فرض الله الصلوات الخمس، وأوجبها واجبا عينيا على كل مكلف مسلم.. وهذه الصلوات من أوجب الواجبات وأوكد العبادات، لا يتركها أو يفرط فيها إلا مخذول (فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ)[الماعون:4ـ5].
وكل ما دون هذه الصلوات الخمس إنما هو داخل في باب النوافل "سواء كانت السنن الراتبة المشهورة، أو كان مما استحبه النبي لأمته ورغب فيه، أو كان من التطوع المحض الذي يتقرب به الإنسان إلى ربه لينال محبته". فإن النوافل هي باب المحبة الأعظم؛ كما جاء في الحديث القدسي: (مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه، وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سَألَني لَأُعطيَنَّه، ولَئِنِ استَعاذَني لَأُعيذَنَّه، وما تَرَدَّدتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُه تَرَدُّدي عن نَفسِ المُؤمِنِ؛ يَكرَهُ المَوتَ، وأنا أكرَهُ مَساءَتَه) [متفق عليه من حديث أبي هريرة].
صلاة الضحى نافلة
والنوافل التي رغب فيها النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة: يدخل فيها السنن الرواتب قبل الصلوات وبعدها، وصلاة الليل، وتحية المسجد، وغيرها... ومن ذلك صلاة الضحى التي تسمى بصلاة الأوابين.
مشروعيتها:
صلاة الضحى مستحبة باتفاق المذاهب الأربعة، وهي عند الشافعية سنة مؤكدة، وهي صلاة الإشراق عند جماهيرهم..
وأصل مشروعية هذه الصلاة هو ما رواه أحمد في المسند ومسلم في صحيحه عن أبي ذر قال صلى الله عليه وسلم: (يُصْبِحُ عَلَىَ كُلّ سُلاَمَىَ "أي مِفصل" مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ: فَكُلّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجَزِئُ، مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضّحَىَ).
وفي الحديث القدسي، يقول عز وجل: (ابنَ آدم! اركَع لي أربَعَ رَكعَاتٍ من أولِ النّهَارِ أكفِكَ آخِرَه). [رواه الترمذي، وصححه الألباني].
وقد أوصى النبي بعض أصحابه بهذه الصلاة، مما يدل على أنها مشروعة ومهمة، قال أبو هريرة رضي الله عنه: (أوصاني خَليلي بثَلاثٍ لا أدَعُهنَّ حتَّى أموتَ: صَومِ ثَلاثةِ أيَّامٍ مِن كُلِّ شَهرٍ، وصَلاةِ الضُّحى، ونَومٍ على وِترٍ)[رواه البخاري ومسلم].
وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي الضُّحى أربَعًا، ويَزيدُ ما شاءَ اللهُ)[رواه مسلم].
فضيلتها:
. يكفي في فضيلتها أن رسول الله نبه عليها ووصى بها بعض أصحابه.
. وهي من النوافل التي يحبها الله ويقرب فاعلها ويحفظه.
. وتقوم مقام الصدقة عن كل سلامى ومفصل في الإنسان، وهي ثلثمائة وستون مفصلا.
قال ابن دقيق العيد في شرح الأربعين النووية: "ويجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى" أي يكفي من هذه الصدقات عن هذه الأعضاء ركعتان، فإن الصلاة عمل لجميع أعضاء الجسد، فإذا صلى، فقد قام كل عضو بوظيفته، والله أعلم. اهـ.
. وهي غنيمة باردة، عمل صغير وفضل كبير؛ كما قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فغنموا وأسرعوا الرجعة، فتحدث الناس بقرب مغزاهم وكثرة غنيمتهم وسرعة رجعتهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أدلكم على ما هو أقرب منهم مغزى، وأكثر غنيمة، وأوشك رجعة؟ من توضأ ثم غدا إلى المسجد لسبحة الضحى فهو أقربُ مغزًى، وأكثرُ غنيمةً، وأوشك رجعة)[رواه الطبراني وصححه الألباني].
. وهي صلاة الأوابين كما قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال)[رواه مسلم]، وقال أيضا: (صلاة الضحى لا يحافظ عليها إلا أواب).
وقتها:
أول وقتها عند ارتفاع الشمس في السماء قدر رمح، وآخر وقتها عند استواء الشمس في كبد السماء عند الزوال وقبل الظهر بقليل.
وأما أفضل وقتها فعند اشتداد الحر، حين ترمض الفصال، كما قال صلى الله عليه وسلم: (صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال)[رواه مسلم]..
والفصال جمع فصيل وهو صغير الإبل، ورمضت الفصال: احترقت خفافها من حر الشمس، وحرارة الرمال والأرض.
وإنما وصف من حافظ عليها حين هذا الوقت، لأن الناس يبحثون عن الراحة، وعن السكون والظل، فإذا قام أحد يصلي في ذلك الوقت دل على رغبة ورهبة، ورجاء وطمع في ثواب الله ورضاه، وهذا فعل الأوابين.
عدد ركعاتها:
قال جماهير أهل العلم: أقلها ركعتان؛ وأكثرها ثمان، وأوسطها أربع أو ست.. قال النووي في شرح صحيح مسلم: "وحاصلها أن الضحى سنة مؤكدة، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وبينهما أربع، أو ست كلاهما أكمل من ركعتين، ودون ثمان". اهـ.
أما كون أقلها ركعتين فلحديث الباب (ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى).. واستدلوا كذلك بحديث أبي هريرة وأبي الدرداء في وصية النبي لهما: (وركعتا الضحى)، ولأنه أقل ما يتطوع به من النافلة فلا أقل من ركعتين إلا الوتر.
وأما كون أكثرها ثمان ركعات: فدليله حديث أم هانئ المتفق عليه في الصحيحين: (إنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم دَخَلَ بَيتَها يَومَ فتحِ مَكَّةَ، فاغتَسَلَ وصَلَّى ثَمانيَ رَكَعاتٍ، فلَم أرَ صَلاةً قَطُّ أخَفَّ مِنها، غيرَ أنَّه يُتِمُّ الرُّكوعَ والسُّجودَ). وقد قيدتها في رواية مسلم بأنها الضحى فقالت: (ثُمَّ صَلَّى ثَمانَ رَكَعاتٍ سُبحةَ الضُّحى).
قال ابن حجر في فتح الباري: "هذا أكثر ما ورد من فعله صلى الله عليه وسلم، والأصل في العبادة التوقف" [فتح الباري:3/54].
وقال آخرون: يجوز الزيادة عن ثمان، فلا حد لأكثرها، لحديث عائشة (كان رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يُصَلِّي الضُّحى أربَعًا، ويَزيدُ ما شاءَ اللهُ).. ولقول النبي لعمرو بن عبسة: (ثم بعد طلوعها صلِّ فإن الصلاةَ مشهودةٌ محضورةٌ حتى يستقلَّ الظلُّ بالرمحِ، ثم أقصِر عن الصلاةِ)[رواه مسلم وغيره].
المواظبة عليها:
لابد أن نؤكد أولا أن صلاة الضحى سنة وليست واجبة، فمن صلاها كل يوم حصل له خير كثير وأجر عظيم، ومن لم يصلها لا إثم عليه، كغيرها من السنن والمستحبات التي لا إثم في تركها.
وأدلة الشريعة تدل على أنها تستحب صلاتها كل يوم، لوصية النبي بها أبا هريرة وأبا الدراء، قال أبو هريرة: "أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ"، وجاء في روايةغير الصحيحين "أَمَرَنِي بِرَكْعَتَيِ الضُّحَى كُلَّ يَوْمٍ"، وروي بسند ضعيف "من حافظَ على شُفْعَةِ الضُّحى، غُفِرَتْ ذنوبُهُ وإنْ كانَتْ مثلَ زَبَدِ البحرِ" رواه الترمذي وابن ماجه.
وكذلك يدل على استحباب المداومة عليها أحاديث مثل : (أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل)، وكان عمل رسول الله ديمة، وكان إذا عمل عملا أثبته.
وحديث الباب نفسه يدل على المداومة والمواظبة؛ فقد جاء في عدد من رواياته (يُصْبِحُ على كلِّ سُلَامَى من أحدِكم في كلِّ يومٍ صدقةٌ).. فهذه الصدقة مطلب يومي، تقوم عنها صلاة الضحى.
وقال الشيخ ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح، في شرح هذا الحديث: "والحديث يدل على عظم فضل صلاة الضحى، وكبر موقعها، وتأكيد مشروعيتها، وأن ركعتيها تجزئان عن ثلثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك، فهو حقيق بالمواظبة، والمداومة" اهـ.
وختاما
فصلاة الضحى صلاة أجرها عظيم وثوابها كبير، وقد وصى النبي بها بعض الصحابة الكرام، وما كان كذلك فلا ينبغي تركه، وإن كان مستحبا غير واجب.. والله تعالى الموفق إلى كل هدى ورشاد.
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

