الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عداوَة الشيطان ومكائِده

عداوَة الشيطان ومكائِده

عداوَة الشيطان ومكائِده

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

عداوة الشيطان لبني آدم ليست أمراً خفياً، ولا قضيةً تحتاج إلى برهان، بل هي حقيقة راسخة منذ أن خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام، يوم أنْ أبَى إبليس السجود له واستكبر وقال كما قال الله تعالى عنه: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ}(الأعراف:12)، فطُرد من رحمة الله، وأقسم أن يغوي بني آدم من كل طريق، وأن يزين لهم الباطل حتى يظنوه حقاً، ويغريهم بالمعاصي، {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}(ص:83:82)، ومنذ ذلك اليوم والشيطان يلاحق الإنسان في كل زمان ومكان، يوسوس له في خلوته، ويزين له في علانيته، ويغريه بالشهوات ويصرفه عن الطاعات، حتى صار كثير من الناس اليوم أسرى ومنقادين له، وهو لا يريد لهم إلا الخسران المبين.

وقد بيّن الله عز وجل لنا هذه العداوة في كتابه الكريم فقال سبحانه: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}(فاطر:6)، وقال جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}(البقرة:168)، وقال تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً}(الإسراء:53).

ومن شدة عداوة الشيطان لأبينا آدم ولبنيه من بعده أنه سأل الله التأخير إلى يوم القيامة ليتمكن من الكيد للناس جميعا على اختلاف ألوانهم وأصنافهم، وقد آتاه الله سؤاله هذا، وتوعده بأن جهنم مصيره ومصير من تبعه من الكافرين والعاصين، وقد قال الله تعالى عن ترصده وكيده لبني آدم جميعا: {قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}(الأعراف:18:14). فهذه الآيات الكريمة تكشف لنا حقيقة الشيطان، وتفضح أساليبه، وتبين أنه لا يترك باباً إلا طرقه، ولا طريقاً إلا سلكه لإضلال وإغواء الإنسان، يأتي من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ليصرفنا عن الصراط المستقيم ويوقعنا في المعاصي والذنوب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الشَّيطانَ يَجري مِنِ ابنِ آدَمَ مَجرى الدَّمِ) رواه البخاري.

فالحذر الحذر من مكائده وأساليبه، واليقظة اليقظة من وساوسه وخطواته، فإنها طريق الهلاك في الدنيا والآخرة.

أيها المؤمنون: إذا كانت هذه هي حقيقة عداوة الشيطان التي كشفها لنا القرآن الكريم وبيّنها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: كيف يتسلل الشيطان إلينا ليوقعنا في حبائله ومكائده؟

إن الشيطان لا يأتي الإنسان دفعةً واحدة، بل يبدأ بخطوات صغيرة، يزين له المعصية حتى يظنها أمراً يسيراً، ثم يقوده من خطوة إلى أخرى، حتى ينتقل به من الوقوع في الصغائر إلى الوقوع في الكبائر والمهالك، وقد قال الله تعالى محذراً: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}(البقرة:168)، فكل معصية تبدأ بخطوة، وكل انحراف يبدأ بزلّة، والشيطان لا يمل ولا يكل حتى يوقع الإنسان في شَرَكه، ولا يترك باباً إلا طرقه، ولا طريقاً إلا سلكه، ليوقع الإنسان في المعاصي ويصرفه عن طاعة الله.

ومِن أمثلة خطواته ومكائده: أنه يزين للناس الشهوات، فيغريهم بالحرام ويجعلهم يظنون أن اتباع الهوى حرية، بينما هو في الحقيقة أسرٌ وذلٌّ وضياع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِه، وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ) رواه مسلم.

فاتباع الشهوات مكيدة خطيرة من مكائد الشيطان ليُوصِل الإنسان إلى النار، وهو لا يقدّمها باسمها الحقيقي، بل يزينها للإنسان بأسماء براقة خادعة، فيسمي المعصية حريةً، ويسمي الخمر مشروباتٍ روحيةً، ويسمي التبرج تحرراً ومدنية، حتى يظن الإنسان أنه يعيش حياةً عصريةً راقية، بينما هو في الحقيقة يسير وراء سرابٍ زائل، وشهوةٍ عابرة، تجره إلى نارٍ مستعرة.

ومن خطوات الشيطان ومكائده: أنه يشغل الناس عن الصلاة التي هي عمود الدين، وأول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، قال تعالى: {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا}(مريم:59). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولُ ما يُحاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ الصَّلاةُ، فإنْ صَلَحَتْ صَلَحَ سائِرُ عملِه، وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ سائِرُ عملِه) رواه الطبراني، وقال صلى الله عليه وسلم: (منْ حافظَ عليْهَا كانَتْ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ، ومَنْ لمْ يحافظْ عليهَا لمْ يكنْ لَهُ نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وحُشِرَ يومَ القيامةِ معَ فرعَونَ وهامانَ وقارونَ وأُبَيِّ بنِ خلفٍ) رواه أحمد. فانظروا كيف أوقع الشيطان كثيراً من الناس في التكاسل والغفلة عن الصلاة حتى قطع صلتهم بربهم.

ومِن مكائد الشيطان: أنه يزرع الشحناء والبغضاء بين المسلمين، فيوقع بعضهم في الكلمة الجارحة، والظن السيئ، حتى تتقطع روابط الأخوة، ويضعف جسد المجتمع، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تَباغَضوا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَدابَروا، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانًا، ولا يَحِلُّ لمُسلِمٍ أن يَهجُرَ أخاه فوقَ ثَلاثةِ أيَّامٍ) رواه البخاري. وكم من خلاف يسير كبّره الشيطان حتى صار عداوةً مستحكمة، وكم من كلمة عابرة جعلها سبباً للقطيعة والخصومة بين ابن وأبيه، وزوج وزوجته، وصاحب وصاحبه.. والشيطان لا ييأس أبداً من التحريش والوقيعة بين المسلمين، كما أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم.

ومن خطوات الشيطان ومكائده أيضا: أنه يشغل الناس بالملهيات، فيضيعون أوقاتهم فيما لا ينفع، حتى تضعف صلتهم بالله، فتثقل عليهم الطاعة، ويزين لهم الكسل والغفلة، فيغفلون عن الدعاء والذِكر والقرآن، فيعيشون حياة مظلمة خاوية بلا روح ولا نور، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الذي يَذكُرُ رَبَّه والذي لا يَذكُرُ رَبَّه مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ) رواه البخاري، فذِكْر الله يحيي القلوب ويمنح النفس الطمأنينة، ويثقل ميزان العبد بالحسنات، وينجيه الله تعالى به من الهم والغم، بينما الشيطان لا يريد للإنسان إلا أن يعيش ميت القلب، بعيداً عن ربه، غارقاً في الغفلة والهم والغم.

هذه الأمثلة وغيرها تكشف لنا بوضوح كيف يتسلل الشيطان إلى حياتنا اليومية، خطوةً خطوة، حتى يبعدنا عن طاعة الله ويوقعنا في المعاصي والذنوب، ويغرقنا في الغفلة والهم والغم.. فالحذر الحذر يا عباد الله، واليقظة اليقظة من مكائده وأساليبه الخبيثة، فإنه لا يزال يتدرج بالإنسان من الصغائر إلى الكبائر، حتى يوقعه في الكفر والعياذ بالله، ثم يتبرأ منه، قال الله تعالى: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ}(الحشر:16-17). فليكن المؤمن على حذر دائم من الشيطان ووسائله وخطواته ومكائده.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:

إن ما ذكرناه من أمثلة لمكائد الشيطان وخطواته في تزيين الشهوات، وإضاعة الصلوات، ونشر الشحناء والعداوات، وإشغال الناس بالملهيات، ليس إلا نماذج يسيرة من حبائل ووسائل ومكائد كثيرة للشيطان لا تنتهي، فالشيطان لا يمل ولا يكل من طرق أبواب بني آدم، ولا يزال يتسلل إلى حياتهم من كل مدخل، ليبعدهم عن طاعة الله ويوقعهم في المعاصي والذنوب، ويغرقهم في الغفلة والهم والغم.

ومع ذلك، فإن كيده ضعيف أمام من اعتصم بالله واستعان به وتوكل عليه، قال تعالى: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}(النساء:76).

فالثبات الثبات يا عباد الله على طاعة الله وعبادته، والاعتصام الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والمحافظة على الصلاة التي هي عمود الدين، والإكثار من ذِكْرِ الله الذي يحيي القلوب ويطرد الشيطان، والتمسك بالقرآن الذي هو النور والهدى والفرقان.. فمن جعل هذه الثلاثة حصناً له: الصلاة والذِكْر والقرآن، فقد أقام لنفسه سوراً منيعاً لا يستطيع الشيطان أن ينفذ إليه، وكان في معية الله وحفظه، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ}(البقرة:152).

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة