نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان لا تُعد ولا تُحصى، كما قال تعالى في كتابه الكريم (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا)(سورة إبراهيم : 34)
نعم تفيض بالخيرات والبركات في كلِ لحظة من لحظات الحياة، نعمة الإيجاد والخلق، نعمة الهداية والإيمان، نعمة العقل والوعي، نعمة العافية والمعافاة، نعمة السكينة والأمان، نعمة الرزق والكفاية، نعمة الأهل والزوجة والولد وغيرها من النعم الظاهرة والخفية التي لايمكن لأحد من الخلق عدها ولا حصرها.
ومن توفيق الله للعبد أن يعرف كيف يتعامل مع نعم الله، فليس الشأن في كثرة ما عندك، وإنما في الطريقة التي تستعمل بها ما أُعطيت، وكيف تنظر إلى ما عندك من النعم.
ومن أخطر ما يصيب القلوب: الاعتياد على النعم حتى يفقد الإنسان الإحساس بها، يستيقظ معافى، آمنًا، يجد الماء والطعام والمسكن، ثم يعيش ساخطًا كأنه محروم من كل شيء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ، عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا" [الترمذي].
فمَن توَفَّر له الأمانُ والعافيةُ والرِّزقُ الذي يكفيه ولو كان في أعين الناس قليلا، لا يَحتاجُ إلى شيءٍ بعدَ ذلك، فكان كمَن ملَك الدُّنيا، وجمَعها، وعلى العبد أن يحَمْدَ اللهَ تعالى ويشكره على هذه النّعم.
أصول المنهج النبوي
يقوم المنهج النبوي في التعامل مع النعم على أصول عظيمة هي: شكرُها، وحفظُها، وعدمُ ازدرائها، وعدمُ الإسراف فيها.
فإذا فُقد الشكر تحولت النعمة إلى غفلة، وإذا فُقد الحفظ تحولت إلى إهدار، وإذا دخل الإسراف صارت سببًا للفساد والطغيان، وإذا ازدراها الإنسان عوقب بزوالها.
الاعتراف بالمنعم وشكره
الاعتراف بالمنعم وشكره هي أولى خطوات المنهج النبوي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يربطها دائماً بمصدرها الأول والأخير، وهو الله سبحانه وتعالى، يقول الله سبحانه "وما بكم من نعمة فمن الله" (سورة النحل:53)
فرؤية المنعم خلف النعمة تحمي الإنسان من الكبر والغرور، وتملأ قلبه بالسكينة والرضا، وقد كان صلى الله عليه وسلم يشكر النعمة مهما قلّت، يشرب اللبن فيحمد الله، ويأكل الطعام فيثني على الله، ويعلّم الأمة أن الشكر يحفظ النعم ويزيدها، ويقول صلى الله عليه وسلم : "إنَّ اللهَ لَيَرضى عَنِ العَبدِ أن يَأكُلَ الأَكلةَ فيَحمَدَه عليها، أو يَشرَبَ الشَّربةَ فيَحمَدَه عليها" [مسلم].
العبد الشكور يرى كل نعمة رسالةَ محبةٍ وامتحان من الله، فيقابلها بالحمد، ويستعملها باعتدال، ويخاف أن يسأله الله عنها يوم القيامة.
وبعض الناس لا يعرف قيمة النعمة إلا بعد زوالها، تراه يُهدر الطعام، ويُسرف في الماء، ويستهين بالمال، ويقتل الأوقات فيما لا ينفع، وكأن النعم أشياءُ دائمةٌ لا تزول، مع أن الله أخبر أن الإنسان مسؤولٌ عنها يوم القيامة: {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ} [التكاثر: 8].
احترام النعمة وإن قلّت
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم — وهو سيد الخلق — أحرصَ الناس على احترام النعمة وعدم ازدرائها، فكان إذا سقطت اللقمة أمر برفعها، وقال:"إذا سقطت لقمة أحدكم فليُمِطْ عنها الأذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان" [مسلم]، إنها تربيةٌ نبوية عجيبة على احترام النعمة مهما صغرت.
ولم يكن هذا الهدي النبوي مجرد توجيه اقتصادي، بل كان تربيةً للقلب على الشعور بقيمة عطاء الله، فالذي يزدري النعمة يوشك أن يُحرَمَها.ولهذا كان بعض السلف يقول: (قيّدوا نعم الله بالشكر)، وكانوا يرون أن من أعظم أسباب زوال النعم: التهاون بها، والإسراف في استعمالها، والتكبر بسببها، واستعمالها في غير طاعة الله.
خطورة الإسراف وإهدار النعم
قال الله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} [الأعراف: 31].فجمع سبحانه بين الإباحة والانضباط: استمتعوا بالنعم، لكن دون طغيانٍ أو عبث.
ومن تأمل الهدي النبوي وجد فيه عنايةً عظيمةً بمنع الإسراف حتى في الأمور التي يظن الناس أن الإسراف فيها هيّن، فكيف بما هو أعظم من ذلك من الأموال والموارد والأطعمة وسائر النعم؟
إن المشكلة في عصرنا ليست قلة النعم، بل سوء التعامل معها،أناس يموتون جوعًا، وأخرون يلقون أطنان الطعام في النفايات، وأناسٌ يتمنون جرعة ماء نظيفة، وآخرون يهدرون الماء بلا مبالاة.
ولهذا فإن الإسراف ليس مجرد خطأٍ سلوكي، بل خللٌ في فهم الإنسان لعلاقته بربه وبالنعم التي بين يديه.
إن نعم الله أمانة في أعناقنا، وهي اختبار لنا: هل سنحفظها؟ أم سنتجاهل قيمتها ونتعامل معها بإهمال؟
وفي كل لحظة نختار فيها أن نحترم هذه النعم، نقترب أكثر من الله، ونزداد تواضعا، وندرك أن الإحسان في الجوارِ مع نعمه هو من أعلى درجات الشكر.
لا إفراط ولا تفريط
تميز المنهج النبوي بالوسطية والاعتدال في التعامل مع طيبات الحياة. فلم يحرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه الطيبات تبتلاً، ولم ينغمس فيها ترفاً.
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يهمل النعم باسم الزهد، فالزهد الحقيقي ليس إضاعة النعم، وإنما عدم التعلق بها، ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب، ويلبس الحسن من الثياب إذا وجد، ويأمر بالنظافة والتجمّل المعتدل، وقال:"إن الله جميل يحب الجمال" [مسلم].
ورأى رجلًا ثائر الشعر فقال:"أما كان يجدُ هذا ما يُسكنُ به شعرَه؟". ورأى رجلًا آخرَ وعليه ثيابٌ وَسِخةٌ فقال: "أما كان هذا يجدُ ماءً يغسلُ به ثوبَه؟" [أبو داود].
ورأى رجلا غنيا في هيئة غير نظيفة وثياب بالية فقال له: "إذا آتاك اللهُ مالًا، فَلْيُرَ عليك" [رواه أحمد].
فالمؤمن ليس فوضويًا مهملًا، كما أنه ليس مترفًا متكبّرًا ،بل يتعامل مع نعم الله بأدب:يحفظها، ويشكرها، وينتفع بها، ولا يجعلها وسيلة للخيلاء والتفاخر.
الشكر العملي
ولم يكن الشكر في المنهج النبوي مجرد كلمات تُردد باللسان، بل كان سلوكاً تطبيقياً وحركة إيجابية في المجتمع، لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن شكر نعمة المال يكون بإنفاقه، وشكر نعمة الجاه يكون بنصرة المظلوم، وشكر نعمة العلم يكون بتعليمه.
عندما قام الليل حتى تفطرت قدماه، وسألته عائشة رضي الله عنها عن ذلك وقد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أجابها بعبارته الخالدة :"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟" [البخاري].
إن أعظم صور حفظ النعمة: أن تستعمل فيما يرضي الله، فالعين نعمة، فلا تُستعمل في الحرام، والمال نعمة، فلا يُبدّد في السفه، والوقت نعمة، فلا يُقتل في الغفلة، والصحة نعمة، فلا تُستهلك فيما يفسد الدين والبدن.
ومن أروع وصايا النبي صلى الله عليه وسلم لعدم ازدراء النعم قوله صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم". (متفق عليه)، وهذا التوجيه النبوي هو الترياق النفسي لعصرنا الحالي؛ حيث يُصاب الكثيرون بالإحباط المقيت نتيجة المقارنات المستمرة على منصات التواصل الاجتماعي.
فالذي لا يرى في الرغيف نعمة فلن يرى النعمة في المائدة الممتدة، والذي لا يرى في البيت البسيط نعمة فلن يرى النعمة في القصر المنيف، والذي لا يرى في قدميه نعمة فلن يرى النعمة في السيارة الفارهة، استشعار النعم مرتبط في نظرة المرء إلى قيمة ما يملك.
إن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في استعمال النعم يجعل الإنسان سيداً لماله ومتاعه، لا عبداً لهما؛ يستمتع بالطيبات شاكراً، ويواجه الفقد صابراً، متيقناً أن النعمة الحقيقية هي التي تُقرب صاحبها من ربه وتترك أثراً طيباً في خلقه.
فما أحوجنا اليوم، ونحن نغرق في نعم المادة، أن نفيء إلى ظلال هذا المنهج النبوي الحكيم لنعيد إلى حياتنا توازنها وطمأنينتها.
المقالات

