الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الكـتـابـة: تاريخاً ونشأة

 الكـتـابـة: تاريخاً ونشأة
274 0 35

الكتابة هي الأساس الأول للعمران، وهي محور الارتقاء ومناط التقدم في كل الحضارات التي ظهرت قبل الإسلام وبعد الإسلام؛ ذلك لأنها جرثومة المعارف وينبوع العلم في كل زمان ومكان، والكتابة هي التي حفظت علوم الأقدمين، ومهَّدت سبيل التوسع والتبسط للمتأخرين، وهي التي أوقفتنا على ما اتصل إليه الأوائل من ثمار العلوم واتساع دائرة الأفكار بالتدريج؛ فإن النقل بالمشافهة قد يعتريه الغُلوُّ والتحريف والزيادة والنقص، غير أن الكتابة التي كانت للناس كنبراس في كل أمر من أمورهم الدينية والدنيوية لم تكتب لنا شيئًا عن مبدئها وأول ظهورها، أو تاريخ وضعها، أو كيفيات تدرجها.

ولمَّا لم يُكتَب تاريخ أصل فن الكتابة، واسم مستنبطه، ومكان إنشائه، والتقلبات التي طرأت عليه، سدل الدهر عليه برقع الخفاء، فغمُضَ عنا أصلُه وضاعت منا معرفة تاريخه، فأمسى أصل حافظ كل المعارف التي حملها إلينا مفقودًا، وكاشفُ الغوامض غامضًا محجوبًا، قد اكتنفته ظلمات الدهور، وسترته براقع الإهمال، ولم يبقَ حوله ضوء يهدي العقل إليه إلا ضوء نار الحباحب، يستضيء به أبناء هذا الزمان؛ فكشفوا بعض الحُجُب، وأظهروا بعض الغوامض.

وقبل الخوض في هذا الموضوع ينبغي لنا أن نجري على سُنَّة السلف الصالح من علماء الإسلام، فنُعرِّف الكتابة على تعريف علماء الإسلام: "صناعة روحانية، تظهر بآلة جثمانية"، والمراد من الروحانية: الألفاظ التي يتخيلها الكاتب في أوهامه، ويصوِّر مِن ضَمِّ بعضها إلى بعض صورة باطنة قائمة في نفسه، والمراد من الجثمانية: الخط الذي يخطُّه القلم، فذلك التعريف يشمل جميع ما يسطره القلم مما يتصوره الذهن ويتخيله الوهم، فيدخل تحته مطلق الكتابة كما هو المستفاد من المعنى اللغوي.

أما الغربيون فعرفوا الكتابة بأنها: "صناعة يُعبَّر بها عن الأفكار بعلامات منظورة"، وهي تشمل كل ما اصطلح عليه البشر للتعبير عن أفكارهم، سواء كان بالصور كما شاع قديمًا، ولا يزال باقيًا بين كثيرين من البرابرة الآن، أو بالأرقام، أو بالحروف، أو بغيرها من العلامات المصطلح عليها بين طائفة من الناس.

ونحن إذا نظرنا في جميع أنواع الكتابة المعروفة، نجد أن العلامات المستعملة فيها تنقسم إلى قسمين متميزين؛ أولهما: علاماته صورية، تمثل الأشياء المراد التعبير عنها، وتسمى بالكتابة الصورية أو التمثيلية، وثانيهما: علاماته رموز للألفاظ لا للأشياء، وتسمى بالكتابة الحرفية، والوجدان والواقع يشهدان بأن الكتابة كانت في أول الأمر صورية تمثيلية، ثم تدرجت من باب التسهيل والتيسير والتقريب حتى صارت حرفية.

وأقدم رموز للكتابة الصورية هو الخط البربائي أو الهيروغليفي، فقد كانت الصور في أول الأمر تشابه الأشياء التي تدل عليها مشابهة تامة، فصورة الرجل تدل على الرجل، وصورة الفرس تدل على الفرس، ونحو ذلك، ثم تنقلوا بالتدريج من الحقيقة إلى المجاز، فصارت صورة الرجل يضرب رأسه بالفأس تدل على الإنسان الشرير، باعتبار أن الانتحار أعظم الشرور وأكبر الآثام، ثم ارتقوا فاشتقوا منها حروف الهجاء المعروفة الآن، وقد لا يكون بين الكتابة وبين المدلول عليه بها أدنى مشابهة صورية، ولكن بينهما علاقة ملازمة تامة، مثال ذلك أن المصريين الأقدمين يعبرون عن مصر العليا بصورة نبات البردي لكثرته فيها على عهدهم، وعن مصر السفلى بنبات البشنين لكثرته فيها كذلك، وبضم هذا الاصطلاح إلى التسهيل والتقريب الذي توخاه الناس في الكتابة الصورية، التي من نوع الأول، توصلوا إلى استخراج حروف الهجاء المعروفة قديمًا وحديثًا.

والقسم الأول هو الذي ظهر واصطلح عليه الناس في الأيام الأولى من عصور التاريخ الخالية.
أما القسم الثاني، وهو الكتابة الحرفية، فقد تكون العلامة المصطلح عليها دالة على لفظه بتمامها، كما في الخط المكسيكي الذي كان مستعملًا في أمريكا عند افتتاحها، وكما في الخط الصيني في آسيا، وهو لا يزال مستعملًا إلى الآن؛ ولذلك لا يتيسر للإنسان أن يتعلم حروف الهجاء الصينية إلا بعد جهد كبير وزمن طويل، وقد تكون العلامة لمقطع واحد مركب من حرفين فأكثر كما في الخط الحبشي، وإما أن تكون موضوعة للمفردات التي يتألف منها المقطع الواحد، كالحروف الهجائية التي هي الثمرة البالغة اليانعة لكل ما سبقها من الممهدات في إبراز الأفكار في صورة تقرؤها الألوف وألوف الألوف من الناس على نمط واحد، كما هي الحال في الحروف العربية والحروف المستعملة عند بقية الشعوب الممدنة.

ثلاث طوائف كبرى:
هذا ومن المعلوم أن الناس بالنسبة إلى اللغات ثلاث طوائف كبرى:
• الطائفة الأولى: أهل اللغات "السامية"، وأشهرهم المتكلمون بالعربية، ثم العبرانية، ثم السريانية، ثم الكلدانية، ثم الحبشية، ثم السامرية من اللغات الحية، والفينيقية والبابلية من اللغات الميتة، ولكلٍّ منها حروف خُصَّت بها بحسب الظاهر، وإن كان مرجعها واحدًا في الحقيقة.
• والطائفة الثانية: أهل اللغات "الآرية"، وهي جنوبية وشمالية، فأما الجنوبية فهي الشائعة في الهند وفارس، وكانت تكتب بالحروف العربية بفضل انتشار الحضارة الإسلامية فيها (وذلك ما عدا اللغة السنسكريتية التي تعتبر من أقدم لغات العالم)، وأما الشمالية فهي المعروفة باللغات الهندية الأوروبية، وتشمل لغات أوروبا وقسم عظيم من أمريكا، وكتابتها بالحروف اليونانية واللاتينية أو "الرومانية" والسلافية أو "الصقلية"، ومرجع حروف هذه اللغات كلها اليونانية لأنها مصدرها.
• والطائفة الثالثة: اللغات التورانية، وأهمها التركية، وكانت تكتب بالحروف العربية.

فمن ذلك نستنتج أن الحروف العربية انتشرت بانتشار الحضارة الإسلامية في طائفتين من أهل اللغات البشرية، بل وفي الثالثة في اللغة الإسبانية، فقد كان بعض العرب حينما دالت دولتهم بالأندلس يكتب علومه ومعارفه، ومنها الفقه والحديث والتصوف وقصص الصالحين بل وترجمة القرآن، بحروف عربية، والكلام كله إسبانيولي قديم، ولا تزال بقايا هذه الكتب محفوظة في مكاتب إسبانيا، وقد طبع القوم منها أشياء، وتسمى هذه اللغة الخميادو Aljamiado، تحريفًا للكلمة الأعجمية؛ لأن العين ليست في لغات الإفرنج، وكذلك الهمزة المتوسطة؛ فاضطروا أن ينطقوها ألجمى، ثم تداولوها فقالوا ألجمي بسكون اللام، والإسبانيون ينطقون الجيم خاءً في أحايين كثيرة فقالوا ألخمي، ثم أضافوا إليها علامة النسبة عندهم فقالوا الخميادو Aljamiado.

ونجد لذلك نظيرًا في بلاد الشام، فإن عددًا عظيمًا من السريان يكتب لغته بالحرف العربي، ويسمون هذه الكتابة "القلم الكرشوني"، وكذلك أهل مدقشقر، وأهل جزائر ملايو، وأهل موزنبيق، فإنهم يكتبون لغاتهم بالحروف العربية مع زيادة وتعديل، وإن كان لسانهم بعيدًا عن اللسان العربي، ومثل ذلك اللغة الأوردية الشائعة في بلاد الهند، وكل ذلك دليل على انتشار المدنية الإسلامية وتأثيرها في العالم، واتساع نفوذها، ورسوخ أصولها في الأصقاع المتنائية.

هذا وإذا نظرنا إلى أشكال الحروف المستعملة الآن نجدها تنحصر في سبعة أشكال، وهي: العربية، والعبرانية، والسريانية، والكلدانية، والحبشية، والسامرية، واليونانية، وهذه الأشكال السبعة من أصل واحد قد تطرَّق إليه التحريف والتعديل، وتتغير تبعًا لمقتضيات الأحوال؛ نظرًا لعدم سهولة المواصلات في الأيام القديمة، ولعدم وجود الضابط الذي يُرجَع إليه في رد التحريف إلى أصله أو ملافاته ومنعه؛ إذ لم تكن الطباعة موجودة في تلك الأعصار، والحاضر أكبر دليل على ذلك؛ فإن الحروف العربية، وهي واحدة ومراجعها واضحة وضابطها موجود، وهو الطباعة، فضلًا عن القواعد المقررة عند الخطاطين، فإننا نراها متغايرة بحسب البلاد المختلفة، فلها أشكال متغايرة تغايرًا جزئيًّا في مصر، وفي الشام، وفي العراق، وفي فارس، وفي تركية، وفي تونس، وفي الجزائر، وفي المغرب، بله تغايرها في لغة السواحل (بلاد زنجبار)، وفي لغة الملايو، وفي غيرها من اللغات غير العربية التي يعتمد أهلها على الحروف العربية.

بل إننا في القطر الواحد نكتب الحروف بأشكال مختلفة، فلبعض الأقباط في القطر المصري نمط مخصوص، ولفقهاء الكتاتيب فيه نمط مخصوص، ولكُتَّاب الدواوين نمط مخصوص، وكذلك الحال عند أهل الأقطار الأخرى ذوي اللغات الأجنبية. ومن ذلك يسهل علينا فهم الاختلاف الذي حدث في أشكال الحروف عند الأمم القديمة، مع عدم وجود الضوابط المتوفرة لدينا الآن، ومَنْ تأمَّل في الخطوط السامية وجد التقارب بينها كثيرًا، وسَهُل عليه اشتقاق بعضها من بعض.

هذا وأول الخطوط العربية هو الحِمْيري المعروف بالقلم المسند، وقد بلغ نهاية الإحكام والإتقان والجودة في دولة التبابعة لِمَا بلغَتْه من الحضارة والترف، ثم انتقل منهم إلى الحيرة في دولة المناذرة والنعامنة نسباء التبابعة، ولكنه حُرِّف واضمحلت جودته؛ نظرًا لبُعد ما بين الدولتين في الحضارة وعزة المُلك، ومن الحيرة أخذته قريش قبل البعثة النبوية بقليل.

وأول من كتب بالعربية أهل اليمن، وكانوا يسمون خطهم بالمسند، وهو الخط الحميري، وكانوا يكتبون حروفًا منفصلة، ويمنعون العامة من تعلُّمه، حتى تعلمه ثلاثة نفر من طيِّئ فتصرفوا فيه، وسموه بخط الجزم؛ لأنه اقتطع من خط حمير، ثم علموه أهل الأنبار.
ويقال أنه لما قدم الحيرة حرب بن أمية القرشي، جد معاوية بن أبي سفيان، نقل هذه الكتابة من الحيرة إلى الحجاز بعد أن عاد إلى مكة، وممن تعلمها من أهل الحجاز: ورقة بن نوفل، ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان.

والكتابة العربية الحالية متصلة، وتُكتب من اليمين إلى اليسار، أما الحميرية فهي منفصلة كما تقدم، وتُكتب تارة من اليمين إلى الشمال، وتارة من الشمال إلى اليمين.
والكتابة العربية يسهُل فيها من السرعة ما لا يسهُل في غيرها، وقد كانت الدواوين الإسلامية من أَجَلِّ أسباب نشر الكتابة العربية.
وأما اليونانية واللاتينية وما تفرع عنهما فمن اليسار إلى اليمين، وكلها على السطر الأفقي، بخلاف الصينية واليابانية فسطرهما رأسي.
______________
مقتبس من كتاب: "الحضارة الإسلامية" لأحمد زكي

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة