من أعظم الأصول التي ينبغي أن يتمسك بها المسلم تجاه سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو التلقي بالقبول والتصديق، وإتباع العلم بالعمل، وهذا هو الانتفاع الحقيقي بميراث النبوة، وهو الحال الذي كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وخيار الأمة ممن جاء بعدهم، حيث كانوا يطلبون الحديث للعمل والانتفاع، فالحديث الواحد كاف لترك عادته، وتغيير فكرته، وتعديل سلوكه، وتوجيه عواطفه.
وهذا جمع لجملة من الشواهد من كلام النبوة مذيلا بكلام الصحابة الذي يدل على سرعة الاستجابة والامتثال مع التصديق، فقد كانوا يتفاعلون مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ويصدرون عنه دون تردد، سواء كان أمرا أو نهيا، أو في فضائل الأعمال فإنهم يتمسكون بما بلغهم عنه؛ ليقينهم أنه مبلغ عن الله، في حين أن البعض اليوم بمجرد أن يعلم أن الحديث ليس في رتبة الواجبات فإنه يتركه ولا يعمل به؛ لضعف الهمم عن تلك المقامات العالية.
قال الإمام النووي في الأذكار: ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرة ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقا، بل يأتي بما تيسر منه: لقوله صلى الله عليه وسلم : « وإذا أمرتكم بشيء فافعلوا منه ما استطعتم».
وقال علي رضي الله عنه: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا، نفعني الله بما شاء منه. ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث.
ونشرع الآن بذكر نماذج من تلك المواقف لا على سبيل الحصر، وإنما على سبيل الشواهد الدالة على ما ذكرنا:
الأول: سعيد ابن زيد يرى أنه من المستحيل على نفسه أن تقبل بغصب شبر من الأرض؛ لأنه قد بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم زجر ووعيد لا يتعداه ولا يخالفه، ففي صحيح البخاري أن سعيد بن زيد خاصمته أروى إلى مروان، وادعت أنه أخذ شيئا من أرضها، فقال: أنا كنت آخذ من أرضها شبرا بعد الذي سمعت من رسول الله، سمعته يقول: «من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه من سبع أرضين» فقال مروان: لا أسألك بينة بعدها.
الثاني: امتناع عبد الله بن عمرو من الدخول على المرأة إذا كان زوجها غائبا عنها، لسماعه النهي عن ذلك، وإلى الأبد ظل متمسكا بهذا الأدب النبوي، ففي المسند عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «لا يدخلن رجل على مُغِيبَةٍ، إلا ومعه غيره » قال عبد الله بن عمرو: " فما دخلت بعد ذلك المقام على مُغِيبَةٍ".
الثالث: امتثال أبي مسعود الأنصاري للنهي عن ضرب المملوك استجابة للتوجيه النبوي، وظل منتفعا به طوال حياته، ففي الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري قال: كنت أضرب مملوكا لي، فسمعت قائلا من خلفي يقول: « اعلمْ أبا مسعود، اعلمْ أبا مسعود» فالتفت، فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لله أقْدَرُ عليك منك عليه» قال أبو مسعود: فما ضربت مملوكا لي بعد ذلك.
الرابع: انتفاع ابن عمر بتفسير النبي صلى الله عليه وسلم لرؤيا رآها، وحضه فيها على قيام الليل فامتثل بقية عمره، ففي صحيح مسلم عن ابن عمر، قال: كان الرجل في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا رأى رؤيا، قصها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وكنت غلاما شابا عزبا، وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، قال فلقيهما ملك فقال لي: لم ترع، فقصصتها على حفصة، فقصَّتْها حفصةُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» قال سالم: فكان عبد الله، بعد ذلك، لا ينام من الليل إلا قليلا.
الخامس: ترك ابن عمر للمزارعة، وهي: اكتراء العامل لزرع الأرض ببعض ما يخرج منها، بمجرد أنه سمع أن رافع ابن خديج يحدث بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون جدل ولا تردد، قال نافع: كان ابن عمر يكري مزارعه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان وصدرا من إمارة معاوية، فأتاه رجل، فقال: إن رافع بن خديج يزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارعة، فانطلق إلى رافع، وانطلقت معه، فسأله فقال: ما الذي بلغني عنك؟ تذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في كراء المزارعة، قال: نعم، " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارعة، قال: فكان عبد الله بعد ذلك إذا سئل عن كراء المزارعة، قال: زعم رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. قال أيوب: فتركها ابن عمر بعد ذلك رواه الطبراني في المعجم الكبير.
السادس: حب جابر للخل بعد امتداح النبي صلى الله عليه وسلم للائتدام به، قال النووي في شرحه على مسلم معقبا على من قال إن الحديث مدح للاقتصار على الموجود من الطعام: والصواب الذي ينبغي أن يجزم به أنه مدح للخل نفسه. انتهى. والحديث في صحيح مسلم عن طلحة بن نافع، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي ذات يوم إلى منزله، فأخرج إليه فلقا من خبز، فقال: «ما من أُدُمُ؟» فقالوا: لا إلا شيء من خل، قال: «نِعْمَ الْإِدَامُ أَوِ الْأُدُمُ الْخَلُّ»، قال جابر: فما زلت أحب الخل منذ سمعتها من نبي الله صلى الله عليه وسلم، وقال طلحة: ما زلت أحب الخل منذ سمعتها من جابر.
فانظر كيف انفعلت نفوسهم مع المدح النبوي لشيء لم يكن في دائرة محبوباتهم وأطعمتهم المحببة إليهم، لكنهم يعلمون أن هذا التفضيل النبوي للخل لا يكون إلا لفائدة ومنفعة، فينتفعون ببركة التصديق واليقين والموافقة للمقام النبوي ولو لم يكن في أمر تشريع أو عبادة.
السابع: امتثال ابن عمر للأمر برفع الثوب في صحيح مسلم عن ابن عمر، قال: مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء، فقال: «يا عبد الله، ارفع إزارك»، فرفعته، ثم قال: «زد» ، فزدت، فما زلت أتحراها بعد. والمعنى: أنه بعد سماعه ذلك الأمر كان دائما يجتهد ويبذل الجهد ليرفع ثوبه على وفق تقريره - صلى الله عليه وسلم -.
الثامن: انتفاع علي رضي الله عنه بوصية قضائية سمعها وامتثلها، فكان أقضى الصحابة رضي الله عنهم، وأعلمهم بالقضاء، يرجعون إليه في حل أعقد القضايا، ففي سنن أبي داود عن علي قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حديث السن، ولا علم لي بالقضاء، فقال: «إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين حتى تسمع من الآخر، كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن يتبين لك القضاء»، قال: فما زلت قاضيا، أو ما شككت في قضاء بعد. أي: ببركة تعليمه إياه والتزامه بما علمه.
التاسع: تتابع الصحابي ومن بعده على الاستمساك بحديث بلغهم في الحفاظ على ثنتي عشرة ركعة من نوافل اليوم والليلة، وهي السنن الرواتب، ففي مسند الإمام أحمد عن النعمان بن سالم، قال: سمعت عمرو بن أوس، يحدث عن عنبسة، عن أم حبيبة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما من عبد مسلم توضأ، فأسبغ الوضوء، ثم صلى لله عز وجل كل يوم ثنتي عشرة ركعة، إلا بني له بيت في الجنة» قالت أم حبيبة: " فما زلت أصليهن بعد " وقال عنبسة: " فما زلت أصليهن بعد " وقال عمرو بن أوس: " فما زلت أصليهن "، قال النعمان: " وأنا لا أكاد أدعهن ".
العاشر: الحث على التسبيح والتحميد والتكبير قبل النوم، وقد جعله علي رضي الله عنه وردا لا ينفك عنه حتى في مواطن الخوف والذهول، ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب، أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما، فقال: «ألا أخبرك ما هو خير لك منه؟ تسبحين الله عند منامك ثلاثا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين» ثم قال سفيان: إحداهن أربع وثلاثون، قال علي: فما تركتها بعد، قيل: ولا ليلة صفين؟ قال: ولا ليلة صفين.
الحادي عشر: المحافظة على كلمات قالها رجل في صلاته وأقره النبي صلى الله عليه وسلم عليها وامتدحها منه، فكان ذلك كافيا لأن يتمسك بها ابن عمر ما بقي من حياته، ففي سنن النسائي عن ابن عمر، قال: بينما أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال: «أيكم صاحب الكلمات؟» فسكت القوم فقال رجل من القوم: أنا قلتها يا رسول الله وما أردت بها إلا الخير، فقال رسول الله: «فُتحتْ لها أبواب السماء» قال ابن عمر: فما تركتها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولها.
الثاني عشر: التزام المرأة بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لها بالخضاب فما زالت تختضب حتى توفيت، مع أنه لا رغبة لها بالخضاب وهي عجوز طاعنة السن، لكنه الامتثال والانتفاع بكلام النبوة.
ففي المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على امرأة فقال لها: «اختضبي، تترك إحداكن الخضاب حتى تكون يدها كيد الرجل» قالت: فما تركت الخضاب حتى لقيت الله تعالى، وإن كانت لتختضب وإنها لابنة ثمانين.
الثالث عشر: احتراز أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من الحلف بغير الله حتى على جهة النقل والحكاية، فلم يعد يستجيز للسانه النطق بالحلف بغير الله ولو على سبيل النقل عن الغير، فضلا عن إنشاء اليمين به، بعدما سمع النهي عن ذلك.
ففي صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمر قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ذاكرا، ولا آثرا.
الرابع عشر: التحول السريع من البغض إلى المحبة لمجرد سماع ما يوجب ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبو هريرة سمع منقبة لبني تميم من رسول الله صلى الله عليه وسلم فانفعلت نفسه مع ذلك المدح النبوي، ليتلاشى من قلبه ما كان يجد من بغضهم في لحظته، بل وتبدل إلى حب ومودة.
ففي المسند عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذه صدقة قومي، وهم أشد الناس على الدجال» يعني بني تميم، قال أبو هريرة: ما كان قوم من الأحياء أبغض إلي منهم، فأحببتهم منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا.
الخامس عشر: انتفاع أبي سلمة في أمر الرؤيا، حيث كان إذا رأى ما يكره ثقل ذلك على نفسه، حتى سمع بالتوجيه النافع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فانحلت تلك المشكلة، وصار لا يكترث لتلك المنامات ببركة التصديق والامتثال.
في الصحيحين عن أبي سلمة قال: إن كنت لأرى الرؤيا تمرضني، وفي رواية: إن كنت لأرى الرؤيا هي أثقل علي من الجبل. قال: فلقيت أبا قتادة، فقال: وأنا كنت لأرى الرؤيا فتمرضني حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الرؤيا الصالحة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحب، فلا يحدث بها إلا من يحب، وإن رأى ما يكره فليتفل عن يساره ثلاثا، وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها، ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره».
السادس عشر: الشوق الذي صنعه الكلام النبوي في نفس الرجل الذي بادر للقتال في سبيل الله حتى قتل؛ تصديقا ويقينا بوعد الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثله كثير من الصحابة الذين صدروا عن كلامه وإخباره عما أعد الله للمجاهد في سبيله.
ففي صحيح مسلم عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس، عن أبيه، قال: سمعت أبي، وهو بحضرة العدو، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف» ، فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى، آنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه، فقال: أقرأُ عليكم السلام، ثم كسر جفنَ سيفِه فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدو فضرب به حتى قُتل.
ولا يمكن أن تقع تلك المواقف تحت الحصر لكثرتها، فالاتباع والمبادرة للامتثال والتسليم لما جاءهم من عند الله على لسان رسوله أصل عظيم في حياتهم، ومنهم نتعلم هذا الأدب الرفيع مع أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، فالمسلم مأخوذ من الاستسلام وهو الانقياد والطاعة مع التصديق وذلك كمال الإيمان، فإذا اجتمع لمسلم الانقياد مع التصديق كان مسلما مؤمنا.