الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

وسائل التواصل: بين المهنة والعبادة

وسائل التواصل: بين المهنة والعبادة

وسائل التواصل: بين المهنة والعبادة

تُخاض معارك الأمم في كل العصور بأنواع مختلفة من الأسلحة: فمرةً بالسيف، ومرةً بالاقتصاد، ومرةً بالسياسة، غير أن عصرنا دخلت فيه معادلة جديدة، وهي سلاح الإعلام، والوسائط الاجتماعية، لقد أصبحت وسائل الإعلام - بمختلف فروعها – ساحاتٍ تتشكل فيها العقول، وتُبنى فيها القناعات، وتُصاغ من خلالها صورة الإنسان عن نفسه، وعن تاريخه، وعن العالم من حوله.
ومن هنا لم يعد الإعلام، ورديفاته من وسائل التواصل، ومنصات الاتصال، مجرد وسائل لنقل الخبر، أو صناعة الترفيه، بل تحولت إلى قوة حية قادرة على أن ترفع أمة، أو تضعها، وأن تحرس هويتها، أو تذيبها في هويات الآخرين.

ولعل أخطر ما يميز هذا العصر أن كثيراً من الصراعات الكبرى لم تعد تُدار في ميادين القتال وحدها، بل في فضاءات، وشاشات، ومنصات، ومراكز الإعلام، والإنتاج الثقافي.
وقد أصبح من المؤكد أن هناك من يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الشعوب، وإعادة كتابة التاريخ، وتغيير منظومة القيم، عبر رسائل متدفقة لا تنقطع؛ ولذلك فإن معركة الحفاظ على الهوية، ليست معركة سياسية، أو عسكرية فحسب، بل هي قبل ذلك معركة وعي، ومعركة كلمة، ومعركة معنى.
ومن هنا تبرز فكرة تستحق التأمل، وهي أن الإعلام لا ينهض برسالته الحقيقية إلا حين يتحول في وجدان أصحابه، إلى عبادة يتقرب بها الإنسان إلى الله تعالى، وإلى رسالة أخلاقية، وإلى التزام حضاري، فالمشكلة ليست في وجود الكاميرا، أو المنصة، أو الشاشة، وإنما في الروح التي تديرها، والغاية التي تراد منها.

عندما يفقد الإعلام هذا المعنى يتحول إلى سوق صاخب، تُباع فيه الكلمات كما تُباع السلع، ويصبح الظهور غايةً بعد أن كان وسيلة، وتتحول الشهرة إلى معيار نجاح، ولو كانت على حساب الحقيقة؛ عندئذٍ ينشغل بعض العاملين في الحقل الإعلامي بعدد المتابعين، أكثر من انشغالهم بتحقيق الأهداف السامية لأمتهم، ويصبح السؤال: كيف نلفت الأنظار؟ بدلاً من السؤال الأهم: ماذا نغرس في العقول والقلوب؟.

أما حين يستعيد الإعلام معناه الأخلاقي، فإنه يصبح شبيهاً بكل عمل صالح يتقرب به الإنسان إلى ربه، يصبح الكاتب مسؤولاً عن كلمته، كما يُسأل العالم عن علمه، ويصبح المنتج مسؤولاً عن أثر ما يقدمه في وجدان الناس، ويصبح المذيع، والمخرج، والمحرر، شركاء في صناعة الوعي، لا مجرد صناع محتوى عابر. وهنا تتحول المهنة إلى أمانة، ويتحول النجاح إلى مسؤولية.
إن الأمم التي صنعت حضورها الحضاري، لم تكتف ببناء الجيوش، أو تشييد المدن، بل اهتمت ببناء الرواية التي ترويها عن نفسها، فالتاريخ الذي لا يُروى يضيع، والقيم التي لا تجد من يعبر عنها تذبل، والهوية التي لا تجد من يدافع عنها تضعف أمام سيل الرسائل الوافدة؛ ولذلك كان الإعلام في جوهره عملاً من أعمال الحراسة الحضارية؛ حراسة الذاكرة من النسيان، وحراسة القيم من التشويه، وحراسة الأجيال من التيه.

وليس المقصود أن تتحول هذه الوسائل، إلى خطاب دفاعي دائم، يعيش في حالة استنفار مستمرة، أو يكتفي بردود الأفعال على ما ينتجه الآخرون، فالأمم الحية لا تُعرّف نفسها من خلال خصومها، وإنما من خلال رسالتها الخاصة، والإعلام الناجح لا يقضي عمره في التعليق على ما يفعله الآخرون، بل الذي يمتلك القدرة على إنتاج المعرفة، وصناعة النماذج الملهمة، وتقديم الرؤية التي تخاطب الفطرة الإنسانية، بلغة واثقة، ومبدعة.
أصحاب الأهداف الكبرى يدركون أن الكلمة الصادقة لا تُقاس بحجم العائد المادي، ولا بعدد التصفيقات، إنهم يعملون لأنهم يسعون لنشر الفضيلة، ويواصلون الطريق لأنهم يرون في جهدهم معنى يتجاوز حدود المصلحة الشخصية.

أعظم ما تحتاجه المؤسسات الإعلامية الهادفة اليوم هو بناء الإنسان، قبل بناء المنصة، فالتقنيات يمكن شراؤها، والاستوديوهات يمكن إنشاؤها، والمنصات يمكن إطلاقها في أيام معدودة، أما الإنسان الذي يحمل هم مجتمعه، ويؤمن بقيمته، ودوره فلا يمكن أن يُصنع بهذه السرعة، إنه ثمرة تربية طويلة على الصدق، والإخلاص، والوعي، والمسؤولية.
كما أن العمل الإعلامي لا ينبغي أن يُختزل في منصة واحدة، أو وسيلة بعينها، فالشاشة، والكتاب، والصحيفة، والمنصة الرقمية، والبودكاست، ووسائل التواصل الاجتماعي، كلها أدوات في ميدان واحد، يكمل بعضها بعضاً، ومن الخطأ أن ننشغل بالمفاضلة بين الوسائل، أكثر من انشغالنا بجودة المنتج، الذي تحمله تلك الوسائل. فالعبرة في النهاية ليست بالشكل، وإنما بما يصل للمتلقي من معانٍ، وأفكار، وقيم.

ومن المعاني المهمة أيضاً أن الإعلام الهادف لا يستهلك طاقته في النزاعات الداخلية، والمعارك الجانبية، فالأمة التي تواجه تحديات فكرية، وثقافية، وحضارية كبرى لا تملك ترف استنزاف جهودها في الخصومات الصغيرة، الكلمة التي ينبغي أن تُبذل لبناء وعي الشباب، وتعزيز الثقة بالهوية، وإحياء معاني الخير، هي أثمن من أن تُهدر في معارك لا تزيد الأمة إلا فرقة وضعفاً.

حين يحمل الإعلاميون الفهم العميق لدورهم، تتغير طبيعة العمل كله، يصبح الإتقان عبادة، والصبر على المشاق عبادة، وبذل الوقت والجهد عبادة، والسعي إلى التأثير الإيجابي عبادة، وعندها لا يعود الإعلام مجرد وظيفة، بل يتحول إلى عبادة يتقرب بها العاملون لرب العباد؛ لأنهم ينتشلون الناس من الضياع، ويرشدونهم لطريق الهداية، ويومها تصبح وسائل التواصل مشروع نهضة، وجسراً يصل بين القيم، والواقع، وبين الماضي، والمستقبل، وبين الإنسان ورسالة الاستخلاف التي أُمِر بها.

البشرية اليوم، وسط هذا الضجيج الهائل، لا تحتاج إلى مزيد من الأصوات المرتفعة بقدر حاجتها إلى الكلمة الصادقة، والكلمة الصادقة لا تُقاس بقوة مكبرات الصوت، وإنما بقوة الفكرة التي تحملها، وصدق النية التي تقف وراءها، وحين يدرك أصحاب المنابر الإعلامية، أن ما يقدمونه جزء من مسؤوليتهم تجاه أمتهم ودينهم، وإنسانيتهم، يصبح الإعلام باباً من أبواب الخير، ومنبراً لصناعة الوعي، وسبيلاً لحفظ الهوية، وتجديد الأمل.

وهنا فقط نستطيع أن نفهم معنى أن تكون الكلمة رسالة، يُبتغى بها وجه الله، وتُخدم بها الأمة، ويُنتصر بها للحق والعدل وخير الإنسان.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة