نِعمة الرضا.. سِرُّ السعادة وراحة القلوب

16/06/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

أوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، فهي تاج الكرامة، ومفتاح العزّة، ومصدر الطمأنينة، قال تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}(الحجرات:13)، فمن أراد رفعةً في الدنيا والآخرة فليزم طاعة الله وتقواه، ومن أراد أنسًا في قلبه فليكثر مِنْ ذِكْر الله، ومن أراد النجاة والفوز فليلزم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًاْ}(النساء:69)، فالفوز الحقيقي ليس في مالٍ ولا جاه، وإنما في أن يُزحزَح المرء عن النار ويُدخل الجنة، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ}(آل عمران:185).

عباد الله: غايةٌ ونعمة كبرى وعظيمة، ينشدها ويتطلع إليها كل إنسان، فإذا حُرمها لم يعرف للراحة والسعادة سبيلًا، بل يعيش قلقًا مضطربًا، يلهث وراء سرابٍ لا ينتهي، ويُثقَل قلبه بالهموم، إنها نعمة الرضا، تلك النعمة التي تُسكِّن النفس، وتُطَمْئن القلب، وتُضفي على الحياة معنى السعادة الحقيقية والطمأنينة..
وكم من أقوامٍ ظنوا أن السعادة في المال والغنى، أو في المنصب والجاه، فخاضوا في الشهوات وجرّبوا صنوف المتع، فما وجدوا إلا فراغًا في القلب ووحشةً في النفس، لأن الرضا لم يسكن قلوبهم، بينما آخرون عرفوا الطريق، وامتلأت قلوبهم بالرضا، فاطمأنوا واستراحوا، وساروا على صراط الله المستقيم، قال الله تعالى: {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(الملك:22)..

فالرضا هو أعظم ما تسكن به القلوب في مهبّ العواصف، وأجمل ما تُشرق به النفوس وسط ظلمات المخاوف، وهو الذي يحوّل ضيق العيش إلى سعة، ومرارة الفقد إلى حلاوة، ويجعل العبد يرى في كل منعٍ عطاء، وفي كل محنة منحة، فمن امتلأ قلبه بالرضا عاش حياته ملكاً غير متوّج، هانئ البال، مستقر الحال، لا تزلزله الأزمات، فلا بلاء يُسخطه، ولا شدة تمزقه، بل ينظر إلى الحياة مع ما فيها من شدة وبلاء بعين المتفائل الواثق بتدبير ربه، معتزاً باختيار الله له، ومدركاً أن الخيرة دائماً فيما اختاره الله، قال تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ}(البينة:8)، وفي الحديث الصحيح قال صلى الله عليه وسلم: (ذاقَ طَعمَ الإيمانِ مَن رَضيَ باللهِ رَبًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمُحَمَّدٍ رَسولًا) رواه مسلم. أي: من رضي بالله ربًّا ومعبودًا، ورضي بالإسلام دينًا ومنهاجًا، ورضي بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم نبيا ومُتَّبَعًا وإمامًا، ورَضيَ بقضاء الله وقدره، سهُلت عليه مصاعب الدنيا، وذاق حلاوة الإيمان في قلبه وحياته، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}(التغابن:11).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الخير كله في الرضا، ما أُبالي على أي حال أصبحت، لأني لا أدري، الخير فيما أُحب أو فيما أَكره؟". وقال عليّ رضي الله عنه: "مَن رضي بقضاء الله جرى عليه فكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه فحبط عمله"، وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط"، وقال الحسن البصري: "مَن رضي بما قسم الله له فهو أغنى الناس"، وقال ابن القيم: "الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العارفين"..
فالرِّضا نعمةٌ جليلة، وجنةٌ في الدنيا قبل الآخرة، وهو سر السعادة، ومفتاح الراحة والطمأنينة، ولا يدرك العبد نعمة الرضا إلا إذا قوي إيمانه، وحَسُن اتصاله بربه، وصبر على قضائه، وشكر على عطائه، وأكثر مِن ذِكْره وتسبيحه لله، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى}(طه:130)..

أيها المؤمنون: الرِّضا من معاني الإيمان بالله، وهو انشراحُ صدرٍ وطمأنينةُ نفسٍ، يغمُر قلبَ المؤمن لأنه يدرك فضل الله وإحسانه، ويرى نعم الله في نفسه وأهله وحياته، نعمًا لا تُحصى، قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}(إبراهيم:34)، وقال تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات:7)، فالمؤمن الراضي يلهج قلبه ولسانه بالحمد والشكر في كل حال: "الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا، وكفانا وآوانا، وجعلنا مسلمين، "اللهم إني أصبَحتُ منك في نعمةٍ وعافيةٍ وسِترٍ، فأتِمَّ عليَّ نِعمتَكَ وعافِيَتك وسِترَكَ في الدنيا والآخرة". "اللهم ما أصبَحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِكَ فمنك وحدَكَ لا شريكَ لك، فلك الحمدُ ولك الشكرُ"، فحاله ولسانه: الحمدُ لله رب العالمين، والحمدُ لله على كل حال، مع علمه ويقينه أن أقدار الله كلها خير، سواء في النعم أو في البلاء، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(البقرة:216)، وهو مطمئن بمعية الله بفضله وستره وحفظه وعونه {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}( التوبة:40)، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (عَجَبًا لأمرِ المُؤمِنِ، إنَّ أمرَه كُلَّه خَيرٌ، وليسَ ذاك لأحَدٍ إلَّا للمُؤمِنِ، إن أصابَتْه سَرَّاءُ شَكَرَ فكانَ خَيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَّاءُ صَبَرَ فكانَ خَيرًا له) رواه مسلم.

وليس معنى الرضا أن المؤمن لا يشعر بالألم أو المكاره عند الشدة والبلاء، بل حقيقته ألا يعترض على أقدار الله، ولا يتسخَّط من حوادث وشدائد الدنيا، فهو راضٍ بقلبه كالمريض الذي يتجرَّع الدواء المرَّ طوعاً رجاء العافية والشفاء، وحاله كحال النبي صلى الله عليه وسلم عند موت ولده فقال: (إنَّ العَينَ تَدمَعُ، والقَلبَ يَحزَنُ، ولا نَقولُ إلَّا ما يَرضى رَبُّنا، وإنَّا بفِراقِكَ يا إبراهيمُ لَمَحزونونَ) رواه البخاري.
كما أن الرضا لا يقعد بالمسلم عن السعي في طلب الرزق، فلا يمنَع التاجِرَ من تنمِيَة تجارته، ولا المُوظَّف من التطلُّع إلى الترقِّي في وظيفته، ولا أن يضرِبَ المُسلِمُ في الأرض ليستزِيدَ من فضلِ الله ورِزقِه، إنما الممنوعُ التسخُّطُ والجزع، فالمؤمن يجمع بين الرضا بالـمُقَدَّر والعمل بالأسباب تطلعاً للأفضل، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن تلمُّس أسباب العيش الطيب لا ينافي الرضا، بل هو من تمام نعم الله ومن أسباب السعادة التي ييسرها الله لمن شاء من عباده بحكمته وفضله، فقال صلى الله عليه وسلم: (أربعٌ من السعادةِ: المرأةُ الصالحةُ، والمسكنُ الواسعُ، والجارُ الصالحُ، والمركبُ الهنيءُ، وأربعٌ من الشَّقاءِ: الجارُ السوءُ، والمرأةُ السوءُ، والمركبُ السوءُ، والمسكنُ الضَّيِّقُ) رواه ابن حبان.

فالرضا ـ عباد الله ـ هو سر السعادة، وراحة القلوب، من امتلأ قلبه به عاش في نورٍ وسكينة، ورأى في كل محنة منحة، وفي كل منعٍ عطاء، وذاق حلاوة الإيمان وعاش السعادة الحقيقية في دنياه قبل آخرته..
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

الرِّضا هو أن يسكن قلبك شكرًا لله، وتسليمًا لقضائه وقدره، حتى لو ضاق رزقك، أو عصفت بك رياح الحياة، وهو النعمة الخفية التي تجعل الكوخ الصغير قصراً، وتجعل القليل كثيرًا، وتمنحك روحًا لا يكسرها حرمان ولا يطغيها عطاء، وترى به حكمة الله في المنع قبل العطاء، ويُزرع في صدرك بستان من الطمأنينة لا يذبل، وتعيش ملكًا في الدنيا قبل الآخرة، لأنك أبصرت أن الخير فيما اختاره الله لك، لا فيما تختاره لنفسك..

وختامًا، عباد الله: اجعلوا الرضا زادكم في بيوتكم وأعمالكم وحياتكم، فهو ليس مجرد شعورٍ داخلي، بل منهج عملي ينعكس على حياتكم اليومية، فالرضا يزرع في القلب الطمأنينة، ويجعل المؤمن أكثر صبرًا عند البلاء، وأشد شكرًا عند النعماء، فلا تهزّه الأزمات، ولا تفتنه زخارف الدنيا، بل ينظر إلى ما يجري حوله بعين الحكمة والشكر، والصبر والرضا..

والراضي لا يحمل في صدره حقدًا ولا حسدًا، ولا ينظر أو يتطلع إلى ما في أيدي الناس، بل يعيش قانعًا بما قسم الله له، فينعم براحة البال، ويُقبل على حياته بجدٍّ وإخلاص، وهو مطمئن أن الخير فيما اختاره الله، مع سعيه واستعانته بالله للأحسن والأفضل، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وارْضَ بما قسم اللهُ لكَ تَكُن من أَغْنَى الناسِ) رواه الترمذي، وقال: (إنَّ عِظمَ الجزاءِ مع عِظمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتَلاهم ، فمَن رَضي فله الرِّضَى، ومَن سخِط فله السَّخطُ) رواه الترمذي.

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
 

www.islamweb.net