، قال صلى الله عليه وسلم: (من ذبح قبل الصلاة فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين) متفق عليه.
ومما ينبغي معرفته: أن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام؛ من الإبل والبقر والغنم، ولا بد أن تكون سليمة من العيوب الظاهرة، فلا تجزئ العوراء البيِّن عورها، ولا المريضة البيِّن مرضها، ولا العرجاء البيِّن ضلعها، ولا الهزيلة التي لا مخ فيها، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه الذي رواه الترمذي.
كما يُستحب للمضحي إذا دخلت عشر ذي الحجة، وأراد أن يضحي، ألا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي، عن أم سلمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئا) رواه مسلم.
معاشر المؤمنين: إن عيد الأضحى ليس أيامَ لهوٍ وغفلة، ولا مناسبةً للتفاخر والإسراف، بل هو موسمٌ للطاعة والبر والإحسان وصلة الأرحام، والسرور والبهجة وفق الشرع وكما يرضي الله سبحانه.
فمن آدابه العظيمة: إظهار الفرح المشروع، والتوسعة على الأهل والأولاد، وإدخال السرور على الفقراء والمحتاجين، وإحياء سنة التكبير، قال تعالى: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يجهرون بالتكبير في الأسواق والمساجد والبيوت في أيام العشر وأيام التشريق، تعظيمًا لله وإظهارًا لشعائر الإسلام. ومن صيغ التكبير المشهورة: "الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد".
ومن آداب العيد كذلك: الاغتسال والتطيب، ولبس أحسن الثياب من غير إسراف ولا مخيلة، والذهاب إلى صلاة العيد بخشوع وسكينة، وإظهار الألفة والمحبة بين المسلمين، وتبادل التهاني الطيبة والدعوات الصالحة؛ كقول: "تقبل الله منا ومنكم" ونحو ذلك من التهاني والتبريكات.
أيها المسلمون: ومن المؤسف أن بعض الناس جعلوا العيد مناسبةً للغفلة والمعاصي، فتجد منهم من يضيع الصلوات، ويقارف المحرمات ويشيع المنكرات، وربما تفاخر بعضهم بالمظاهر والكماليات، ونسوا أن العيد شكرٌ لله وطاعةٌ له، وأن النعمة تدوم بالشكر وتزول بالكفر والبطر، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7].
فاتقوا الله -عباد الله-: وعظِّموا شعائر الله، فإن تعظيمها من تقوى القلوب، قال سبحانه: {ذَٰلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. وأحسنوا إلى الفقراء والمساكين، وتفقدوا أحوال المحتاجين، وأدخلوا السرور على الأيتام والأرامل، فإن أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.
وقد أحسن القائل:
هذا هو العيد فلتصف النفوس به *** وبذلك الخير فيه خير ما صنعا
أيامه موسم للبر نزرعه *** وعند ربي يجني المرء ما زرعا
فاغتنموا -رحمكم الله- هذه الأيام المباركات، وأكثروا فيها من الذكر والتكبير والتهليل والتحميد، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الخلق، والتوسعة على النفس والأهل والولد، فإنها أيامٌ معدودات سرعان ما تنقضي، والسعيد من عمرها بطاعة الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الأولى والآخرة، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن من أعظم ما يُتقرب به إلى الله في هذه المواسم المباركة: تعظيم شعائر الله، والقيام بحقوقه، والمحافظة على الطاعات، والبعد عن المعاصي والمنكرات.
أيها المسلمون: وإن من أعظم الدروس التي نتعلمها من هذا العيد المبارك: معنى الاستسلام لله والانقياد لأمره، كما فعل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، فالمؤمن الحق هو الذي يقدِّم أمرَ الله على هوى نفسه، وطاعةَ ربه على رغباته وشهواته.
كما أن من معاني العيد العظيمة: وحدة المسلمين واجتماعهم على الطاعة، ففي مشارق الأرض ومغاربها يكبر المسلمون ربهم، ويذكرونه، ويصلون صلاة العيد، ويذبحون أضاحيهم، في مشهدٍ عظيم يدل على وحدة هذا الدين وعظمة هذه الأمة.
فاحرصوا على اغتنام هذه الأيام فيما ينفع، وربُّوا أبناءكم على تعظيم شعائر الإسلام، وحبِّ الطاعات، والفرح بالأعياد الشرعية، واحذروا من التشبه بالكفار في أعيادهم وعاداتهم المخالفة لدين الله.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].