الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ثبات الهوية الإسلامية وحكم الاحتفال بأعياد غير المسلمين

ثبات الهوية الإسلامية وحكم الاحتفال بأعياد غير المسلمين

ثبات الهوية الإسلامية وحكم الاحتفال بأعياد غير المسلمين

الخطبة الأولى

الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا، أحمده سبحانه وأشكره على ما هدانا إليه من الحق المبين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل للمؤمنين شخصيةً متميزةً وعقيدةً صافيةً ومنهجًا مستقيمًا، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، بعثه الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

معاشر المؤمنين: عليكم بلزوم التقوى في كل وقت وحين، فهي سبيل النجاة في الدارين، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]

أما بعد: عباد الله: إن من أعظم نعم الله على هذه الأمة أن أكمل لها الدين، فلم يترك فيها نقصًا يحتاج إلى زيادة، ولا خللًا يحتاج إلى إصلاح، قال سبحانه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

وإن من مقتضيات هذا الكمال أن يكون للمسلمين أعيادهم وشعائرهم التي يتميزون بها عن غيرهم، فالأعياد ليست مجرد عاداتٍ وأيامٍ عابرة، بل هي من جملة الشعائر الظاهرة التي تعبر عن المعتقدات والانتماءات والهويات؛ ولذلك لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد لأهلها يومين يلعبون فيهما، فقال: (إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر) رواه أبو داود.

فدل هذا الحديث العظيم على أن للمسلمين عيدين لا ثالث لهما من الأعياد الشرعية المتكررة، وأن ما سواهما من الأعياد المحدثة أو الدينية الخاصة بالكفار لا يجوز للمسلم أن يشارك فيها أو يعظمها أو يقرها؛ لأن في ذلك تشبهًا بأهل الملل الأخرى، وموافقةً لهم في شعائرهم الخاصة؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود. قال أهل العلم: هذا الحديث أصلٌ عظيم في النهي عن التشبه بالكفار في خصائصهم وشعائرهم وعاداتهم التي يتميزون بها.

أيها المؤمنون: كثير من المسلمين اليوم تساهلوا في هذا الباب بسبب ضعف العلم، وغلبة التقليد والانبهار بالحضارات الأخرى، حتى صار بعض الناس يشارك في أعياد الكفار مشاركةً ظاهرة؛ فتراه يحتفي بها، ويهنئ فيها، وربما حضر طقوسها واحتفالاتها، وكل هذا منكرٌ عظيم ينافي كمال الإيمان والاعتزاز بهذا الدين. وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} [الفرقان: 72]، قال جماعة من السلف: الزور أعياد المشركين.

وقد كان سلف الأمة شديدين في هذا الباب؛ حمايةً لعقيدة المسلمين وصيانةً لهويتهم، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اجتنبوا أعداء الله في عيدهم". وكان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يقول: "من بنى ببلاد الأعاجم، وصنع نيروزهم ومهرجانهم، وتشبه بهم حتى يموت، حشر معهم يوم القيامة"؛ وذلك لأن المشاركة الظاهرة في أعيادهم توجب نوع مودةٍ وتعظيمٍ لشعائرهم، والله تعالى يقول: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].

عباد الله: وليس معنى هذا ظلم غير المسلمين أو الاعتداء عليهم أو بخس حقوقهم، فالإسلام دين العدل والرحمة، وقد أمرنا الله بالإحسان إلى غير المحاربين فقال سبحانه: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]. فنحن مأمورون بالعدل والإحسان وحسن الخلق، لكن دون ذوبانٍ وإخلال بالهوية.

ولذلك فرّق العلماء بين البر والإحسان المشروع، وبين المشاركة الدينية المحرمة، فالمسلم يجوز له أن يعامل غير المسلم بالحسنى، وأن يرد عليه الحقوق، وأن يحسن الجوار، وأن يدعوه إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، لكن لا يجوز له أن يشارك في أعيادهم الدينية أو يقرها أو يهنئ بها على وجه التعظيم والرضا. قال ابن القيم عن تهنئة الكفار بأعيادهم: "أما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به فحرام بالاتفاق".

أيها المسلمون: إن من أعظم أسباب الوقوع في التشبه بالكفار ضعف الاعتزاز بالإسلام، فإن المسلم إذا عرف عظمة دينه وكمال شريعته استغنى بها عن تقليد غيره، أما إذا ضعف اليقين في قلبه هان عليه أن يقلد الأمم الأخرى في لباسها وأخلاقها وشعائرها ومناسباتها. عن أبي سعيد الخدري، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) متفق عليه.

وهذا الحديث من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، فقد وقع ما أخبر به من تقليد كثيرٍ من المسلمين للأمم الأخرى في أمورٍ كثيرة، حتى في الأعياد التي هي من أخص شعائر الدين. ومن تأمل حال بعض المجتمعات وجد مظاهر مؤلمة من الاحتفال بأعياد الكفار؛ كتبادل التهاني، وشراء الهدايا الخاصة بالمناسبة، وتعليق الرموز والشعارات، بل وربما تعظيم تلك الأيام في المدارس والأسواق ووسائل الإعلام.

عباد الله: إن المسلم ينبغي أن يكون معتزًا بهويته، رافع الرأس بدينه، يعلم أن الخير كل الخير في اتباع كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وإن من محاسن هذا الدين أن جعل للمسلمين من الأعياد والمناسبات ما يحقق الفرح المشروع والسرور المباح؛ فعيد الفطر يأتي بعد عبادة الصيام، وعيد الأضحى يأتي بعد أعظم شعائر الحج، وفيهما من التكبير والذكر وصلة الأرحام وإدخال السرور ما يغني المسلم عن تقليد غيره.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه) رواه أحمد، وكيف يذلها وقد أعزه الله بالإسلام؟! وكيف يطلب الكمال في غير هذا الدين وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85].

ومن الخطأ العظيم أن يظن بعض الناس أن ترك المشاركة في أعياد الكفار نوعٌ من التشدد أو سوء التعامل، بل هو التزامٌ بأحكام الشرع وحفاظٌ على العقيدة والهوية. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقًا مع غير المسلمين، ومع ذلك لم يكن يشاركهم أعيادهم ولا يقر شعائرهم، بل كان يخالفهم في كثيرٍ من الأمور ليتميز المسلمون بعقيدتهم وهويتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: (خالفوا المشركين) متفق عليه.

ومن صور المشاركة المحرمة: حضور احتفالاتهم الدينية، أو إعانتهم على باطلهم، أو بيع ما يستعمل فيها من شعاراتٍ خاصة على وجه التعظيم لها، أو نشر عبارات التهنئة بها عبر وسائل التواصل؛ لأن كل ذلك داخل في الإعانة على الباطل وإظهار الرضا بشعائرهم.

أيها المسلمون: وإن من الواجب العظيم على الآباء والأمهات والمربين أن يربوا أبناءهم على الاعتزاز بالإسلام، وأن يبينوا لهم خطورة التقليد الأعمى، وأن يشرحوا لهم أن المسلم له شخصيته المستقلة التي لا تذوب في غيرها. وكم من ناشئةٍ تربت على تعظيم هذه المناسبات الأجنبية بسبب غفلة الوالدين أو تساهلهما، حتى صارت عندهم أعظم من أعياد المسلمين.

وقد أحسن القائل:
إذا ما اعتزَّ ذو الإسلام دينًا *** فكلُّ الأرضِ تسجدُ للهمامِ
ولا تغترَّ بالكفارِ يومًا *** فدينُ اللهِ أعلى في المقامِ

معاشر المؤمنون: إن مما يجب التنبيه عليه أن قضية أعياد الكفار ليست مسألة شكلية أو فرعية محضة، بل لها تعلقٌ بأصل الولاء والبراء الذي هو من أوثق عرى الإيمان. فالمؤمن يحب ما يحبه الله، ويبغض ما يبغضه الله، ويعتز بدينه وشريعته، ولا يرضى بالكفر ولا بشعائره، قال تعالى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ} [الزمر: 7].

وقد بيّن العلماء أن الأعياد من أظهر شعائر الأمم، ولذلك كان التشبه فيها أعظم من غيره. فقالوا: "الموافقة في أعيادهم توجب سرور القلوب بما هم عليه من الباطل"؛ ولهذا كان السلف يحذرون من مجرد حضور أماكن احتفالاتهم، فضلاً عن المشاركة الفعلية فيها.

أيها المسلمون: إن الأمة اليوم بحاجةٍ إلى الثبات على الدين في زمن كثرت فيه الفتن، وانفتحت فيه وسائل الإعلام والتواصل على العالم كله، فدخلت كثير من العادات والمظاهر إلى بيوت المسلمين دون تمييز. وإن الواجب على المسلم أن يعرض كل ما يراه ويسمعه على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما وافقهما قبله، وما خالفهما تركه وإن فعله الناس أجمعون.

فاتقوا الله عباد الله: وتمسكوا بدينكم، واعتزوا بإسلامكم، واحذروا التقليد الأعمى، واعلموا أن العزة كل العزة في اتباع الوحي، وأن الذلة كل الذلة في مخالفة أمر الله ورسوله.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واعلموا أن من أعظم ما يحفظ على الأمة دينها وهويتها تمسكها بعقيدتها وشعائرها واعتزازها بمنهج ربها.

أيها المسلمون: لقد سمعتم أن الأعياد من خصائص الأديان والشعائر، وأن الله أغنانا بعيدَي الفطر والأضحى، فلا يجوز للمسلم أن يشارك غير المسلمين في أعيادهم الدينية أو يعظمها أو يهنئ بها على وجه الإقرار والرضا، مع وجوب العدل والإحسان وحسن الخلق مع الجميع.

وإن الواجب على المسلم أن يكون قدوةً في الثبات على الحق، وأن يربي أهله وأولاده على الاعتزاز بالإسلام، وألا ينساق خلف العادات الدخيلة والتقاليد الوافدة دون بصيرة.

صلوا وسلموا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فقد أمركم الله بذلك فقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ‌صَلُّوا ‌عَلَيْهِ ‌وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة