كان النبيُّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ باعثاً للهمم، ومُعيداً لصياغةِ الشخصيةِ الإنسانيةِ في أسمى تجلياتها، حكيماً يُداوي علل الأرواح، ويستخرجُ دفائنَ الطاقاتِ الكامنةِ في أصحابه، وقد أدركَ صلى الله عليه وسلم بصحبتهِ للوحي أنَّ الشبابَ هم مكمنُ القوةِ الفتية، وأنَّ توجيهَهم لا يكونُ بالوعظِ الجاف، بل باستراتيجياتٍ تجمعُ بين "الاحتواءِ العاطفي" و"التكليفِ الميداني"، لقد حوّل عليه صلوات الله وسلامه فتيانَ مكةَ والمدينة من طاقاتٍ مبعثرة إلى قممٍ شاهقة، بنى فيهم "الهدف" قبل أن يبني فيهم "الفعل".
أولاً: استراتيجيةُ "الاستيعابِ النفسي"
أو ما يمكن تسميته "بناءُ الثقةِ والأمان"، فقبل أن يُوجّه الشبابَ نحوَ المهام، كان يفتحُ لهم شغافَ قلبه؛ فالثقةُ هي الجسرُ الذي تعبرُ فوقه الأوامرُ والتوجيهات.
فحين جاءه الشابُّ يستأذنه في الزنا -وهي جرأةٌ تخلعُ القلوب- لم يزجرهُ صلى الله عليه وسلم ولم يُعنّفه، بل أدناهُ منه وقال: «أدنه»، ثم خاطبَ عقلهُ وعاطفتهُ بـ "حوارِ الإقناع" (أتحبه لأمك؟..)، حتى وضع يدهُ على صدره ودعا له، فخرج الشابُّ وليس شيءٌ أبغض إليه من الزنا.
لقد كان صلى الله عليه وسلم قادرا أن يعنف الشاب ويزجره، أو أن يتغيظ عليه كما فعل الصحابة، ولكنه صلواب ربي وسلامه عليه استوعبَ "الجموح الشبابي" بالاحتواءِ لا بالإقصاء، فحوّلَ الطاقةَ الغريزية إلى طاقةٍ تقوِيّة عبر "الأمانِ الحواري".
ثانياً: استراتيجيةُ "اكتشاف العبقريات وتوجيه المهارات"
كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأُ مواهبَ أصحابه ومنهم الشباب، فيضعُ كلَّ واحدٍ منهم في الثغرِ الذي يُبدعُ فيه، محققاً استراتيجية "الرجل المناسب في المكان الأنسب".
ليست كل الميول واحدة، كما الإمكانات ليست متساوية، والمواهب متعددة، ولذلك لا يحمل الكل على الكل، وإنما الحكمة الكبرى وضع الشيء في موضعه، وكل فرد في مكانه الذي يبدع فيه.
لمّا رأى في "زيد بن ثابت" ذكاءً وقاداً وقدرة هائلة على الحفظ، وجهه إلى تعلّم اللغات، فقال له: «يا زيد، تعلّم لي كتاب يهود». فتعلمها "يعني لغتهم التي يتكلمون ويتراسلون بها" في خمس عشرة ليلة، فصار "ترجمان الوحي"، وكان يقرأ للنبي رسائله منهم، ويكتب رسائله إليهم.
استثمرالنبي عليه الصلاة والسلام "الفروق الفردية"؛ فجعل ابنَ عباسٍ للفقه، وزيداً للغات، وأسامةَ للقيادة. ووضع كل واحد منهم موضعه، وانظر إلى الإبداع في قوله صلى الله عليه وسلم: (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبيّ، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)[أخرجه الترمذي، وصححه الالباني].
ثالثاً: استراتيجيةُ "تحمل المسئولية"
لم يترك النبي ﷺ الشبابَ في هامشِ الحياة، بل دفعهم إلى "قلبِ العاصفة" وصناعةِ الحدث، ليغرسَ فيهم أنَّ قيمتَهم تكمنُ في عِظمِ أهدافِهم، وأن لهم دورا في بناء الأمة يتحملونه.
فلم يكن "أسامة بن زيد" قد تخطى (الثامنة عشرة) بعد، حين أمره على جيشٍ فيه كبارُ الصحابة كأبي بكر وعمر وأشباههم من الأكابر.
النبي أراد أن يكسرَ في روع الشبابِ حاجز "الهيبة العُمْرية"، ويُعلم الأمة أنَّ "الخبرة الميدانية" تُكتسبُ بالتحميلِ المبكر للمسؤولية. وإن كان الأمر ليس تجربة في جيش المسلمين، وإنما موهبة أيضا كان ملحوظة، وقدرة كانت موجودة، واستعداد تام للقيام بالمطلوب على أتم وجه، فقد قال صلى الله عليه وسلم لما كلمه البعض في إمرة أسامة، أو طعن بعض المنافقين: فقالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: (أنْ تَطْعُنُوا في إمارَتِهِ، فقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنُونَ في إمارَةِ أبِيهِ مِن قَبْلُ، وايْمُ اللَّهِ، إنْ كانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمارَةِ، وإنْ كانَ لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ، وإنَّ هذا لَمِنْ أحَبِّ النَّاسِ إلَيَّ بَعْدَهُ)[رواه البخاري ومسلم].
وقد أثبت أسامة كفاءته في وقت من أحلك الأوقات، وظرف من أحلك الظروف، وقام بالمهمة خير قيام، حتى أقر الناس له بذلك، وفتح الله به، ودفع به كيد الكافرين عن المدينة وقت الردة. وإنما المقصود كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع الرجال، فالهدف هنا ليس النصر العسكري فحسب، بل معه أيضا "بناء الشخصية القيادية".
وهذا مجرد مثل وإنما كانت استراتيجية عامة مع كل الشباب والصحابة، كما أرسل معاذا لليمن أميرا ومعلما ومفتيا وكان شابا، وكذلك مصعب يذهب للمدينة للدعوة حتى فتح الله به قلوب الناس للإسلام قبل الهجرة.. وغير ذلك كثير.
رابعاً: استراتيجيةُ "التعلق بالله"
الشبابُ يحتاجون إلى "الرؤية" التي تُحركُهم نحو الغيبِ والمستقبل، وقد كان صلى الله عليه وسلم يربطُ أهدافَهم بالخلود، ويعلق قلوبهم ونفوسهم بالخالق العظيم. ومثال ذلك:
قوله لابن عباس وهو غلام: «يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك.. احفظ الله تجده تجاهك .... إلخ الحديث». لقد غرسَ في قلبِ هذا الشاب "الأمنَ العقدي"، فجعلهُ يشعرُ أنهُ في كنفِ الله، مما أخرج للأمة "حَبر الأمة" الذي لا يخشى في الله لومة لائم.
ومثله حديثه لمعاذ: "أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟)، وحديثه معه عن العمل الذي يدخل الجنة ويباعد عن النار "لقد سألت عن عظيم".
إنها استراتيجية ربطُ الشبابِّ بـالله ليتحرروا من الخوف من الناس أو من الفشل، فتصبحُ قلوبهم معلقةً بالعرش، وطموحُهم معلقا بالثريا.
خامساً: استراتيجيةُ "القدوةِ العملية"
أو "التوجيهُ بالحال لا بمجرد الوعظ والمقال"؛ فالقدوة العملية هي القدوة الحقيقية، ومخالفة الفعل للقول يفض الناس عن قبول القول، ولم يكن صلى الله عليه وسلم يأمرُ بشيءٍ إلا وهو أسبقُ الناسِ إليه، فإذا أمرهم بالصلاة فهو إمامهم، أو بالصيام فهو أكثرهم، أو بالتقلل من الدنيا فهو أزهدهم، أو بالبذل فهو أجودهم، وهذا على الإطلاق ليس في باب دون باب، حتى في الأمور التي ليست لمثله ويكفيه غيره إياها لم يكن يتركها.. فكان يعتقب معهم البعير في طريق الغزو يمشي تارة ويركب تارة، وفي بناء المسجد كان يضعُ رداءهُ على عاتقه ويحملُ معهم "اللّبِن"، ويقولُ معهم: «اللهم لا عيشَ إلا عيشَ الآخرة». وفي غزوة الأحزاب كانَ يُشاركهم حفرَ الخندق، ويُسابقُهم، ويُمازحُهم، ويحدو معهم، وإذا ربط أحدهم حجرا على بطنه من الجوع، ربط هو حجرين؛ ولهذا انقادت له نفوسهم، وتعلقت به قلوبهم، وسارعوا في طاعته وتنفيذ أمره محبة ورضا لا قهرا وخوفا.
إن القدوةُ تُحولُ "النظريات" إلى "واقع"، والشبابُ يُهرعون خلفَ مَن يَرونه "منهم ومعهم"، لا مَن ينظرُ إليهم من أبراجٍ عاجية.
الخاتمة: ثمارُ المنهجِ النبويِّ على واقعِنا
إنَّ استراتيجيات النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه الشباب لم تكن مجرد "تعديلِ سلوك"، بل كانت "تغييرَ كيان". لقد استطاع أن يغرس فيهم ثلاثة أمور:
1. وضوح الرؤية: (لماذا أنا هنا؟).
2. تقدير الذات: (أنا لبنةٌ أساس في صرحِ الأمة).
3. العطاء اللا محدود: (العملُ حتى الرمقِ الأخير).
فإذا أرادتِ الأمةُ اليومَ بعثاً جديداً، فعليها أن تفتحَ جميع دور التربية و"الزوايا" و"النوادي" و"المنصات" وفقَ هذهِ القواعدِ النبوية.
المقالات

