الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسلمون في بلاد كولومبوس

المسلمون في بلاد كولومبوس

المسلمون في بلاد كولومبوس

جون عبد الله، وجورج أحمد، ومايكل محمد، وكارلوس منعم، أسماء نطالعها في صحف أمريكا اللاتينية، فتصيبك بالحسرة، فهؤلاء أبناء لمسلمين هاجروا إلى بلاد كولومبوس قبل عقود عدة، وتقطعت بهم السبل ببلدانهم الأصلية وبدينهم أيضًا، فنشأت الأجيال التالية منهم نصارى.
المسلمون في أمريكا اللاتينية يصل عددهم إلى 4 ملايين نسمة، ويسعون لمواجهة هذا التحدي بحماية دينهم وتنشئة أبنائهم عليه، بل ودعوة الآخرين إلى الإسلام في ظل الخواء الروحي الذي يعانونه. فما هي قصة هؤلاء ؟ وكيف يعيشون إسلامهم؟ وما هي الصعوبات التي تواجههم؟

تشير كثير من الدراسات إلى أن المسلمين سبقوا كولومبوس في الوصول إلى أمريكا اللاتينية، فبعد عدة سنوات من البحث والدارسة في تاريخ أمريكا اللاتينية كشف الباحثان عبد الهادي بازورتو ودانيال دنتن في محاضرة ألقياها في جامعة كاليفورنيا عن جوانب تشابه في طرق المعيشة التي كان يمارسها السكان الأصليون من الهنود الحمر (المعروفون تاريخيًا بقبائل الآزتك) مع المسلمين، كما عرض المحاضران عددًا من الوثائق وسردا مجموعة من القصص التي تناقلتها أجيال متعاقبة من الآزتك ظهر فيها إشارات واضحة إلى آثار إسلامية كانت موجودة في أمريكا قبل وصول كريستوفر كولومبوس والمستكشفين الأوروبيين إليها.

مما يعد دليلاً على أن الإسلام وصل إلى أفراد تلك القبائل الهدية في الأمريكتين قبل وصول النصرانية التي جاء بها الأوروبيون إلى تلك الأرض بعد ذلك بعدة قرون.

وتشير دراسات أخرى أن عددًا من البحارة المسلمين من بقايا الممالك الأندلسية كانوا من أفراد البعثة الاستكشافية التي قادها كولومبوس نحو الأمريكتين في عام 1492م، نظرًا لتفوقهم في علوم الفلك والملاحة وصناعة السفن. إضافة إلى ذلك، فقد كانت نسبة كبيرة من العبيد الأفارقة الذين أتى بهم إلى أمريكا اللاتينية من شمال إفريقيا وشرقها كانوا من المسلمين، وانتهى بهم المطاف في البرازيل وفنزويلا وكولومبيا.
يقدر عدد المسلمين في أمريكا اللاتينية اليوم بأربعة ملايين مسلم، يوجد منهم بين 1 - 1.5 مليون في البرازيل، بينما يقدر عدد المسلمين في الأرجنتين بثلاثة أرباع المليون. وتشير بعض التقرير إلى أن نصف هؤلاء المسلمين من المهاجرين وأبنائهم، بينما يشكل السكان الأصليون لتلك البلاد بجنسياتهم المختلفة النصف الآخر.

مهاجرون من المشرق الإسلامي:
بدأت الهجرات من البلاد العربية والإسلامية نحو أمريكا اللاتينية في منتصف القرن التاسع عشر.
وكانت أكبر الهجرات عددًا في أوائل القرن العشرين وإبان الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت معظم تلك الهجرات تأتي من سورية ولبنان وفلسطين ودول شبه القارة الهندية (الهند، وباكستان، وبنجلاديش).
انتشر هؤلاء المهاجرون في عدة بلدان مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وكولومبيا وتشيلي والباراغواي وغيرها.

وقد استخدم العرب المهاجرون في الأرجنتين والبرازيل المطابع بالحرف العربي في نهاية القرن التاسع عشر لإصدار الصحف باللغة العربية، ولكنها لم تستخدم لأي إصدارات تخدم الدعوة إلى الإسلام.

كانت الهجرات الأولى للعرب والمسلمين لأمريكا اللاتينية في غالبها هربًا من الظروف السياسية السيئة التي كانت تعيشها المنطقة العربية والإسلامية في أواخر الحكم العثماني وأيام الاحتلال الإنجليزي والفرنسي، كما أن بعضهم أتى لأمريكا اللاتينية رغبة في الحصول على فرص معيشة أفضل عن طريق العمل أو التجارة.

وعلى الرغم من أن المسلمين الأوائل واجهوا صعوبات بالغة، من أهمها كونهم أرقاء أو غرباء مهاجرين، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تقدمًا ملحوظًا في الدعوة الإسلامية هناك وأحوالها تتمثل في زيادة أعداد المسلمين والمساجد والمراكز الإسلامية التي تخدمهم.
وقد ساهمت الصحوة الإسلامية في البلاد الإسلامية في المشرق وبين مسلمي الغرب مثل الولايات المتحدة الأمريكية وأسبانيا في زيادة التواصل مع المسلمين في بلاد أمريكا اللاتينية من خلال الهجرات الحديثة أو الزيارات التي يقوم بها المسؤولون والدعاة.
يضاف إلى ذلك زيادة طباعة ترجمة معاني القرآن الكريم باللغات التي يتحدث بها أهل تلك البلاد، وطباعة الكتب التعليمية التي تربطهم بالإسلام وتدعوهم إليه وترفع مستوى علمهم ووعيهم الشرعي.

ومع ذلك، فإن شعوب أمريكا اللاتينية تعيش حاليًا فراغًا روحيًا كبيرًا لم تستطع الكنيسة الكاثوليكية أن تملأه، ولا يزال عدد كبير منهم يبحث عن الدين القادر على تلبية حاجاتهم العقائدية والروحانية.
لذلك فإن الظروف متاحة في تلك القارة للدعوة إلى الله على نطاق واسع لتقريبهم إلى الدين الإسلامي، كما أن العمل الإسلامي المؤسسي ميسر لإنقاذ المسلمين من الذوبان واحتضان أبنائهم لحمايتهم من الضياع.

المسلمون في البرازيل:
يقدر عدد المسلمين في جمهورية البرازيل بمليون مسلم، وبعض التقديرات ترفع عددهم إلى نحو مليون ونصف المليون، كما يذكر الدكتور محمد حلمي نصر، رئيس المركز الإسلامي في البرازيل.

وينحدر معظم مسلمي البرازيل من أصول لبنانية، يأتي بعدهم من - حيث العدد - السوريون ثم الفلسطينيون، و يعيش معظم مسلمي البرازيل في منطقة ساو باولو ثم في بارنا ثم في ريو دي جانيرو.

افتتح أول مسجد في البرازيل عام 1960م ، ثم تزايدت المساجد والمراكز الإسلامية، حيث يزيد عدد المساجد الحالية في منطقة ساو باولو - وهي أكثر المناطق من حيث وجود المسلمين فيها - على عشرة مساجد، ويوجد بها أكثر من 15 هيئة إسلامية. ومع أن عدد سكان مدنية ساو باولو يبلغ 17 مليون نسمة، فإنه لا يوجد بها إلا مدرسة إسلامية واحدة، ولا توجد صحف إسلامية أو برامج تلفزيونية إسلامية أو حتى كتب إسلامية.

يغلب على العمل الإسلامي في البرازيل - وللأسف - الصبغة الإقليمية، حيث يتركز في الجالية اللبنانية خصوصًا، لذلك يقل العمل الدعوي الموجه للبرازيليين من أهل البلاد الأصليين أنفسهم، كما يعاني المسلمون الانعزال عن بقية إخوانهم، يضاف إلى ذلك قلة الكتب المطبوعة باللغة البرتغالية التي يتحدث بها البرازيليون.

يلاحظ على العمل الإسلامي هناك عدم التنظيم وقلة التخطيط والتنسيق بين المساجد والهيئات الإسلامية. ولذلك فإنه لا يملك القدرة على الاستمرار بنفسه دون دعم خارجي. يأتي معظم هذا الدعم للمساجد والمراكز السعودية،كما تساهم جمهورية مصر بإرسال الدعاة والأئمة إليها.

المسلمون في الأرجنتين:
يبلغ عدد المسلمين في الأرجنتين قرابة 750 ألف مسلم، يعيش خمسهم تقريبًا في العاصمة بوينس آيرس، وينتشر البقية في مختلف المناطق، يوجد في بوينس آيرس المركز الإسلامي الذي أسس عام 1992م. يغلب على نشاطات هذا المركز التعليم الديني الذي يتراوح بين تعليم اللغة العربية وعقد الندوات وإلقاء المحاضرات التي تهم الجالية المسلمة هناك، إضافة إلى إجراء عقود الزواج وفق الشريعة الإسلامية.

يوجد أيضًا في العاصمة مقر الجمعية العربية الأرجنتينية الإسلامية التي توفر التعليم لأبناء الجالية في مراحل الروضة والابتدائية حتى الثانوية. كما توجد كذلك العدد من الجمعيات القائمة على أساس مذهبي طائفي، مثل الجمعية الإسلامية العلوية الخيرية التي يدل اسمها على أنها تخدم المنتمين إلى الطائفة النصيرية (المعروفة بالعلوية). وهناك جمعيات قائمة على أساس إقليمي، مثل الجمعية الإسلامية اليبرودية التي يقوم عليها المهاجرون من قرية يبرود بسورية. وهناك مكتب الثقافة والدعوة الإسلامية الذي يركز نشاطاته على خدمة المسلمين في أنحاء الأرجنتين جميعها، وذلك بتوفير الكتب الإسلامية باللغة الأسبانية والتنسيق لتوفير مساعدات مالية لهم وتعيين أئمة المساجد والدعاة، إضافة إلى التنسيق بين الجمعيات الإسلامية لتوحيد جهودها.

المسلمون في فنزويلا:
عندما قام أحد رؤساء الحكومة الفنزويلية بزيارة للمملكة العربية السعودية ثار معه نقاش حول حاجة الجالية المسلمة في بلاده إلى مسجد ومركز إسلامي لأداء العبادة والاهتمام بشؤون الجالية الدينية. تجسدت الفكرة عندما وافقت الحكومة الفنزويلية على منح قطعة أرض تبلغ مساحتها 5000 متر مربع بالعاصمة كراكاس لإقامة المركز الإسلامي عليها. بدأت مؤسسة إبراهيم البراهيم الخيرية ببناء المركز - الذي يعرف بمسجد الشيخ إبراهيم - في عام 1989م، وافتتح في بدايات عام 1993م.
يعمل مسجد الشيخ إبراهيم كمركز إسلامي متكامل لخدمة الجالية الإسلامية في فنزويلا، حيث يحتوي على قاعة للصلاة تتسع لـ 1500 مصل من الرجال والنساء، وصالة متعددة الأغراض ومكتبة وفصول دراسية ومطبخ وغرف خدمات وشقتين سكنيتين.

المسلمون في تشيلي:
يقدر عدد المسلمين في تشيلي بنحو 150 ألف مسلم، لا يؤدي كثير منهم الشعائر الإسلامية، ويعانون من الذوبان شبه الكامل في المجتمع التشيلي. ومع أن المسلمين في تشيلي أسسوا جمعية إسلامية إبان الحرب العالمية الثانية في عام 1939م، إلا أن هذه الجمعية تقلص نشاطها وتضاءل حتى أنه أصبح عديم الذكر.
يوجد في تشيلي الآن مسجدان أحدهما في العاصمة سنتياغو والآخر في مدينة إكيكي بشمال تشيلي، وقام ببنائه مجموعة من المسلمين من شبه القارة الهندية، وافتتح للصلاة منذ سنوات قليلة.

كما يوجد مركز إسلامي شيعي تقوم إيران بدعمه وتمويله، ومركز آخر يتبع إحدى الطرق الصوفية.
في عام 1998م أسس معهد العلوم الإسلامية بمدينة سنتياغو وبجهد ذاتي من بعض المسلمين المقيمين هناك. ومن أبرز أنشطة هذا المعهد تدريس القرآن الكريم وتحفيظه، تدريس اللغة العربية للصغار والكبار، إعطاء دروس لتعليم المسلمين أمور دينهم، إضافة إلى توفير المطبوعات الإسلامية باللغة الأسبانية. كما يصدر المركز دورية شهرية تعني بمعالجة القضايا المستجدة التي تهم الجالية. ومن الجدير بالذكر أن هذا المركز يقوم بمعظم النشاط الدعوي في تشيلي، وخصوصًا في العاصمة، رغم حداثة عمره مستفيدًا من الوعي الإسلامي المتزايد بين الشباب من المهاجرين أو أبناء الجالية.

المسلمون في الدول الأخرى:
رغم قلة عدد المسلمين في بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى، مثل بيرو وكوستاريكا والسلفادور وغواتيمالا والهندوراس وكوبا (لا يتجاوز عددهم 500 مسلم في كوبا مثلاً)، إلا أن أعدادهم تتزايد، خصوصًا مع الهجرة وسهولة التواصل مع المسلمين في الدول الأخرى وزيارة الدعاة لهم، سواء من القارة نفسها أو من أمريكا الشمالية. يضاف إلى ذلك دخول بعض سكان تلك البلاد في الإسلام نتيجة لما يعانونه من خواء روحي لا تملأه دياناتهم الأصلية.

صعوبات أمامهم:
يعاني المسلمون في أمريكا اللاتينية من صعوبات عديدة تتركز فيما يلي:
· جهل كثير من المسلمين بتعاليم الإسلام الأساسية، وكذلك قلة الاهتمام باللغة العربية.
· قلة الكتب والأشرطة التي تشرح مبادئ الإسلام بلغة يفهمها المسلمون من أبناء تلك البلاد.
· ضعف - وأحيانًا غياب - التنسيق والتعاون بين الجمعيات والمراكز الإسلامية وقلة برامج التوعية، خصوصًا الموجهة للشباب، إضافة إلى عدم وجود الهيئات التي تتولى إدارة الأوقاف الإسلامية ورعايتها.
· قلة الموارد البشرية: مثل قلة عدد الدعاة المجيدين للغات المحلية مع دراية كافية بعادات شعوب تلك الدول وتقاليدها، وقلة الكوادر القادرة على التفاعل مع وسائل الإعلام المحلية للتعريف بالإسلام والرد على دعاوى التضليل الإعلامي المعادي للإسلام والمسلمين.
· قلة الموارد المالية: مما يؤثر سلبًا على الدعوة وإنشاء المراكز اللازمة للتعليم والتدريب والتأهيل، إضافة إلى دعم طباعة الكتب وتوظيف الدعاة والأئمة.
· غياب برامج رعاية المرأة والطفل: وهذه تضعف بناء الأجيال التالية للمهاجرين، نظرًا لكون الأطفال يتأثرون أكثر ببيئتهم المحيطة وبأمهاتهم، خصوصًا إذا كنَّ غير مسلمات أو اعتنقن الإسلام حديثًا.
· كثرة زواج الشباب بغير المسلمات أو بالمسلمات اسميًّا: وهذا يؤثر في مستوى التزام الشباب أنفسهم بالإسلام وأبنائهم بعد ذلك، ويزداد الأمر سوءًا عندما ينفصل الزوجان وتتولى الأم حضانة أبنائها فتنشئهم بعيدًا عن تعاليم الإسلام.

المنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية:
أدرك بعض القائمين على عدد من المساجد والمراكز الإسلامية الحاجة إلى تنسيق الجهود والتعاون فيما بينهم من أجل تنظيم العمل الإسلامي وشؤون الدعوة إلى الله في أمريكا اللاتينية، وفي عام 1997م عقد هؤلاء اجتماعًا تشاوريًا بحضور ممثلين للمساجد والمراكز الإسلامية من 19 دولة من تلك القارة ، وكان من ثمار ذلك اللقاء تأسيس "المنظمة الإسلامية لأمريكا اللاتينية".
قامت هذه المنظمة بنشاط ملموس يتمثل في طباعة الكتب الإسلامية باللغات المحلية وإنتاج الأشرطة الصوتية والمرئية التي تشرح الإسلام وأصوله ومبادئ العبادات والمعاملات، ومن ثم توزيعها على المراكز الإسلامية الأفراد.

كما تحرص هذه المنظمة على إرسال بعض المسلمين من أمريكا اللاتينية لأداء فريضة الحج، إضافة إلى السعي لتوفير منح دراسية لبعض شباب تلك القارة في الجامعات الإسلامية ومحاولة توفير فرص عمل لهم بما يخدم الجالية المسلمة هناك.
تسعى هذه المنظمة كذلك إلى تنشيط العمل الإسلامي على المستوى السياسي مثل المطالبة بإعطاء العاملين من المسلمين عطلة رسمية في العيدين، مع تشجيع المسلمين على التمسك بحقوقهم السياسية أسوة بغيرهم من مواطني تلك الدول، والارتقاء في المناصب المؤثرة سياسيًا واقتصاديًا، والدفاع عن الجاليات المسلمة على المستوى الدولي وتمثيلها.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة