الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            المسألة الثانية : احتج الطاعنون في عصمة الأنبياء عليهم السلام بهذه الآية من وجوه :

                                                                                                                                                                                                                                            الأول : أنه عليه السلام طردهم والله تعالى نهاه عن ذلك الطرد ، فكان ذلك الطرد ذنبا .

                                                                                                                                                                                                                                            والثاني : أنه تعالى قال : ( فتطردهم فتكون من الظالمين ) وقد ثبت أنه طردهم ، فيلزم أن يقال : إنه كان من الظالمين .

                                                                                                                                                                                                                                            والثالث : أنه تعالى حكى عن نوح عليه السلام أنه قال : ( وما أنا بطارد الذين آمنوا ) [ هود : 29 ] ثم إنه تعالى أمر محمدا عليه السلام بمتابعة الأنبياء عليهم السلام في جميع الأعمال الحسنة ، حيث قال : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) [ الأنعام : 90 ] فبهذا الطريق وجب على محمد عليه السلام أن لا يطردهم ، فلما طردهم كان ذلك ذنبا .

                                                                                                                                                                                                                                            والرابع : أنه تعالى ذكر هذه الآية في سورة الكهف ، فزاد فيها فقال : ( تريد زينة الحياة الدنيا ) [ الكهف : 28 ] ثم إنه تعالى نهاه عن الالتفات إلى زينة الحياة الدنيا في آية أخرى فقال : ( ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ) [ طه : 131 ] فلما نهي عن الالتفات إلى زينة الدنيا ، ثم ذكر في تلك الآية أنه يريد زينة الحياة الدنيا كان ذلك ذنبا .

                                                                                                                                                                                                                                            الخامس : نقل أن أولئك الفقراء كلما دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد [ ص: 194 ] هذه الواقعة فكان عليه السلام يقول : مرحبا بمن عاتبني ربي فيهم أو لفظ هذا معناه ، وذلك يدل أيضا على الذنب .

                                                                                                                                                                                                                                            والجواب عن الأول : أنه عليه السلام ما طردهم لأجل الاستخفاف بهم والاستنكاف من فقرهم ، وإنما عين لجلوسهم وقتا معينا سوى الوقت الذي كان يحضر فيه أكابر قريش ، فكان غرضه منه التلطف في إدخالهم في الإسلام ، ولعله عليه السلام كان يقول هؤلاء الفقراء من المسلمين لا يفوتهم بسبب هذه المعاملة أمر مهم في الدنيا وفي الدين ، وهؤلاء الكفار فإنه يفوتهم الدين والإسلام فكان ترجيح هذا الجانب أولى . فأقصى ما يقال إن هذا الاجتهاد وقع خطأ إلا أن الخطأ في الاجتهاد مغفور . وأما قوله ثانيا : إن طردهم يوجب كونه عليه السلام من الظالمين .

                                                                                                                                                                                                                                            فجوابه : أن الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير موضعه ، والمعنى أن أولئك الضعفاء الفقراء كانوا يستحقون التعظيم من الرسول عليه السلام فإذا طردهم عن ذلك المجلس كان ذلك ظلما ، إلا أنه من باب ترك الأولى والأفضل لا من باب ترك الواجبات ، وكذا الجواب عن سائر الوجوه فإنا نحمل كل هذه الوجوه على ترك الأفضل والأكمل والأولى والأحرى ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية