الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مصير إسرائيل

مصير إسرائيل


ـ الكتــاب: مستقبل إسرائيل
ـ المؤلف: السيد ولد أباه، و منير شفيق
ـ النــاشر: دار الفكرـ دمشق/ دار الفكر المعاصرـ بيروت
ـ الطبعـة: الأولى تشرين الأول/2001
.....................

مضى على ولادة المشروع الصهيوني مئة عام، ومر على إعلان قيام الدولة العبرية نصف قرن، ومنذ قيام هذه الدولة مافتئ العرب يتحدثون عن مأزق المشروع الصهيوني ودولته. وبالرغم من أن هذا المأزق حقيقة لا يمكن نفيها إلا أن الملاحظ أنهم وقفوا عند هذا الحديث منتظرين سقوطها دون تعب!

في هذا الكتاب نطلع على حقيقة المأزق الذي ترزح فيه الدولة الإسرائيلية، والمدى الذي يمكن لهذا المأزق أن يحدثه في مستقبل الدولة العبرية ، والدور الذي يمكننا أن نقوم به لاستغلاله ودفعه إلى السقوط.

يركز السيد ولد أباه (أستاذ جامعي للفلسفة في نواكشوط/ موريتانيا ـ الأمين العام لمنتدى الفكر والحوار) بحثه تحت عنوان (أزمة المشروع الصهيوني، وأثرها على دولة إسرائيل) على الإيديولوجيا (العقيدة) القومية اليهودية، مفترضا أن العقيدة الصهيونية لا يمكن أن تضبط في قيمها ومنطلقاتها النظرية ، وتوجهاتها السياسية، دون ربطها بسياق نشأتها الأوربية، فمن المعروف تاريخيا أن المشروع الصهيوني تبلور في إطار التحولات الجوهرية التي حدثت في مستوى العلاقات الأوربية ـ الشرقية في سياق صعود الإمبراطوريات الفرنسية أولاً (في العهد النابليوني) ثم الإمبراطورية البريطانية بعد منتصف القرن 19م.

ومن الملاحظ أن إرهاصات الإيديولوجيا الصهيونية ظهرت في البدء من خارج الثقافة اليهودية، واتسمت بطابع استراتيجي سياسي محض.

تتمحور الأفكار والتصورات الأساسية للحركة الصهيونية غير اليهودية في أطروحة ((التمّيز اليهودي)) أي اعتبار الشعوب اليهودية كيانا مستقلاً له مميزاته من حيث أصوله وتقاليده وتراثه، وهي أفكار تتساوق مع الغربية الأوربية للتخلص من اليهود وإفراغ أوربا منهم بتهجيرهم إلى فلسطين بتخطيط، أي استغلالهم كوسيلة لتركيز المصالح الغربية عبر العملية الاستيطانية وحل (المسألة الشرقية).

ومن الواضح أن هذه النظرة تحمل بصمات الصورة المسيحية التقليدية عن اليهودي، وقد ارتبطت باسم تيودور هرتزل منظر المشروع الصهيوني في صيغته الإيديولوجية الفاعلة، ومضمونه السياسي العيني، و من أجل تجسيد هذه الفكرة تم إنشاء الوكالة اليهودية التي عملت على تهيئة المجال للدولة المرتقبة.

لقد وضح مسار المشروع الصهيوني، أن هذا المشروع يعبر عن إيديولوجيا قومية، لا تختلف في الجوهر عن النزعات القومية الإحيائية التي عرفتها الساحة الأوروبية أو أنها، وإن كانت تستخدم الأساطير اليهودية لتعزيز طاقتها التعبوية، على الرغم من أن أغلب عناصر المؤسسة الحاخامية قد حاربتها في المبدأ، كما سنبين لاحقاً، نتيجة لطابعها العلماني اللاديني ؛ ولذا كان من الطبيعي أن تصدم هذه الدعوة القومية بالتصورات المسيحانية اليهودية التقليدية التي تعدّ أنماط السلوك العدائي التي يتلقاها اليهود عقوبة إلهية على ذنوب الشعب الإسرائيلي، في حين رفضها التيار التنويري الساعي إلى تطبيع وضع اليهود داخل المجتمعات الأوربية الحديثة.

ولم يكن بناة الدولة الإسرائيلية يخفون توجههم العلماني، معتبرين أن ((العودة إلى فلسطين)) ليس مرجعها التزام روحي، وإنما هو الخلاص الدنيوي والسياسي، أي حل مشكلة الشعب اليهودي بإنشاء وطن قومي جامع له؛ ولذا فإن خيارات أخرى طرحت، ولكن تم تغليب الخيار الفلسطيني لاستثمار الرابطة العاطفية الدينية التي تربط الشعوب اليهودية بـ(أرض الميعاد)، وهكذا لم يكن الدين أكثر من فلكلور الشعب اليهودي، نجحت الإيديولوجيا الصهيونية في استخدام مقولة ((الوعد المقدس)) في ((أرض الميعاد)).

وإذا كانت الإيديولوجيا الصهيونية قد استغلت اللاهوت اليهودي العنصري بطبيعته، فإنها من جهة ثانية وثيقة الاقتران بالأطروحات العنصرية التي تشكل لب الرؤية القومية. وهذا بحد ذاته يفسر احتذاء المؤسسة الصهيونية والدولة الإسرائيلية النموذج النازي نفسه في تصفية السكان الأصليين في فلسطين، وطردهم من منازلهم وأراضيهم بالطرق الإرهابية القمعية.

المشروع القومي اليهودي المتجسد في شكل الدولةالإسرائيلية عانى منذ المنطلق من عدة تناقضات داخلية، كان من الطبيعي أن يفضي إلى الأزمة المتفاقمة التي يعرفها حالياً، والتي تتجلى في :
ـ التناقض بين الشرعية الدينية للدولة، وطابعها العلماني التحديثي.

ـ التناقضات القومية الداخلية.

ـ التناقض بين الكيان الاستيطاني ومحيطه الإقليمي والحضاري.

إن هذه الأنماط الثلاثة الكبرى من التناقضات الداخلية التي يمتاز بها المشروع الصهيوني، تحيلنا إلى المشاكل التي يعرفها المجتمع الإسرائيلي الآن في مستويات متعددة، من بينها الصراع بين مكونات القومية، والصدام الأصولي ـ العلماني، والعجز عن احتواء ((المشكل الفلسطيني)) وتحقيق السلام مع العرب، وغيرها من الإشكالات العصية التي ولدت تيار ((ما بعد الصهيونية)).

لقد واكبت نشوء الدولة العبرية 1948م أزمة هوية حادة لم يتم حسمها، تتلخص بالسؤال: ما خصائص المواطنة في الدولة العبرية؟هل هي قومية أم دينية أم سياسية إقليمية (الولاء للوطن)؟ ما منزلة المواطنين غير اليهود داخل الدولة؟
وبسبب الحاجة إلى استمالة المؤسسة الدينية اليهودية تحاشى مؤسسو الدولة العبرية صياغة دستور البلاد، واكتفوا بـ((إعلان الدولة))، ولكن هذه المواجهة المؤجلة في المجتمع الإسرائيلي أخذت الآن تخرج للواقع الفعلي لأسباب عديدة منها تزايد الهجرة اليهودية بعد سقوط الإتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية، والانتصارات التي حققتها إسرائيل على العرب ، وبالتالي زوال الشعور بالخطر الخارجي، بالإضافة إلى القطيعة المطردة بين النموذج التقليدي، ونمط الحياة في المجتمع الإسرائيلي المتأمرك.

ومع أن الظاهرة الأصولية ليست جديدة في المجتمع الإسرائيلي ، إلاّ أن ما حدث في الأعوام الأخيرة هو انجراف التيارات الدينية المتعصبة نحو العنف، وتهديد التوازن الهش الذي قامت عليه المؤسسة الدينية والتركيبة البيروقراطية السياسية للدولة، ولا أدل على ذلك من حادثة اغتيال رابين من قبل يهودي متطرف.

وحتى هنا تبقى المشكلة محدودة التأثير, ولكن الخطر الكامن في ظاهرة التطرف الديني لليهود الإسرائيليين هو في اختراق المؤسسات العسكرية التي ظلت منذ قيام الدولةالحصن المنيع ( للوحدة الوطنية) التي كانت تقوم بدور صهر تناقضات المجتمع الإسرائيلي.

الأزمة التي تعاني منها الدولة العبرية تبدو أكثر إشكاليةً في مواطنتها حيث تعدد القوميات التي تشكل المجتمع (العرب، الخزر، الأشكيناز،السفارديم، الفلاشا) ، فالطبقة الحاكمة في إسرائيل لا تعتبر عرب الـ 48 مواطنين في الدولة اليهودية، وقد فشلت كل المحاولات في دمج اليهود السود داخل المجتمع الإسرائيلي، فتم إقصاؤهم دينيا واجتماعيا وقوميا، بينما المهاجرون الروس الذين يتجاوز عددهم 700 ألف يشكلون قومية شديدة الاعتزاز بأصولها الروسية، إلى الحد الذي لا يعترف كثير منهم باليهودية، كل ذلك يبقي المواطنة كمفهوم غير محسوم، وبذلك تصبح الدولة الإسرائيلية عرضةً للأخطار والصراعات العرقية و الثقافية.

المعضلة الأساسية الأولى التي تواجهها إسرائيل على المستوى السياسي والاستراتيجي تتمثل في إيجاد الصيغ العملية الكفيلة بالاحتفاظ بالأراضي المحتلة ودمجها في الفضاء السيادي لغايات أمنية واستراتيجية ودينية، مع تفادي المخاطر الجسيمة المنجرة عن منح المواطنة لسكانها، وهو المأزق الذي أربك بجلاء كل التوجهات الرسمية داخل إسرائيل بخصوص عملية التسوية الجارية وآفاقها. فقد عجز الفكر الصهيوني عن إيجاد الحل الناجع لإشكال العلاقة بالسكان الفلسطينيين في المناطق المحتلة(الحرص على الأرض دون سكانها) كما عجز عن حل معضلة الهوية الإقليمية للدولة العبرية.

لقد ظهرت في الفترة الأخيرة بمناسبة الذكرى المئوية للمشروع الصهيوني حركة واسعة لمراجعة المشروع (بل وتجاوزه)، وإن ما تجمع عليه الدراسات التقليدية، المكتوبة بأقلام إسرائيلية ويهودية، هو الحاجة الملحة لتجاوز أزمة المشروع الصهيوني الذي دخل مرحلة قاتمة من مساره.


في بحثه عن (أزمة المشروع الصهيوني إلى المأزق الحقيقي) يرى منير شفيق (المفكر الفلسطيني) أن الصراع الصهيوني يجب أن يقرأ منذ بدايته على أنه صراع مع مشروع مرتبط بالاستراتيجية الاستعمارية الغربية على مستوى البلاد العربية والإسلامية معاً, فقد كان تحقق المشروع الصهيوني مشروطاً بإسقاط الخلافة العثمانية. وبالتالي يجب العامل معه باعتباره جزءاً من الغرب نفسه.

يميز شفيق ـ للتبسيط ـ بين الإيديولوجيا اليهودية التقليدية التي تقبع خامدةً ـ في حالة الدفاع ـ في الموروث وفي العقيدة والصلوات والطقوس، وفي الوعي المكون لعصبية تجمع المتدينين وغير المتدينين من جهة، والمشروع الصهيوني وأيديولوجيته المعاصرة التي انطلقت منذ مؤتمر بال من جهة ثانية، ويؤكد على أن هذا التمييز بينهما لا يناقض المد الذي قام به المشروع الصهيوني في جذوره عميقاً في الأسطورة التاريخية و الإيمان اليهودي، وتوظيفه لها لإكسابه شرعية دينية.

هذه المنهجية ـ كما يبدو للمؤلف ـ هي التي يمكنهاأن تقرأ الصهيونية والمشروع الصهيوني في إطار موازين القوى عالمياً وغربياً وإقليمياً وحركتهما (الأيديولوجيا و المشروع) داخل ذلك الإطار، مقللاً بذلك من أهمية دور العقيدة اليهودية في قراءة المشروع الصهيوني.

لكن المشروع هذا ـ كما يعود المؤلف ليؤكد ـ ليس مجرد جزء من الاستراتيجية الاستعمارية يأتمر بأمرها ويؤدي الوظيفة المنوطة به ليس إلا، وإنما حمل في الوقت نفسه خصوصيته وأهدافه الخاصة، هذه الأهداف التي تتبلور وتتطور مع تعاظم النفوذ الصهيوني عالمياً، ومع الخدمات، التي راحت تقدمها الدولة العبرية بعد إقامتها وتحولها إلى قوة عسكرية ضاربة، ومتفوقة عسكرياً على كل دول المنطقة. فإذا كانت الاستراتيجية البريطانية بدايةً ثم الأمريكية والغربية عموماً، بحاجة إلى (خدمات) الدولة العبرية، وقد زادت الحاجة إلى خدماتها وخدمات الحركة الصهيونية العالمية في أثناء الحرب الباردة لتؤدي دوراً في خدمة التحالف الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وعلى مستوى عالمي ضد المعسكر الاشتراكي فقد كان عليها أن تفتح الأبواب أمام الدولة العبرية والحركة الصهيونية داخل كل الدول الغربية من أجل القيام بتلك الوظيفة وللمبادرة والحراك وامتلاك القدرة، وزيادة تسليح الدولة العبرية وتطويرها اقتصاديا وعلمياً وتقنياً، وهو ما يفسر الشروط التي سمحت بتشكل اللوبيات الصهيونية وتعاظم النفوذ اليهودي الصهيوني داخل الغرب نفسه كذلك، لكن كل هذا يجب أن يحصر فهمنا له في إطار الدور الوظيفي ـ كما يراه الدكتور عبد الوهاب المسيري ـ أو باعتباره مجرد قاعدة أمامية للإمبريالية ـ كما كان يراه الشيوعيون سابقاً ـ كما يجب ألا يحول دون رؤية الأهداف الخاصة للمشروع الصهيوني و مطامحه الذاتية، لاسيما عندما يشتد ساعده، لأن ذلك يرفع مطامحه إلى مستويات جديدة، و يغيران بالضرورة من طبيعة الدورالوظيفي.

إن أهدافه تتطور مع الزمن، بحيث قد تصل إلى الهيمنة على ما يسمى (منطقة الشرق الأوسط) من المحيط إلى الخليج وإعادة ترتيب خريطتها وجغرافية دولها و أدوارها.

وبناءً على ذلك يرى منير شفيق أن الإستراتيجيا المعتمدة على صناعة المأزق للدولة الصهيونية عبر الرأي العام العالمي أمر يعني باختصار ووضوح (( ضياع الجهود)) حيث تعتمد على ما لا تستطيع أن تؤثر فيه، وبدلاً من ذلك عليها أن تتوجه إلى حيث يمكن أن تشكل رأياً عالمياً ضاغطاً، لا ينبغي الاستهانة بوزنه، أي الرأي العام العربي و الإسلامي والعالم الثالث، والذي يستطيع بدوره أن يمارس الضغوط على مراكز التأثير في الرأي العام في الغرب، وحتى داخل الدولة العبرية نفسها.

وهكذا يخلص شفيق للقول بأن علينا أن نقوم نحن بتبني استراتيجية توليد المأزق الحقيقي، وهي استراتيجية لن تنجح دون شرط الإنهاض العربي والفلسطيني في الصمود وإيقاف مسلسل التنازلات، و إسهام الفلسطينيين والعرب والمسلمين في زعزعة الهيمنة الأمريكية في بلادهم وعلى مستوى العالم، بالتعاون مع الشعوب والدول الأخرى المقاومة لعالم معولم برأس واحد تتحكم فيه أمريكا كما تريد، واعتماد الانتفاضة والمقاومة في مواجهة الاحتلال مبدأً نهائياًَ.

وحسب المؤلف فإن النجاح في مثل هذه الاستراتيجية العامة هو الذي يدخل المشروع الصهيوني في المأزق الحقيقي الذي يؤذن بزوال إسرائيل.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة