في زمنٍ تموجُ فيه الأحداث كما تموجُ الرياحُ في الفلاة، وتضطرب فيه القلوب تحت ثِقَل الأخبار وتعاقب المتغيرات، يغدو الثبات الإيماني نعمةً تُوازي نعمة الهداية الأولى، بل هو امتدادٌ لها وحارسٌ على بقائها. إننا نشهد عصرًا لا يكاد الإنسان يلتقط فيه أنفاسه من حدثٍ حتى يفاجئه آخر، تُشتت فيه الشبهاتُ الفكرَ، وتتناوش الشهواتُ القلب، ويجد فيه السائرُ إلى الله نَفْسَه محتاجًا إلى رسوخٍ أشدّ من رسوخ الجبال، وإلى يقينٍ لا تهزه الأعاصير.
وما كان الثبات يومًا ترفًا روحيًا، بل هو قوام الطريق إلى الله، وميزان الصادقين في سيرهم، وهو المقام الذي دعا إليه الأنبياء، وتشوّف إليه المخلصون، وتنافس فيه أهل البصائر. ذلك لأن النفس بطبعها تضعف وتتقلب، والقلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلّبها كيف يشاء. فكيف بالإنسان في عالمٍ تكثر فيه الصوارف، وتضعف فيه العزائم، ويتزاحم فيه ضجيج الأرض على إشراقة الروح؟
الثبات… مقامٌ لا يُنال بالأماني
الثبات الإيماني ليس حالة عابرة، ولا لحظة حماسٍ خاطفة، بل هو بناءٌ يُشيَّد لبنةً لبنة؛ تبدأ أساساته من صدق الإيمان بالله، ثم تعلو جدرانه بصدق النية والإرادة، وتُحكم سقوفه بالعمل الصالح والمداومة عليه.
إنه يشبه الشجرة الطيبة التي ذكرها القرآن: جذورها راسخة في أعماق الإخلاص، وفروعها ممتدة نحو السماء. قد تهبّ عليها الرياح، لكنها لا تُقْلَع، وقد تتمايل، لكنها لا تنكسر؛ لأن ما في باطنها أقوى مما في ظاهرها.
ولأجل هذا كانت الدعوات النبوية ديدن الثابتين؛ فقد علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته أن تقول:"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"رواه الترمذي.
ليس لأن الإيمان مهدد بالفساد بذاته، بل لأن القلب هو الوعاء الذي يتعرض للتقلّب كل حين.
طريق واضح في عالم مضطرب
قد تتغير الأوطان، وتدور عجلة السياسة، ويختلف الناس، وتتنافر القلوب، وتفقد الدنيا بعض ألوانها التي كانت آمنة مطمئنة؛ لكن طريق الله لا يتغير: {وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
في كل عصر يعرف المؤمن أن أمامه السبيل ذاته: طريق العبودية، وطريق الطاعة، وطريق الاستقامة.
كل ما يتغير هو الظروف من حوله، أما جادة الحق فواضحة نقية ثابتة، يمشي عليها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون.
وما أروع ما قيل:الدنيا تضطرب، والقلوب ترتجف، والفتن تتزاحم… لكن من عرف وجهته لا تعيقه الرياح.
فالذي يملك قبلة ثابتة، وثقة راسخة في ربّه، لا يضره اضطراب الناس على الطريق. إنما الذي يضطرب هو من فقد وجهته، وليس من ثبَّت الله خطواته على صراطٍ مستقيم.
كيف يحفظ المؤمن ثباته؟
ليس الثبات هبة تُعطى للجميع بلا سعي، ولا هو قُدرة روحية تنزل على الإنسان فجأة، بل له أسبابٌ إذا أخذ بها العبد قويت عزيمته واطمأن قلبه. ومن أهمها:
1. صحبة القرآن
قال الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32].
فالقرآن روحٌ تُسكِّن الاضطراب، ونورٌ يبدد ظلام الحيرة.
من لازم تلاوته وتدبره ووقف عند آيات وعده ووعيده، أدرك أن العالم باضطرابه أهون من أن يهزّ قلبًا أناره كتاب الله.
2. المحافظة على الصلاة والذكر
لا شيء يثبت القلب مثل الوقوف بين يدي الله. في كل سجدة تُلقى الأحمال، وفي كل ذكرٍ يُداوى الجرح، وفي كل لحظة مناجاة تُضيء الطريق المظلم.
الصلاة ليست عادة يومية، بل إعادة ضبط روحي تُعيد للمؤمن توازنه كلما اختلّ. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لبلال رضي الله عنه: "أَقِمِ الصلاةَ، أَرِحْنا بها"أخرجه أبو داوود.
3. صحبة الصالحين
الرفقة الطيبة سياجٌ من الرحمة حول القلب؛ تُقوّيه إذا ضعف، وتشُدّه إذا مال، وتقومه إذا اعوج، وتُذكّره إذا نسي.
فالأرواح جنودٌ مجندة، فما تعارف منها ائتلف.
4. البعد عن مصادر الاضطراب
بعض الناس يحمل اضطراب العالم إلى قلبه لأنه يفتح له كل نافذة:يعطي أذنيه للأخبار، وعينيه للجدالات، وعقله للتحليلات، وقلبه للخوف.
من أراد الثبات فليُغلق الفتنة عند بابها، وليدخل إلى قلبه ما يقوّيه لا ما يملأه بالخوف والاضطراب.
5. كثرة الدعاء
الثبات ليس جهدًا بشريًا فقط، بل هو هبة من الله يفيضها على من يشاء.
ولذلك كان السلف يرفعون أكفّهم دائمًا بالدعاء: اللهم ارزقنا إيمانًا لا يرتد، ويقينًا لا ينقص، وثباتًا لا يزول.
الثبات الإيماني… جمالٌ يُرى في المواقف
ليس الثابت الذي يتحدث عن الثبات، بل هو الذي يثبت حين يَضطرب الجميع.
هو الذي يبتسم في وجه الابتلاء لأنه يعرف صاحب البلاء، ويتماسك أمام الفتن لأنه يعرف مآلات الطريق، ويصبر على الطاعة لأنه يرى بنور قلبه ما لا يراه المتعجلون.
قد يرى الناس في الثابت صمتًا، لكنه عند الله صوتٌ عالٍ من اليقين، وقد يرونه عزلةً، لكنها عند الله خلوةٌ مع الحق، وقد يرونه صلابة أو قسوة، لكنها عند الله لين قلبٍ لا يتزعزع.
أخيرا:
في عالمٍ يموج كالبحر، لا يملك المؤمن رفاهية التردد؛ إنما يملك فرصة واحدة:
أن يُمسك بحبل الله جيدًا، وأن يجعل قلبه معلقًا بالسماء لا بالأرض، وأن يعلم أن الثبات ليس أن تبقى حيث أنت، بل أن تبقى قريبًا من الله مهما تغيّرت الدنيا من حولك.
المقالات

