الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        1875 1881 - مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ; أنه سمع أنس بن مالك يقول : كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا من نخل ، وكان أحب أمواله بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد ، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب ، قال أنس : فلما نزلت هذه الآية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [ آل عمران : 92 ] قام أبو طلحة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله ! إن الله - تبارك تعالى - يقول : [ ص: 397 ] لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [ آل عمران : 92 ] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ، وإنها صدقة لله ، أرجو برها وذخرها عند الله ، فضعها يا رسول الله حيث شئت ، قال : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " بخ ! ذلك مال رابح ، ذلك مال رابح ، وقد سمعت ما قلت فيه ، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " فقال أبو طلحة : أفعل يا رسول الله ، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        41611 - قال أبو عمر : هكذا روى هذا الحديث أكثر رواة " الموطأ " ، عن مالك ، كلهم قال فيه : " فقسمها أبو طلحة في أقاربه ، وبني عمه " .

                                                                                                                        41612 - وكذلك رواه علي بن عبد العزيز ، عن القعنبي عن مالك .

                                                                                                                        [ ص: 398 ] 41613 - ورواه إسماعيل بن إسحاق ، عن القعنبي ، فقال فيه : فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أقاربه ، وبني عمه .

                                                                                                                        41614 - ولم يختلف العلماء ، أن الأقارب ، وبني العم هاهنا هم أقارب أبي طلحة ، لا أقارب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا غيره .

                                                                                                                        41615 - وقد روي ذلك منصوصا من رواية الثقات أيضا .

                                                                                                                        41616 - حدثنا أحمد بن قاسم ، قال : حدثنا عبيد الله بن محمد ، قال : حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، قال : حدثنا بشر بن الوليد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : لما نزلت هذه الآية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [ آل عمران : 92 ] جاء أبو طلحة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر ، قال : وكانت دار ابن جعفر ، والدار التي تليها إلى قصر ابن جديلة حوائط لأبي طلحة ، يقال له : بيرحاء . وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخلها ، ويشرب من مائها ، ويأكل من تمرها ، فجاء أبو طلحة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، على المنبر ، فقال : إن الله يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء ، فهي لله ورسوله ، أرجو بره وذخره ، [ ص: 399 ] اجعلها يا رسول الله ، حيث أراك الله ; فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " بخ ذلك يا أبا طلحة ، مال رابح ، قد قبلناه منك ، ورددناه عليك ، فاجعله في الأقربين " ، فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه ، فكان منهم أبي بن كعب ، وحسان بن ثابت ، قال : فباع حسان نصيبه من معاوية ، فقيل له : يا حسان ، تبيع صدقة أبي طلحة ؟ فقال : ألا أبتاع صاعا من تمر بصاع من دراهم .

                                                                                                                        41617 - وحدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثنا محمد بن فطيس ، قال : حدثنا إبراهيم بن مرزوق ، قال : حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، قال : حدثنا أبي ، عن ثمامة ، عن أنس ، وحميد الطويل عن أنس ، وهذا لفظ أبي .

                                                                                                                        41618 - قال أنس : كانت لأبي طلحة أرض ، فجعلها لله - تعالى - ، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له : " اجعلها في أقاربك " . فجعلها لحسان وأبي . قال أنس : وكانا أقرب إليه مني .

                                                                                                                        41619 - أخبرنا عبد الله بن محمد ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا أبو داود ، قال : بلغني عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، أنه قال : أبو طلحة الأنصاري ; زيد بن سهل بن الأسود بن حزام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار .

                                                                                                                        [ ص: 400 ] 41620 - وحسان بن ثابت بن المنذر بن حزام ، يجتمع مع أبي طلحة ، وحسان في حزام .

                                                                                                                        41621 - قال : وأبي بن كعب بن قيس بن عتيك بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار . قال الأنصاري : بين أبي طلحة وأبي ستة آباء قال : وعمرو بن مالك يجمع حسان وأبيا وأبا طلحة .

                                                                                                                        41622 - قال أبو عمر : قد ذكرنا في " التمهيد " ما بدا إلينا من وجوه معاني حديث أنس في قصة أبي طلحة ، وتقصينا ذلك هناك .

                                                                                                                        41623 - ونذكر هاهنا طرفا ; فمن ذلك أنه جائز أن يضاف إلى الرجل الفاضل حب المال ، وجائز أن يضيف ذلك إلى نفسه .

                                                                                                                        41624 - وقد قال أبو بكر لعائشة : " ما أجد أحب إلي غنى منك ، ولا أعز علي فقرا منك " .

                                                                                                                        41625 - وفيه إباحة دخول جنات الأصدقاء ، والإخوان الأصفياء ، والأكل من ثمارها ، والشرب من مائها بغير إذنهم .

                                                                                                                        [ ص: 401 ] 41626 - وذلك كله إذا علم أن نفس صاحبها تطيب بذلك ، ولم يكن ممن يتشاح الناس فيه ، وكان تافها .

                                                                                                                        41627 - وقيل : إن كسب العقار من شأن الأبرار ، وأن اكتساب ذلك بالهبة وغير الهبة ، مباح حلال أخذ الناس فيه ، وكان تائها لا باد لهم .

                                                                                                                        41628 - وفيه دليل على أنه يستعذب الماء للفضلاء الجلة العلماء .

                                                                                                                        41629 - وفيه أن من أخرج شيئا من ماله ، فجائز جعله حيث أراه الله من سبل الخير ، وجائز أن يشاور فيه ، ويصدر عنه برأي من يثق برأيه في ذلك ، وليس ذلك وجه معلوم لا يتعدى ، كما قال من قال : معنى قول الرجل : لله ، وفي سبيل الله كذا دون كذا .

                                                                                                                        41630 - وفيه دليل على أن الصدقة على الأقارب الفضلاء من أعمال البر ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يشهد إلا بالأفضل من الأعمال .

                                                                                                                        41631 - وقد قالوا : الصدقة على الأقارب صدقة وصلة .

                                                                                                                        41632 - وقد فضل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصدقة على الأقارب على العتق ; بدليل حديث بكير بن الأشج ، عن سليمان بن يسار ، عن ميمونة ، قالت : كانت لي جارية ، فأعتقتها ، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأخبرته ، فقال : " آجرك الله ، لو [ ص: 402 ] أعطيتها إخوانك كان أعظم لأجرك " .

                                                                                                                        41633 - حدثنا عبد الله ، قال : حدثنا حمزة ، قال : حدثنا أحمد بن شعيب ، قال : حدثنا هناد بن السري ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ، عن بكير بن الأشج ، فذكره .

                                                                                                                        41634 - وروى سفيان بن عيينة ، قال : حدثنا محمد بن المنكدر ، قال : لما نزلت لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون [ آل عمران : 92 ] قال زيد بن حارثة : اللهم إنك تعلم أنه ليس مال أحب إلي من فرسي هذا ، وكان له فرس يقال له : سبل ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هذا في سبيل الله ، فقال لأسامة : " اقبضه " . فكأن زيدا وجد من ذلك في نفسه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله قد قبلها منك " .

                                                                                                                        41635 - وروى حماد بن زيد ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن المنكدر ، مثله .




                                                                                                                        الخدمات العلمية