
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم، الملك العلي الأعلى، {الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} [الأعلى: 2 - 5].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً أرجو بها النجاة من أهوال يوم القيامة، يوم يبعثر ما في القبور، ويحصل ما في الصدور، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الهادي البشير، والسراج المنير، أرسله الله إلى الناس كافة؛ بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، فصلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه، ومن سار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
أيها المسلمون: اتقوا الله تعالى حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا كل ما يجلب سخط الله جلَّ جلاله؛ من الوقوع في معاصيه والتقصير في طاعته، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
أما بعد:
عباد الله: اعلموا أنكم في دار ممر لا دار مقر، وأن الأعمار تُطوى، والأيام تمضي، وما مضى من دهركم فلن يعود.
معاشر المؤمنين: إن الله عز وجل قد تفضَّل على عباده بمواسم خيرات وبركات، جعلها محطات إيمانية لتطهير النفوس ومضاعفة الأجور، وهي فرص عظيمة يفتح فيها أبواب الرحمة على مصاريعها، ويرتفع فيها قدر العمل الصالح. فالعاقل من اغتنم هذه المواسم، والشقي من مرَّت عليه كنظيراتها من الأيام والليالي.
وما أكثر مواسم الخيرات، ومناسبات الجود والرحمة التي يجعلها الله لعباده فرصاً للتقرب منه، والتوبة إليه، فيغفر الله بها الزلات ويكفر السيئات، ويقيل العثرات.
فعلى المسلم أن يستغل تلك الفرص، وأن يتعرض لنفحات الله؛ رجاء أن يكون من المقبولين في رحمة الله ورضوانه. {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا} [البقرة: 148].
إن الصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام، والأيام الفاضلة في العام من أعظم ما يصقل القلوب، ويجلوها مما ران عليها؛ من ظلمات الذنوب والمعاصي.
أيها المؤمنون: لقد جعل الله الحياة اختباراً، وجعل مواسم الخيرات ساحة للتنافس بين عباده. فكما يتنافس المتسابقون على خط النهاية، يتنافس الصالحون على بلوغ أعلى الدرجات. وربنا عز وجل يدعونا إلى هذا التنافس المحمود، فيقول: {وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ} [المطففين: 26].
إن مواسم الخيرات، كشهر رمضان، والأيام العشر من ذي الحجة، وأيام شعبان، وغيرها، هي بضاعة ربحها عظيم وخسارتها فادحة. فما هو السر في عظمة هذه الأوقات؟
السر أيها الكرام يكمن في أن الله تعالى يضاعف فيها الأجر، ويفتح فيها أبواب التوبة، وتتغير فيها سنن الحياة الروتينية لتهيئة العبد للطاعة والاجتهاد.
عباد الله: إن السعيد كل السعادة، من وفق في هذه المواسم المباركة، وإن أعظم ما يوفق إليه وهو أول الأمور المطلوبة للاستفادة من مواسم الخيرات؛ التوبة النصوح، المستوفية لشروطها، المتضمنة للإقلاع عن الذنب، والندم على فعله، والعزم على عدم العودة إليه مرة أخرى.
وإن الغانم كل الغنيمة من بدأ حياة جديدة، وفتح صفحة ناصعة بالأعمال الصالحة، بعد هذه المواسم العظيمة، وعاهد ربه -عهداً أكيداً- أن يستمر على طاعته إلى الممات امتثالاً لقوله عز وجل: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
عباد الله: إن العمر قصير، والأنفاس معدودة، والفرص لا تدوم. ولقد حذَّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من التراخي والتسويف في استغلال الأوقات المباركة، فقال صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) رواه النسائي.
وهذه الخمس تشمل الأوقات والأحوال؛ فمواسم الخيرات تدخل ضمن "الفراغ قبل الشغل"، و"الحياة قبل الموت". إننا نعيش في هذه المواسم ونحن ننظر إلى أناس تحت التراب يتمنون لو رُدُّوا للحظة واحدة ليسبحوا أو يكبروا أو يقرأوا آية.
معاشر المؤمنين: اتقوا الله واستمروا على الأعمال الصالحة، وابدؤوها حياة جديدة، وتوبوا إلى ربكم عز وجل توبة نصوحاً، فإنه يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [التحريم: 8].
وإن التوبة لن تكون نصوحاً مقبولةً حتى تكون خالصةً لله عز وجل، بأن يكون الباعث لها حب الله وتعظيمه، ورجاء ثوابه، والخوف من عقابه، ولن تكون التوبة مقبولة حتى يقلع صاحبها عن المعصية، فليست التوبة أن يقول الإنسان بلسانه: أتوب إلى الله، وهو مصرٌّ على معصية الله: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [آل عمران: 135، 136].
عباد الله: ليست التوبة أن يقول ذلك، وهو متهاون غير مبال بما جرى منه، من معصية الله، وليست التوبة أن يقول ذلك وهو عازمٌ على أن يعود إلى معصية الله، ومخالفة أمره، فلن تكون التوبة مقبولة حتى تتم فيها هذه الشروط، فلا تقبل توبة تارك الصلاة حتى يؤديها، ولا تقبل توبة فاعل الجرائم حتى يقلع عنها.
واقتدوا بنبيكم صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان دائم التوبة، عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) رواه البخاري. وعن الأغر بن يسار المزني، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب في اليوم مائة مرة) رواه مسلم.
فإذا كان هذا عمل رسولكم، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، فكيف بحالنا وقد رانت علينا الذنوب العظيمة، وطغت في مجتمعاتنا، فما أحرانا -أيها المسلمون- أن نصدق التوبة مع ربنا، فكفانا بعداً عن الله، وكفانا ما نحن فيه.
وإذا أردنا أن نكون من الفائزين والمغتنمين، فلا بد لنا من منهج واضح في التعامل مع هذه الأوقات:
فلا بد من نية صادقة وعزيمة جازمة: ابدأ موسم الخير بنية صادقة وعزيمة على ترك الذنوب والاجتهاد في الطاعات، فـ(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ).
ثم عليك بتنويع العبادات: فلا تقتصر على عبادة واحدة، بل نوِّع بين الصلاة، والقيام، والصيام، وقراءة القرآن، والصدقات، وذكر الله، والبر وصلة الرحم. فتنويع العبادات أدعى لدوام النشاط.
وقم بترتيب الأولويات ومحاسبة النفس: ضع جدولاً يومياً لأوقات الطاعات، والتزم به التزاماً صارماً، وحاسب نفسك في نهاية اليوم على ما قدمت وما أضعت.
وعليك بتصفية القلب من الشوائب: فمواسم الخيرات لا تنفع إلا مع قلب سليم؛ فطهر قلبك من الغل والحسد والشحناء والقطيعة، فإن الله لا يقبل عمل المتقاطعين.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً كما أمر، وأشكره وقد تأذن بالزيادة لمن شكر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة الغرر.
عباد الله: عليكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن.
أما بعد:
معاشر المؤمنين: هناك آفتان تُهدِران بركة مواسم الخيرات، وهما:
آفة التسويف : يظن العبد أن الوقت طويل، فيقول: "سأصلي بعد قليل"، "سأقرأ القرآن غداً"، "سأتوب في العشر الأواخر". حتى ينتهي الموسم وهو لم يزل ينتظر الغد الذي لم يأتِ. وقد قيل: "التسويف جند من جنود إبليس".
آفة الغفلة : وهي الانشغال بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، كطول الجلوس أمام الشاشات، أو الإفراط في اللهو. فيخرج المؤمن من الموسم وقد ضاعت ساعاته الثمينة في ما لا يغني ولا يسمن من جوع.
يا عباد الله: عودوا إلى كتاب ربكم، واستحضروا عظمة الأجر المضاعف؛ فدقيقة في موسم الطاعة قد تعادل أياماً في غيرها.
معاشر المؤمنين: اغتنموا فرصة الحياة القصيرة بالتزود لدار القرار، فها هي الأيام تمضي سريعاً، والأوقات محدودة، والأنفاس معدودة، وتمر بكم مواسم الخيرات واحدة تلو الأخرى وهي شاهدة لكم، أو عليكم بما أودعتموها من أعمال، فالسعيد من تذكر ما أمامه، فاستعد له، والشقي من غفل عنه وأمن من مكر الله عز وجل.
ولا تغتروا بحلم الله سبحانه، واعمروا أوقاتكم بطاعة الله، واستغلوا فرصة حياتكم وشبابكم وصحتكم بالعمل الصالح.
عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) رواه البخاري؛ يعني: أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، ومن كان مقصراً في شكر ما أنعم الله به عليه فهو مغبون.
أيها المسلمون: إن من أهم ما ينبغي الانتباه له هو الاستدامة بعد انتهاء مواسم الخيرات.
فالعبادة ليست موسمية، بل هي دائمة لا تنتهي إلا بانتهاء الأجل. صحيح أن المواسم لها فضل خاص، لكن المؤمن الحق هو الذي يجعل هذه المواسم محطة شحن إيماني، يستمد منها القوة والنشاط ليواصل العبادة بعد انتهائها.
لقد سُئِل الحسن البصري -رحمه الله- عن قوم يجتهدون في رمضان ثم يتركون الاجتهاد بعده، فقال: "بئس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان!".
فالهدف من مواسم الخيرات هو تغيير السلوك إلى الأفضل، والاستمرار على الطاعة، لا العودة إلى ما كنا عليه من فتور وكسل.
فاتقوا الله عباد الله: وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر على الله، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]. واعلموا أنكم قادمون -بلا شك- على ما تعملون، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30]. {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8].
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].