أبناؤنا هم زينة الحياة، ونعمة الإله، كما قال جل في علاه: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ}[الكهف:46].. هم قرة عيوننا، وبهجة نفوسنا، ومصدر سعادتنا في هذه الحياة، وربما بعد الوفاة..
لا يسعد الإنسان، ولا تتم له سعادته حتى يرى أبناءه سعداء صالحين، لربهم طائعين، ولدينهم متبعين، ولأنفسهم وأوطانهم نافعين.
وقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أنهم رعية استرعانا الله عليهم، نرعى شؤونهم، ونحسن تربيتهم، وأنه سائلنا عنهم؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: (كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ، والأمِيرُ راعٍ، والرَّجُلُ راعٍ علَى أهْلِ بَيْتِهِ، والمَرْأَةُ راعِيَةٌ علَى بَيْتِ زَوْجِها ووَلَدِهِ، فَكُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عن رَعِيَّتِهِ)[البخاري].
وأخبرنا أن الله سيحاسبنا عن هذه الرعية حفظناها أو ضيعناها؛ ففي الحديث الذي رواه النسائي وابن حبان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عمَّا استرعاه: أحفِظ أم ضيَّع حتَّى يسأَلَ الرَّجلَ عن أهلِ بيتِه).
ولن ينجح الإنسان في هذا الامتحان إلا بأن يسعى تمام السعي أن ينجيهم بفضل الله تبارك وتعالى من النار، كما قال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التحريم:6].
فدور الوالدين والأسرة هو رعاية الأبناء وتربيتهم تربية تجعلهم بأمر الله من الصالحين الأبرار، وتحفظهم بحول الله وقوته من دخول النار، وهذا أمر يمثل تحديا كبيرا مع كثرة ما نلاقيه حولنا من التحديات والمعوقات، ووسائل الهدم التي تملا كل ما حولنا، سواء كان ذلك في وسائل الإعلام ووسائل الاتصال، أو في رفقاء السوء، أو حتى في مخططات الأعداء.
كل هذا اجتمع على أبنائنا، يعرض الشهوات والشبهات، ويدعو للفواحش والرذائل والمنكرات، ويزين للباطل، بل وللكفر، وللإلحاد، فإذا جاءت الأسرة بعد ذلك، فتخلت عن دورها، وهي المحضن الأول، والمربي الأصلي والأساس؛ فإن النتيجة ستكون قاسية لا محالة، وهي ضياع الأولاد دينيا، وعقديا، وتربويا، واجتماعيا، وأخلاقيا.. وسوف نخسر نحن الثمرات الطيبة للتربية في الدنيا، مع عقاب الله لنا في الآخرة، فقد روى البخاري ومسلم من حديث معقل بن يسار قال صلى الله عليه وسلم: (ما مِنْ عبدٍ يسترْعيه اللهُ رعيَّةً، يموتُ يومَ يموتُ، وهوَ غاشٌّ لرعِيَّتِهِ، إلَّا حرّمَ اللهُ عليْهِ الجنَّةَ)[متفق عليه].
لقد بين النبي صلى الله عليه وسلم لنا الدور المحوري للأسرة، وللوالدين في عملية التربية، حين قال (كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ علَى الفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أوْ يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ)[البخاري].
والفطره هي الإسلام وتوحيد الرحمن.. قال سبحانه وتعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}[الروم:30].
وعن عياض بن حمار رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يقول الله تبارك وتعالى: إنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عن دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بي ما لَمْ أُنْزِلْ به سُلْطَانًا)[رواه مسلم].
ولذلك فالأب والأم هما اللذان يرسمان مستقبل الطفل؛ فإنه يأتي كالورقة البيضاء ليسطر فيها الوالدان والمربون ما شاءوا، فإن أحسنا تربيته نشأ فاضلا كريما، وإن أساءا نشأ فاشلا لئيما
وينشأ ناشئ الفتيان منا .. .. على ما كان عوده أبوه
امتداد لك بعد موتك
أبناؤنا أمانة في رقابنا، أبناؤنا رعية بين أيدينا، ولذلك ينبغي للمسلم أن يهتم بتربية أولاده، إنك إن ربيت أولادك كانوا امتدادا لعمرك، وأثرا يبقى من بعدك، وبابَ حسناتٍ وثواب لا يتوقف بعد موتك، فيدعون لك، ويستغفرون لك، ويتصدقون عنك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابنُ آدمَ انقطع عملُه إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفعُ به، وولدٍ صالحٍ يدعو له)رواه مسلم.
وفي الحديث: (إنَّ اللهَ تبارَك وتعالى لَيَرْفَعُ للرَّجلِ الدَّرجةَ فيقولُ أنَّى لي هذه فيقولُ بدعاءِ ولدِك لك)[رواه أحمد].
إن أبناءنا في الواقع هم صورة لنا، وكأنهم مرآة نرى فيها ذواتنا وأخلاقنا، فإذا رأيت من ولدك ما لا يعجبك فراجع نفسك وانظر في أفعالك وأخلاقك؛ فإن الصبي مغرم بتقليد أهله، فإنما يقلد ما يرى، فإذا أصلحنا أحوالنا وأعمالنا وأقوالنا وأخلاقنا، فسنرى أثر ذلك كله في أولادنا.
{رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا}[الفرقان:74]
المقالات

