الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حرمت عليكم الميتة...

حرمت عليكم الميتة...

حرمت عليكم الميتة...

من آيات الأحكام المشرِّعة لما حرَّمه الله على عباده من الخبائث ما جاء في قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} (المائدة:3). قررت هذه الآية جملة من الأحكام، نقف عليها على ضوء المسائل التالية:

المسألة الأولى: {وما أهل لغير الله به} أصل (الإهلال) في لسان العرب: رفع الصوت عند رؤية الهلال، ثم أُطلق على رفع الصوت مطلقاً، ثم أُطلق على رفع الصوت باسم الصنم عند الذبح، ثم أُطلق على الذبح وحده؛ لملازمته رفع الصوت في عادتهم، وهو المراد في كتاب الله تعالى حيثما ورد. أي: ذُكِرَ عليه غير اسم الله تعالى، وهي ذبيحة المجوسي، والوثني، والمعطل. فالوثني يذبح للوثن، والمجوسي للنار، والمعطل لا يعتقد شيئاً، فيذبح لنفسه.

{والموقوذة} هي التي تُرْمى، أو تضرب بحجر، أو عصا حتى تموت من غير تذكية، يقال منه: وقذه يقذه وقذاً، وهو وقيذ. و(الوقذ) شدة الضرب. قال قتادة: كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ويأكلونه. وقال الضحاك: كانوا يضربون الأنعام بالخشب لآلهتهم حتى يقتلوها، فيأكلوها.

{والمتردية} هي التي تتردى من العلو إلى السفل فتموت، وسواء تردت بنفسها، أو ردَّاها غيرها. وكانت الجاهلية تأكل المتردي، ولم تكن تعتقد ميتة إلا ما مات بالوجع ونحوه دون سبب يُعْرَف، فأما هذه الأسباب فكانت عندها كالذكاة.

{وما أكل السبع} المراد كل ما افترسه ذو ناب وأظفار من الحيوان، كالأسد والنمر والثعلب والذئب والضبع ونحوها، هذه كلها سباع. ومن العرب من يوقف اسم {السبع} على الأسد فحسب، وكانت العرب إذا أخذ {السبع} شاة، ثم خَلَصَتْ منه أكلوها، وكذلك إن أكل بعضها، قاله قتادة وغيره.

{إلا ما ذكيتم} (الذكاة) في كلام العرب الذبح، وذكَّى الحيوان: ذبحه. فمعنى {ذكيتم} أدركتم ذكاته على التمام، يقال: ذكيت الذبيحة أذكيها مشتقة من التطيب، فالحيوان إذا أسيل دمه فقد طُيِّب، لأنه يتسارع إليه التجفيف. فالذكاة في الذبيحة تطهير لها، وإباحة لأكلها. وفي الشرع عبارة عن إنهار الدم، وفري الأوداج في المذبوح، والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور، مقروناً بنية القصد لله وذكره عليه.

{وما ذبح على النصب} قال ابن فارس: {النصب} حجر كان يُنصب فيعبد، وتصب عليه دماء الذبائح. و(النصائب) حجارة تنصب حوالي شفير البئر، فتجعل عضائد. وقال ابن زيد: ما {ذبح على النصب وما أهل لغير الله به} شيء واحد. وقال مجاهد: هي حجارة كانت حوالي مكة، يذبحون عليها. قال الطبري: كانت العرب تذبح بمكة، وتنضح بالدم ما أقبل من البيت، ويشرحون اللحم، ويضعونه على الحجارة، فلما جاء الإسلام، قال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن أحق أن نعظم هذا البيت بهذه الأفعال، فأنزل الله: {وما ذبح على النصب}. وقال ابن عطية: ما {ذبح على النصب} جزء مما {أهل لغير الله به} ولكن خُص بالذكر بعد جنسه؛ لشهرة الأمر، وشرف الموضع، وتعظيم النفوس له.

و(الاستقسام) هو استقسام لحم الجزور بالميسر. و(الأزلام) هي السهام التي كانت الجاهلية يستقسمون بها، وكانت عشرة. منها سبعة ذوات الحظ والنصيب، ومنها ثلاثة بلا حظ ولا غرم. وكانوا يجعلونها في خريطة، ويجعلون الجزور على ثمانية عشر سهماً، ويخرجها رجل واحداً واحداً على أسمائهم، فللفرد سهم، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، ومن بقي بلا سهم، غرم ثمن الجزور على قدر السهام. فالاستقسام بهذا كله هو طلب القِسْم والنصيب.

{فمن اضطر في مخمصة} (المخمصة) الجوع وخلاء البطن من الطعام. و(الخمص) ضمور البطن. ورجل خميص وخمصان، وامرأة خميصة وخمصانة، ومنه أخمص القدم، ويستعمل كثيراً في الجوع.

{غير متجانف لإثم} أي: غير مائل لحرام، وهو بمعنى {غير باغ ولا عاد} (البقرة:173) و(الجنف) الميل، والإثم الحرام، ومنه قول عمر رضي الله عنه: ما تجانفنا فيه لإثم، أي: ما ملنا ولا تعمدنا ونحن نعلمه، وكل مائل فهو متجانف وجنف. فالمعنى غير متعمد لمعصية في مقصده.

المسألة الثانية: {الميتة} حرام بإجماع المسلمين، واتفق أهل العلم على أن لفظ {الميتة} ليس على عمومه، واختلفوا في المخصص له؛ فذهب أبو حنيفة ومالك إلى تخصيصه بكل ما لا دم له، وعمموه في سائر الميتات، برية كانت الميتة، أو بحرية. وذهب الشافعي إلى استثناء ميتة البحر خاصة.

المسألة الثانية: ذهب الشافعي إلى تحليل جنين الذبيحة إذا خرج ميتاً، وبهذا القول قال مالك، إلا أنه اشترط وجود ما يدل على الحياة في الجنين من تمام الخلق، وإنبات الشعر، أما الشافعي فلم يشترط ذلك، وتمسك بالمعنى؛ فإنه إنما جعل ذكاتَه ذكاتَها؛ لكونه جزءاً منها، فلا معنى لاشتراط الحياة، وهو قول الحنابلة. والمروي عن أبي حنيفة أنه إذا خرج الجنين من بطن أمه ميتاً لم يَحِلَّ أكله؛ لأن ذكاة نَفْسٍ لا تكون ذكاة نفسين.

المسألة الثالثة: أجمع المسلمون على تحريم الدم المسفوح، واختلفوا في غير المسفوح؛ فقال الجمهور بتحليل القليل الغير المسفوح؛ تقديماً لمفهوم التقييد على الإطلاق. وقال قوم بتحريم الدم مطلقاً، إما تقديماً للقياس على المفهوم؛ فإن كل حرام لا يتبعض، ولا يفرق بين قليله وكثيره، وإما حملاً للمفهوم على الجامد كالكبد والطحال.

المسألة الرابعة: اختلف أهل العلم في نجاسة الدم؛ فمنهم من عمل بعموم اللفظ، فحكم بنجاسة الدم كله من الحيوان البري، والبحري، وهو رواية عن الإمام مالك، وقول عند الشافعية، وبه أخذ أبو يوسف من الحنفية، ومنهم من خصَّه بغير البحري، فقاس دم الصيد على ميتته، فخصص العموم بالقياس، وبهذا قال بعض الشافعية، ومالك في أحد قوليه، وهو قول الحنفية والحنابلة.

المسألة الخامسة: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن كل حيوان حلال لا دم فيه؛ كالجراد، لا يحتاج إلى ذكاة، وأوجب مالك الذكاة، وذكاته قتله، إما بقطع رأسه، أو غير ذلك.

المسألة السادسة: اختلف أهل العلم في الذي ذبحه الكتابي باسم الكنائس، واسم موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام؛ فمذهب جمهور أهل العلم إلى عموم التحريم؛ عملاً باللفظ والمعنى. ومنهم من حلله، وقصر التحريم على {النصب} كالإمام مالك، فقد نُقل عنه قوله: ما ذبحوه لكنائسهم أكره أكله، وما سمي عليه باسم المسيح لا يؤكل. ولا خلاف بين العلماء أن ما ذبحه المجوسي لناره والوثني لوثنه لا يؤكل، ولا تؤكل ذبيحتهما، وإن لم يذبحا لناره ووثنه.

المسألة السابعة: اتفق أهل العلم على أن أكيلة السّبُع، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، إذا رجي حياتها، حلَّت بالذكاة، وإن انتهت إلى حال لا ترجى حياتها؛ فمذهب أبي حنيفة والراجح من مذهب أحمد أنها تحل بالذكاة، وهو المروى عن علي وابن عباس رضي الله عنهم. وذهب الشافعي وأبو يوسف ومحمد، صاحبا أبي حنيفة، والراجح من مذهب مالك أنها لا تَحِل.

المسألة الثامنة: قال ابن عبد البر: اختلف العلماء قديماً وحديثاً في الصيد بالبندق والحجر والمِعْراض -سهم يُرمى به، بلا ريش ولا نصل، يصيب بعرضه دون حده- فمن ذهب إلى أنه وقيذ لم يجزه إلا ما أدرك ذكاته، على ما روي عن ابن عمر، وهو قول مالك، وأبي حنيفة وأصحابه، والشافعي. وقال الأوزاعي في المِعْراض: كُلْهُ، خَزَقَ، أو لم يخزق.

وقال الشوكاني: وأما البنادق المعروفة الآن، وهي بنادق الحديد، التي يُجعل فيها البارود والرصاص، ويُرمى بها، فلم يتكلم عليها أهل العلم لتأخر حدوثها، وقد سألني جماعة من أهل العلم عن الصيد بها إذا مات، ولم يتمكن الصائد من تذكيته حيا؟ والذي يظهر لي أنه حلال؛ لأنها تخرق وتدخل -في الغالب- من جانب منه، وتخرج من الجانب الآخر.

المسألة التاسعة: إذا أصاب السهم الصيد، فتردى من جبل إلى الأرض حَرُم أكله؛ لأنه ربما مات بالصدمة والتردي لا بالسهم.

المسألة العاشرة: قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} الاستثناء هنا راجع عند جمهور أهل العلم إلى كل ما أُدرك ذكاته من المذكورات وفيه حياة، فإن الذكاة عاملة فيه، قال إسحاق بن راهويه: السُّنَّة في الشاة أن يُنظر عند الذبح: أحية هي، أم ميتة، ولا يُنظر إلى فعل هل يعيش مثلها؟ ومن خالف هذا فقد خالف السنة من جمهور الصحابة وعامة العلماء. وهذا مذهب أصحاب مالك، والأشهر من مذهب الشافعي. قال المزني: وأحفظ للشافعي قولاً آخر، أنها لا تؤكل إذا بلغ منها {السبع} أو التردي إلى ما لا حياة معه، وهو المشهور من قول مالك، فروي عنه أنه لا يؤكل إلا ما ذُكِّي بذكاة صحيحة، والذي في "الموطأ" أنه إن كان ذبحها ونَفَسُها يجري، وهي تضطرب فليأكل، وهو الصحيح من قوله.

المسألة الحادية عشرة: قال ابن عبد البر: أجمعوا في المريضة التي لا تُرجى حياتها، أن ذبحها ذكاة لها، إذا كانت فيها الحياة في حين ذبحها، وعُلِمَ ذلك منها بما ذكروا من حركة يدها أو رجلها، أو ذنبها، أو نحو ذلك، وأجمعوا أنها إذا صارت في حال النزع، ولم تحرك يداً، ولا رجلاً، أنه لا ذكاة فيها.

المسألة الثانية عشرة: اختلف العلماء فيما تقع به الذكاة؛ فالذي عليه جمهور العلماء، أن كل ما أفرى الأوداج، وأنهر الدم، فهو من آلات الذكاة، ما خلا السن والعظم. و(السن) و(الظفر) المنهي عنهما في التذكية هما غير المنزوعين؛ لأن ذلك يصير خنقاً. فأما المنزوعان فإذا فريا الأوداج، فجائز الذكاة بهما عندهم. والمروي عن الشافعي كراهة التذكية بـ (السن) و(الظفر) و(العظم) على كل حال، منزوعة أو غير منزوعة.

المسألة الثالثة عشرة: يُستحب ألا يذبح إلا من تُرْضى حاله، وكل من أطاقه، وجاء به على سنته، من ذكر أو أنثى، بالغ أو غير بالغ جاز ذبحه، مسلماً، أو كتابيًّا، وذبح المسلم أفضل من ذبح الكتابي، ولا يذبح نُسكاً -كالأضحية- إلا مسلم، فإن ذبح النسك كتابي، فقد اختلف فيه.

المسألة الرابعة عشرة: مذهب المالكية أن ما استوحش من الحيوان الإنسي لم يجز في ذكاته إلا ما يجوز في ذكاة الإنسي، وكذلك المتردي في البئر، لا تكون الذكاة فيه إلا فيما بين الحلق والَّلبَّة على سُنَّة الذكاة. ومذهب الحنفية والشافعية اعتبار الذكاة في أي موضع غير موضع الذكاة.

المسألة الخامسة: كل مقامرة بحمام، أو بنرد، أو شطرنج، أو بغير ذلك من هذه الألعاب، فهو استقسام بما هو في معنى (الأزلام) حرام كله، وهو ضَرْب من التكهن، والتعرض لدعوى علم الغيب. قال الكيا الطبري: وإنما نهى الله عنها لأنها فيما يتعلق بأمور الغيب؛ فإنه لا تدري نفس ماذا يصيبها غداً، فليس للأزلام في تعريف المغيبات أثر. وليس من هذا الباب طلب الفأل، وكان عليه الصلاة والسلام يعجبه الفأل؛ لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل، فيحسن الظن بالله عز وجل، وكان عليه السلام يكره الطيرة؛ لأنها من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة