الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وصية نبوية للرقابة الذاتية في العالم الرقمي

وصية نبوية للرقابة الذاتية في العالم الرقمي

وصية نبوية للرقابة الذاتية في العالم الرقمي

لم تعد حياة الإنسان اليوم محصورة في الأماكن التي يتحرك فيها بجسده، فقد أصبح له حضور آخر في عالم رقمي واسع، يتواصل فيه ويشارك: يكتب، ويقرأ، وينشر، ويعلّق، ويعبّر عن آرائه ومواقفه، ويشاهد وينظر. وفي هذا الفضاء المفتوح قد يشعر الإنسان أحيانًا أنه بعيد عن أعين الناس، ورقابة الآخرين.

وفي الوقت الذي وفرت فيه هذه الشبكات فرصًا هائلة للتواصل والتعلم والابتكار، أوجدت في المقابل مساحات ضخمة من الخلوات الافتراضية التي يسهل فيها التخفي خلف أسماء مستعارة، وحسابات وهمية، وجدران الغرف المغلقة.

في هذا الفضاء المفتوح الذي تتلاشى فيه القيود الاجتماعية والرقابة البشرية، يجد الشباب والأجيال الصاعدة أنفسهم في اختبار حقيقي للدوافع والأخلاق. وأن ما يكتبه أو يشاهده لا يراه أحد، فيضعف عنده الشعور بالمسؤولية، وتغيب عنه بعض الضوابط التي يلتزم بها حين يكون بين الناس.

وهنا تبرز الحاجة الماسة إلى حاجز وصمام أمان لا يتبدل بتبدل المكان، ولا يغيب بغياب الناس؛ إنه صمام الرقابة الذاتية والتقوى الداخلية التي تتجلى في وصية من أجمع وصايا المصطفى صلى الله عليه وسلم، الوصية التي تأسس للمسلم حسًّا رقابياً وإيمانيًا يرافقه في العالم الواقعي والرقمي على حد سواء.

هنا تتجلى عظمة التوجيه النبوي في الوصية الجامعة: (اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) رواه الترمذي، عن أبي ذر رضي الله عنه.

"اتق الله حيثما كنت" قاعدة تتجاوز المكان

تبدأ الوصية النبوية بكلمات قليلة عظيمة المعنى: «اتق الله حيثما كنت»؛ فكلمة (حيثما) ظرف مكان يفيد العموم والشمول؛ أي في أي زمان أو مكان، سواء كنت في الملأ بين الناس تُشاهد وتُسمع، أو كنت في خلوتك المنفردة خلف الشاشات المغلقة. فهي لغويًا وتربويًا تنفي تقييد التقوى ببيئة دون بيئة، أو زمن دون آخر.

فالمسلم لا يتغير حكم الحلال والحرام عند انتقاله من مكان إلى آخر، ولا تختلف مسؤوليته الأخلاقية باختلاف وجود الناس من حوله. وما كان ممنوعًا في الواقع لا يصبح مباحًا في العالم الرقمي، وما كان من حسن الخلق في التعامل المباشر يبقى من حسن الخلق في التعامل الإلكتروني. قال تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الحديد: 4].

وهذه الحقيقة الإيمانية هي الأساس الذي تقوم عليه الرقابة الذاتية؛ فالمؤمن يعلم أن الله يراه في خلوته وجلوته، ويعلم ما يظهره وما يخفيه، وما يكتبه وما يحذفه، وما يقوله علنًا وما يتناقله سرًا، وما يراه ويشاهده.

ولهذا فإن التقوى في الفضاء الرقمي تعني أن يظل الضمير الإيماني حياً وحاضرًا عند استخدام الهاتف، وفتح التطبيقات، وتصفح المواقع، والتفاعل مع الآخرين؛ فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق النشر ليس فقط: «هل يستطيع الناس رؤيته؟»، بل: هل يرضى الله عن نشره؟
وهذا الانتقال من مراقبة الناس إلى مراقبة الله هو جوهر الرقابة الذاتية.

الرقابة الذاتية أقوى من الرقابة الخارجية

قد يستطيع المجتمع أن يضع القوانين والأنظمة التي تنظم استخدام التقنية، وقد تضع المؤسسات ضوابط وسياسات للاستخدام، لكن هذه الوسائل -مهما بلغت أهميتها- لا تستطيع أن تراقب الإنسان في كل لحظة.

أما التقوى فإنها تصنع رقابة داخلية ترافق الإنسان حتى عندما لا يراه أحد. قال تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]. فالمؤمن الذي يستحضر علم الله لا يحتاج في كل موقف إلى من يراقبه؛ لأنه يحمل في داخله وازعًا يمنعه من تجاوز الحدود، وهذا من أعظم ما تحتاج إليه الأجيال في عصر التقنية؛ فالتحدي الحقيقي ليس في امتلاك الأدوات الرقمية، وإنما في امتلاك القدرة على استخدامها بمسؤولية.

وقد يستطيع الإنسان إغلاق هاتفه، لكنه لا يستطيع أن يغلق علم الله عنه. وقد يستطيع حذف منشور، لكنه لا يستطيع أن يحذف أثره من علم الله. وقد يستطيع إخفاء حسابه عن الناس، لكنه لا يستطيع أن يختفي عن ربه؛ ومن هنا فإن بناء الرقابة الذاتية أهم من مجرد تعليم الإنسان كيفية استخدام التقنية؛ لأن المهارة التقنية تعلّمه كيف يستخدم الأداة، أما التقوى فتعلمه متى يستخدمها، وكيف يستخدمها، ومتى يمتنع عنها.

الدخول في العالم الرقمي مسؤولية

ييسر العالم الرقمي سهولة التخفي؛ فيُوهِم الحساب المستعار صاحبه بأنه في مأمن من الملاحقة البشرية؛ مما يجرئ النفوس الضعيفة على التلفظ بالسوء، أو القذف، أو التجسس.

كما أن سرعة الوصول وغزارة المحتوى "بنقرة زر واحدة" يستطيع المرء الوصول إلى الفواحش المرئية، أو الأفكار الإلحادية والتطرفية، دون حاجة إلى الذهاب لأماكن المشبوهين في الواقع.

وكذلك فإن غياب السلطة الأبوية والمجتمعية حيث لا يستطيع الوالدان أو المؤسسات التربوية مراقبة كل ضغطة زر، أو كل محادثة جانبية يجريها الشاب عبر هاتفه؛ مما يجعل الضمير الإيماني الداخلي هو الخط الدفاعي الوحيد.

ومن أكثر مظاهر الحياة الرقمية انتشارًا الكتابة والتعليق والمشاركة، وقد أصبح الإنسان قادرًا على نشر كلمة واحدة تصل في دقائق إلى أعداد كبيرة من الناس؛ وهذا يجعل مسؤولية الكلمة أعظم. قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

والآية وإن كانت تتحدث عن القول، فإن معناها يربي المسلم على استحضار المسؤولية عن كل ما يصدر عنه من كلام، أو مشاهدة، أو فكر. وفي البيئة الرقمية قد تتحول الكلمة المكتوبة إلى أثر واسع، وقد تنتقل من شخص إلى آخر، وتبقى متداولة مدة طويلة.

ولهذا ينبغي أن يكون المسلم متثبتًا قبل أن يكتب، متأنيًا قبل أن يشارك، متحفظًا قبل أن يحكم على الآخرين. وقد قال النبي ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وإذا كان هذا التوجيه متعلقًا بالكلام، فإن تطبيقه في العالم الرقمي أولى من جهة اتساع دائرة الانتشار وسرعة انتقال المحتوى. فليس كل ما يعرفه الإنسان صالحًا للنشر، وليس كل ما يراه يستحق المشاركة، وليس كل خطأ يستحق التعليق، وليس كل خلاف يستحق الدخول فيه.

تطبيق الوصية في الفضاء الرقمِي مظاهر وأحكام

إن تطبيق وصية النبي صلى الله عليه وسلم «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ» في العالم الرقمي يتجلى في مجالات متعددة:

1. تقوى الله في البصر والسمع
الإنترنت ساحة مليئة بالمغريات البصرية؛ والتقوى تقتضي غض البصر عن المحرمات، قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فَزِنَا العَيْنَيْنِ النَّظَرُ) متفق عليه. فالنظر إلى المواد الإباحية والمخلة عبر الشاشة هو خطوة من خطوات الشيطان التي تحرم القلب حلاوة الإيمان.

2. تقوى الله في اللسان والقلم (الكتابة الرقمية)
الكتابة على منصات التواصل، والتعليقات، والتغريدات، تنزل منزلة الكلام؛ بل هي أشد خطرًا لأنها مسجلة، ومتعدية النفع أو الضر. قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].
فالتقوى تمنع المسلم من: الشتيمة، والسب، والغيبة الرقمية، وتداول الإشاعات، أو السخرية من الآخرين خلف الأسماء المستعارة.

3. تقوى الله في حفظ الأمانة والأعراض
التجسس على أجهزة الآخرين، أو اختراق حساباتهم، أو تسريب صورهم وأسرارهم، أو ابتزازهم، هي من الكبائر التي تنافي التقوى. قال تعالى: {وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا} [الحجرات: 12].

التثبت قبل النشر من التقوى

من أخطر التحديات الرقمية انتشار الأخبار والمعلومات بسرعة كبيرة، وقد يشارك الإنسان خبرًا قبل أن يتأكد من صحته، ثم ينتشر الخبر ويتعذر إيقافه. وقد وضع القرآن أصلًا عظيمًا في التعامل مع الأخبار، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6].
فالتثبت سلوك إيماني أصيل؛ فكم من خبر غير صحيح أضر بإنسان، وكم من إشاعة فرقت بين أسرة، وكم من معلومة مبتورة أساءت إلى شخص أو مؤسسة، ثم اكتشف ناشرها بعد ذلك أنه كان مخطئًا.

ولهذا فإن التقوى الرقمية تقتضي أن يسأل المسلم نفسه قبل إعادة النشر:
هل هذا الخبر صحيح؟
هل مصدره موثوق؟
هل نشره يحقق مصلحة؟
هل يمكن أن يسبب ضررًا؟
وهل أقبل أن أكون سببًا في انتشار معلومة غير صحيحة؟
إن هذه الأسئلة تمثل صورة عملية من صور قوله ﷺ: «اتق الله حيثما كنت».

حفظ الخصوصية من الأخلاق الإسلامية

من صور حسن التعامل في العالم الرقمي احترام خصوصية الآخرين، وعدم نشر صورهم أو معلوماتهم أو محادثاتهم دون إذن، وعدم تحويل الأسرار الخاصة إلى مادة للتداول. قال الله تعالى: {وَلَا تَجَسَّسُوا} [الحجرات: 12].
فالفضاء الرقمي لا يلغي حرمة الخصوصية، ولا يجعل ما يقع في المحادثات الخاصة مباحًا للنشر، ولا يحول أسرار الناس إلى ملك مشاع.

وقد يتساهل الإنسان في تصوير مجلس، أو نقل محادثة، أو نشر صورة، ثم يكتشف أن ما فعله سبب أذى لشخص آخر. والتقوى هنا أن يتوقف الإنسان عند حدود الله، وأن يعلم أن الثقة أمانة، وأن خصوصية الآخرين حق ينبغي احترامه. فليس كل ما وصل إلى الإنسان يجوز له أن ينشره، وليس كل ما استطاع الوصول إليه يحق له أن يتداوله.

التنمر والسخرية في الفضاء الرقمي

من أخطر الظواهر الاجتماعية التي يمكن أن تتخذ من العالم الرقمي مجالًا لها "السخرية من الآخرين والتنمر عليهم"، سواء بسبب الشكل، أو اللهجة، أو المستوى الاجتماعي، أو الأخطاء، أو الآراء.
وقد حسم القرآن هذا الباب بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11].

فالإنسان الذي يسخر من غيره خلف شاشة قد ينسى أن أمامه إنسانًا له مشاعر وكرامة، وقد تكون الكلمة التي كتبها بالنسبة إليه مزحة، لكنها بالنسبة إلى غيره جرح عميق؛ ومن هنا تظهر أهمية استحضار الوصية النبوية: (وخالق الناس بخلق حسن).

فحسن الخلق لا يتوقف عند اللقاء المباشر، وإنما يشمل الرسائل، والتعليقات، والمشاركات، والنقاشات، والردود. والإنسان الذي يتعامل بأخلاق الإسلام مع من يختلف معه في الرأي، ولا يسخر منه، ولا يشتمه، ولا يحقره، قدّم صورة عملية عن أخلاق المسلم في الفضاء الرقمي.

الخلاف الرقمي واختبار الأخلاق

كثيرًا ما تكشف النقاشات في الفضاء الرقمي أخلاق الإنسان أكثر مما تكشف معلوماته؛ فقد يكون الإنسان واسع العلم، لكنه يسيء إلى الآخرين عندما يختلف معهم.

والسنة النبوية تربط قوة الإنسان بقدرته على ضبط نفسه، فقال ﷺ: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) متفق عليه، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وهذا المعنى شديد الأهمية؛ لأن الإنسان قد يكتب أثناء الغضب ما لا يستطيع التراجع عنه بسهولة؛ وقد يكون الخلاف في مسألة فكرية أو اجتماعية أو شخصية، لكن حسن الخلق يظل واجبًا. ومن الرقابة الذاتية أن يتوقف الإنسان قبل إرسال الرد الغاضب، وأن يراجع عباراته، وأن يقف مع نفسه، فالشاشة لا ينبغي أن تمنح الإنسان جرأة على إساءة لا يملكها في الواقع.

الوقت أمانة في العالم الرقمي

من جوانب الرقابة الذاتية أيضًا مراقبة الوقت؛ فالفضاء الرقمي قادر على استهلاك ساعات طويلة دون أن يشعر الإنسان. قال الله تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 1، 2]. والتقوى لا تعني فقط ترك المحرمات، وإنما تعني أن يحرص المسلم على عمره فيما ينفعه.

فالسؤال ليس فقط: «هل ما أفعله محرم؟»، وإنما أيضًا: هل ما أفعله نافع؟ وهل يستحق من عمري هذا الوقت؟ فقد لا يكون المحتوى الذي يتابعه الإنسان محرمًا في ذاته، لكنه قد يتحول إلى استنزاف للوقت إذا أخذ من واجباته، أو دراسته، أو عمله، أو نومه، أو علاقاته الأسرية.

ومن هنا تصبح الرقابة الذاتية وسيلة لتحقيق التوازن؛ فيعرف الإنسان متى يستخدم التقنية، ومتى يغلقها، ومتى يقدم واجباته على ترفيهه.

ثمرات الرقابة الذاتية في الدنيا والآخرة

حين يتربى المسلم على الرقابة الذاتية ويتذكر دوماً أن الله تعالى مطلع عليه في خلواته الرقمية، يجني ثمرات جليلة هي:

النجاة من خزي الدنيا والآخرة: الخلوة المعصومة تمنح المرء ثباتًا ونورًا في وجهه وقلبه. عن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا)، قال ثوبان: يا رسول الله صِفْهُمْ لنا، جَلِّهِمْ لنا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ ونَحْنُ لا نَعْلَمُ، قال: (أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا) رواه ابن ماجه.

الطمأنينة والأمن النفسي: السلوك القائم على التقوى يحرر الإنسان من قلق الخوف من الفضيحة أو الملاحقة القانونية.

الحفظ من الشبهات والشهوات: الرقابة الذاتية تعمل كحاجز نفسي يرفض الشبهات الفكرية والشهوات السلوكية قبل أن تستقر في الفؤاد.

من الرقابة الذاتية إلى المسؤولية الرقمية

لا ينبغي أن تكون الرقابة الذاتية وسيلة للانغلاق عن العالم، بل وسيلة لاستخدامه بصورة أفضل؛ فالتقنية يمكن أن تكون وسيلة للتعلم، ونشر الخير، والتواصل مع الأقارب، وخدمة المجتمع، ونشر المعرفة النافعة. وقد قال النبي ﷺ: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) رواه مسلم، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه.

وهذا يفتح أمام المسلم بابًا واسعًا من المسؤولية الإيجابية؛ فكما يستطيع الإنسان أن ينشر الإساءة، يستطيع أن ينشر الخير، وكما يمكن أن يكون سببًا في نشر الشائعة، يمكن أن يكون سببًا في نشر المعرفة الصحيحة، وكما يمكن أن يستخدم المنصة للإيذاء، يمكن أن يستخدمها للمواساة والتعليم والإصلاح.
ومن هنا فإن السؤال ليس: كيف نبتعد عن العالم الرقمي؟ وإنما: كيف نحضر فيه بأخلاق الإسلام؟

إن هذه الوصية النبوية من أعظم القواعد التي يحتاج إليها المسلم في عصر الفضاء الرقمي؛ لأنها تنقل الرقابة من الخارج إلى الداخل، ومن أعين الناس إلى مراقبة رب الناس، فإذا استقرت التقوى في القلب، أصبح المسلم أكثر وعيًا بكلماته، وأكثر تثبتًا في أخباره، وأكثر احترامًا لخصوصيات الآخرين، وأبعد عن السخرية والتنمر، وأقدر على ضبط غضبه، وأحرص على وقته، وأحسن استخدامًا للتقنية؛ ولذلك فإن بناء جيل واعٍ رقميًا لا يكون بتزويده بالمهارات التقنية وحدها، بل ببناء الضمير الرقمي المسلم؛ ضمير يعلم أن الله يراه في كل لحظة، وأن الأخلاق لا تتغير بتغير المكان، وأن الإنسان مسؤول عن اختياراته حتى عندما يكون خلف شاشة.

فلتكن هذه الوصية شعار المسلم في هاتفه، وحسابه، ومراسلاته، ومنشوراته، وتعليقاته، وتصفحه، فبها يتحول الفضاء الرقمي من مجال مفتوح للمخاطر إلى مجال واسع لنشر الخير، وبناء الوعي، وخدمة المجتمع، وتعزيز القيم والهوية.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة