الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

هدي النبي في الاستئذان

هدي النبي في الاستئذان

هدي النبي في الاستئذان

الاستئذان أدب إسلامي رفيع، وهدي نبوي عظيم، وعبادة جليلة.. وهو تربية للنفوس على الحياء والأدب، وبناء مجتمع تسوده الثقة والطمأنينة. فما أحوج المسلمين اليوم إلى إحياء هذا الأدب الجليل.
فإنه لما كان للبيوت حرمتها وخصوصيتها، ولها أسرارها، وكان فيها من العورات ما يحب الإنسان ستره عن غيره، ولا يحب أن يطلع عليه أحد، شرع الله تعالى الاستئذان؛ حفظا للحرمات، وصونا للعورات، وحماية للخصوصية، وحتى يغرس الأدب والحياء، ويحقق الاحترام بين الناس.

وقد اعتنى القرآن الكريم والسنة النبوية بهذا الخلق الكريم عناية ظاهرة، حتى صار من شعائر المجتمع المسلم وآدابه الرفيعة.
أولًا: أهمية الاستئذان في الإسلام
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النور:27]. وقال تعالى: (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ) [النور: 28].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "أمر الله عباده المؤمنين ألا يدخلوا بيوت غيرهم حتى يستأذنوا ويسلموا، لئلا يطلعوا على عورات الناس وأحوالهم التي يحبون سترها".
فالاستئذان ليس مجرد عادة اجتماعية، بل هو عبادة يتقرب بها المسلم إلى الله تعالى بطاعة أمره، وحفظ حقوق عباده.

ثانيًا: الهدي النبوي في الاستئذان
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أكمل الناس أدبًا، وأحسنهم خلقًا، فكان يطبق آداب الاستئذان بدقة، ويعلمها أصحابه.. ومن هذه الآداب:
1 ـ عدم الوقوف مقابل الباب
عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر) [رواه أبو داود وصححه الألباني].
وذلك حتى لا يقع بصره على ما في داخل البيت قبل الإذن. فـ (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر)[متفق عليه].
وجاء في الأدب المفرد للبخاري، قال عليه الصلاة والسلام: (لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيتٍ حتى يستأذن، فإن فعل فقد دخل).
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم، ففقئوا عينه، فلا دية له ولا قصاص).
وإنما كان ذلك ليحمي البيوت من أنظار الناس، ويصون حرمتها، ويحفظ كرامة أهلها وعورتهم، وما لا يحبون اطلاع الناس عليه.

2 ـ تقديم السلام قبل الاستئذان
فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يعلم الزائر أو المستأذن التسليم قبل طلب الإذن، وصح عنه عليه الصلاة والسلام ذلك فعلا وقولا وتعليما:
. روى أبو داود في سننه: أن رجلاً من بني عامر استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخادمه: اخرج إلى هذا فعلّمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم، أأدخل.. فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم – فدخل).

3 ـ التعريف بالنفس إذا طلب
كان من هديه في الاستئذان أن المستأذن إذا قيل له: من أنت؟ يقول: فلان بن فلان، أو يذكر كنيته أو لقبه، ولا يقول: أنا.
ففي الصحيحين، عن جابر قال: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فدققت الباب، فقال: "من ذا؟ فقلت: أنا، فقال: "أنا أنا"، كأنه كرهها).
وإنما كانت الكراهة لأن هذا القول ليس فيه تعريف لمن بالباب، وإنما يجيب بما يعرف به صاحب الدار، فيذكر اسمه أو كنيته ليُعرف، فقد استأذنت أم هانئ على النبي فقال لها: "من هذه؟ قالت: أم هانئ، فلم يكره ذكرها الكنية.. وكذلك وقع هذا مع أبي ذر وأبي قتادة فلم يكره منهم ذكر الكنية لأنه يؤدي الغرض. ولذلك قال بعض أهل العلم، إذا كان صوته معلوما له يعرف به، فربما لم يكن به بأس.

4 ـ الاستئذان ثلاث مرات
عن أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِنَ لك وإلا فارجع)[البخاري ومسلم].
فلا يلح المسلم على الناس، ولا يحرجهم بكثرة الطَرق أو الاتصال، ولا يؤذيهم بطول الوقوف والانتظار.. بل يستأذن ثلاثًا ثم ينصرف إن لم يؤذن له، فإن عدم الرد بعد ثلاث، هو من باب الاعتذار الضمني، حتى لا يحرج نفسه بردك بنفسه، وبقوله، فيكون أكثر أذى لنفسك ونفسه. وربما لم يكن صاحب الدار في الداخل فيكره أهله الرد عليك، فاستأذن ثلاثا، فقط ولا تزذ.

5 ـ الرجوع إذا لم يؤذن له
من كمال الأدب أن يرجع المستأذن إذا لم يُفتح له الباب أو طُلب منه الرجوع، دون غضب أو حرج.. قال الله تعالى: (وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ). وقال صلى الله عليه وسلم: (الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِنَ لك وإلا فارجع)[البخاري ومسلم].
لا تقل لعله لم يسمع، أو لعله نائم. فإن عدم الرد بعد ثلاث هو من باب طلب الانصراف الضمني. فقد يكون على حال لا يحب أن يستقبل فيها أحدا، أو منشغلا بأمر يهمه، أو في شجار مع أهله، أو يريد أن يستريح من تعب في عمل.. أو غير ذلك.. فإذا كنت أنت قد أتيت في وقت يناسبك، فربما لا يناسب الشخص الذي ذهبت إليه.

6 ـ خفض الصوت وعدم الإزعاج
فالمسلم لا يصرخ عند الباب، ولا يكثر الطرق، إلا بقدر ما يسمع من في الداخل، فلا يوقظ النائم أو يزعج أهل البيت.
آداب عامة أخرى
- إذا دخلت فلا تطف ببصرك في البيت، بل غض بصرك، ولا تهتك حرمة من في الدار.
- اجلس حيث يأمرك صاحب الدار فهو أعلم بالأماكن التي تستر البيت أو تفضحه. ومن الأفضل أن تسأله: أين تحب أن أجلس، فترفع عنه أي حرج.
- إذا كان لصاحب البيت مكان خاص فلا تجلس على تكرمته إلا بإذنه.
- فإذا دخل المسلم بيتًا ورأى ما لا يحب أهله إظهاره، وجب عليه كتمان ذلك وعدم نشره بين الناس فالمجالس بالأمانات.

الاستئذان داخل البيت
وكما شرع الاستئذان عند دخول بيوت الآخرين، فكذلك شرع الله الاستئذان داخل البيت الواحد وبين ساكنيه، فأمر الأبناء الصغار والخدم بالاستئذان في أوقات معينة.. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور:58].
فمنع على الصغار الدخول في هذه الأوقات دون استئذان، لأنها مظنة النوم، والتخفف من الثياب، أو غيرها من الحقوق المعلومة.
وأما في غير هذه الأوقات فللصغار الدخول دون استئذان. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}.

وأما إذا بلغ الأطفال الحلم، فقد أمرهم الله وكل الكبار في البيت بالاستئذان في جميع الأوقات، (وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)[النور:59].

فعن عطاء بن يسار أن رجلا سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (أستأذن على أمي؟ قال: نعم، فقال الرجل: إني معها في البيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذِن عليها، فقال الرجل: إني أخدمها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: استأذن عليها، أتحب أن تراها عُرْيَانَة؟! قال: لا، قال: فاستأذِن عليها)[موطأ مالك].
وعن علقمة قال: "جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: أستأذن على أمي؟! فقال: ما على كل أحيانها تريد أن تراها".
وسأل رجل حذيفة: "أستأذن على أمي؟ قال: إن لم تستأذن عليها رأيتَ ما تكره ".

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة



الأكثر مشاهدة اليوم

محاسن الأخلاق

هدي النبي في الاستئذان

الاستئذان أدب إسلامي رفيع، وهدي نبوي عظيم، وعبادة جليلة.. وهو تربية للنفوس على الحياء والأدب، وبناء مجتمع تسوده...المزيد