الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

العقل…أثمن ما ملك الإنسان!

العقل…أثمن ما ملك الإنسان!

 العقل…أثمن ما ملك الإنسان!

ليس في كيان الإنسان نعمةٌ أوسع أثرًا، ولا أشدُّ خطرًا، ولا أعظم تبعةً من العقل، فهو الأداة التي بها يميز، والميزان الذي به يحكم، والنور الذي يهتدي به في متاهات الحياة وتقلباتها.
حتى قال الغزالي: " العقل أصلُ العلم، ومبدؤه وأساسه، والعلمُ تابع له ومبنيٌّ عليه".
ولو أن الناس أحسنوا إعمال عقولهم في الميادين التي خُلقت من أجلها، وفكروا تفكيرًا منضبطًا يقوم على أساس سليم، ثم عملوا بمقتضى ما يصلون إليه من نتائج، لسعدوا في دنياهم قبل آخرتهم، ولصلحت شؤونهم الفردية والجماعية.

يقول د.عبد الله قادري الأهدل: "وكفى بالعقل منزلة عند الله معرفة الأمور الثلاثة الآتية:
الأمر الأول: أنه مناط التكليف وأن غير العاقل لا ينال شرف التكليف من الله تعالى، ذلك أن التكليف لا يكون إلا لمن أمكنه علم الحق، والعمل به ومعرفة الباطل وتركه، وهذا لا يمكن إلا من أهل العقول، ولهذا تجد علماء الإسلام يذكرون في كتبهم -أصولاً كانت أو فروعاً- أن من أهم شروط التكليف: العقل، فلا يكلف غير العاقل ...
الأمر الثاني: أن العقل هو إحدى الضرورات الخمس، التي لا تكون الحياة في الأرض مستقرة ولا قائمة بدون حفظها.
الأمر الثالث: أن الله تعالى أرسل رسله وأنزل كتبه لإبلاغ الناس دينه الحق، مبينا لهم بحججه وبراهينه، أن ذلك الدين حق وأن ما خالفه باطل، مُلجئاً تلك العقول بتلك الحجج والبراهين إلى التسليم الاختياري بأن دين الله حق، وأنه الهدى والرشاد، وأنه جالب لمصالحهم في الدارين، واقٍ لهم من المفاسد فيهما".

لقد خُلِق العقل ليكون وسيلة معرفة لا أداة تعطيل، ومرآة للحق لا ستارًا عليه، ومن أعظم الميادين التي دُعي العقل إلى النظر فيها: هذا الكون الفسيح الذي أبدعه الله تعالى من سموات وأرضين، وما بينهما؛ فهو كتاب مفتوح، لا تُغلق صفحاته، ولا تنقضي عجائبه، وقد أودع الله فيه من الإحكام، والدقة، والاتساق، ما يذهل الألباب، ويقود العقول السليمة إلى الخضوع للخالق، والانتفاع بالمخلوقات وفق سننها ونواميسها التي سخرها الله للإنسان.

فالقرآن الكريم لا يفصل العقل عن الكون، ولا يعزل الإنسان عن الطبيعة، بل يجعل النظر في المخلوقات من سماوات، وشمس، وقمر، ونجوم، وأرض منداحة صالحة للسكن، و زروع، وثمار، وما في الأرض من والبحار، والأنهار، كل ذلك يقود إلى التأمل، والتفكر، والهداية: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}، و{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}، فالكون في المنظور القرآني ليس مادة صماء، بل رسالة ناطقة، لا يفهم لغتها إلا من أحسن استخدام عقله.
ومن شكر هذه النعمة أن يُستثمر الكون في مصالح العباد، لا في إفسادهم، وأن تُسخَّر قوانينه في عمارة الأرض، لا في تدميرها، وفق هدي الله تعالى ومنهجه، فالعقل الذي لا يرى في الكون إلا وسيلة للعبث أو الطغيان عقلٌ معطَّل، وإن بدا صاحبه متقدمًا في الظاهر.

ومن ميادين إعمال العقل كذلك: فقه نصوص القرآن والسنة، والتعمق في فهمهما، واستنباط ما تحتاج إليه البشرية من هداياتهما، بما يحقق التقوى، ويقيم السلوك على أساس شرعي متين، وليس في الإسلام تعارض بين العقل والنقل، بل العقل الصحيح هو الذي يفهم النص، ويهتدي به، ويُسلِّم لحكم الله حيث تقصر مداركه عن إدراك الحكمة. فالتسليم لشرع الله ليس تعطيلًا للعقل، بل هو عين العقل، أما الاعتراض على الوحي بدعوى العقل فذلك هو الجهل، والخطل بعينه، وما أجمل كلمة ابن تيمية: " العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح"؛ ومن هنا ندرك أن أعظم الانحرافات إنما نشأت حين فُصل العقل عن الوحي، أو حين أُخضع الوحي لأهواء العقول القاصرة، أما العقل المهتدي بالشرع، فهو عقل منتج، نافع، بصير بمصالح الأمة ومفاسدها.

وللعقل السليم أثرٌ عظيم في حياة الناس؛ إذ أن أصحاب العقول الراشدة هم الذين يفكرون في مصالح الأمة، ويدلونها عليها، كما ينبهون إلى المفاسد ويحذرون منها، وهم الذين يملكون القدرة على الترجيح بين المنافع والمضار، وعلى النظر في العواقب، لا الوقوف عند الشهوات الآنية أو الانفعالات العابرة.


ومن تعظيم الإسلام للعقل أنه لم يبح إكراه الناس على الإيمان، بل خاطب عقولهم بالحجة والبرهان، وترك لهم حرية الاختيار بعد البيان: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ}، فالإيمان الذي يقوم على القسر إيمانٌ أجوف، أما الإيمان الذي ينبني على الاقتناع العقلي فهو إيمان راسخ، ثابت الجذور.

ومن هنا يُفهم سرُّ الصراع على العقول بين أهل الحق وأهل الباطل؛ فكل فريق يسعى إلى كسب العقول؛ لأن من ملكها ملك السلوك والقرار، فإذا سبق أهل الحق إلى العقول بالحق، أقاموا الحق في الأرض ونشروه وحموه، وإذا سبق أهل الباطل إليها بالباطل، نشروا فسادهم، وأقاموا له حواجز تحول دون وصول نور الحق إلى الناس.

إنها معركة الأفكار قبل أن تكون معركة السيوف، ومعركة العقول قبل أن تكون معركة الأجساد، ومن أدرك قيمة العقل، وعظم مسؤوليته، علم أن حفظه، وتزكيته، وتوجيهه الوجهة الصحيحة، هو من أعظم الواجبات، وأن إهماله أو تضليله هو أخطر ما يهدد الإنسان والأمة معًا.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة