وساوس تجرني إلى الشك في ديني، فكيف أتعامل معها؟
2026-01-27 01:11:13 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سبق أن سألتكم، والحمد لله بفضل الله تعالى قمتم بالرد عليّ، وقد ذكرت لكم قصتي سابقًا، والحمد لله، لكنني الآن أعاني في صمت.
في الماضي عندما كانت تأتيني أفكار شركية أو كفرية، كنت أخاف منها وأبكي وأتألم وأتأثر، أمَّا الآن فلا؛ إذ أصبحت لدي حالة من تبلّد المشاعر، وحتى إذا أردت البكاء لا أستطيع، وإنما تأتيني غصّة وثقل في قلبي، وإذا بكيت لا تكون إلَّا دموعًا قليلة على طرف العين، مع شعور بالجمود التام.
قبل يومين كنت أبحث عن حكم الصلاة أمام الجدار، فدخلت إلى موقع فيه فتاوى نصرانية -أستغفر الله العظيم- فخفت وهربت، وبدأت تراودني أفكار، فقلت: آمنت بالله وملائكته، وآمنت بنبي الله عيسى.
ثم البارحة وقع لي نفس الأمر؛ إذ كان أبي يشاهد قصة مريم -عليها السلام- وأنا والله في حياتي لم أشك في الحق قط، لكنني عندما شاهدت معه خفت أن تراودني الأفكار، فتجنبت المشاهدة وانشغلت بشيء آخر، والله يعلم السبب.
لقد أصبحت أدقق كثيرًا، وأحاول في كل لحظة أن أقنع نفسي أنني مؤمنة، وأنه يستحيل أن أكذب بالحق، فالدين عند الله هو الإسلام، لكنني أعيش حالة من الجمود التام، كأنني لم أعد أشعر، ومن كثرة الصدمات التي تعرضت لها -أستغفر الله- أغمي على أمي أمامي بسبب حالتي التي كانت يُرثى لها.
الآن بفضل الله أنا بخير، وقد ذهبت الأعراض المخيفة والشديدة، وشفاني ربي منها، فلم أتأثر بها ولم أبكِ دمعة واحدة، لكن بعد ذلك بكيت قليلًا، فاستغربت من نفسي وتصرفاتي، خاصة أنني من النوع الذي يتأثر ويبكي في مثل هذه المواقف.
أمَّا الآن فلا أبكي أبدًا، وأحاول البكاء لكن لا أستطيع، وينعكس ذلك سلبًا على صلاتي، خصوصًا في أدائها؛ إذ عندما أبدأ الصلاة أنسى هل كبّرت، أو هل سجدت، أو هل قلت: "سبحان ربي العظيم" أو "سبحان ربي الأعلى" ثلاث مرات، فأظن أن عليّ إعادة كل شيء، لكنني لا ألتفت وأكمل صلاتي، ولا أسجد للسهو أبدًا، وهذه المشكلة تتكرر في كل صلاة، حتى يئست من نفسي، إذ أنظر إلى نفسي كيف أؤدي حق الله بهذه الطريقة.
والبارحة – كما ذكرت – كان أبي يشاهد ما سبق، فرأيت صليبًا فقلت: "تفّو"، وأنا أعلم أنني مؤمنة بالديانات من حيث وجودها، لكنني لا أعتقد بما فيها، فأنا مسلمة مؤمنة، فهل يُعدّ فعلي هذا ارتدادًا عن الدين أو شركًا؟ أنا مؤمنة، ويستحيل أن أرضى بالكفر، ولا يمكنني تقبّله.
وأريد أن أصحّح عقيدتي وأسأل، لكنني أشعر أنني أخطئ حين أسأل البشر وأنسى الله ربي.
أرجو منكم إجابة.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أميمة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بكِ (بُنيتي) عبر استشارات إسلام ويب مجددًا، ونشكر لكِ تواصلكِ معنا بهذا السؤال، وهو متعلق بسؤال سابق أجابكِ عليه مشكورًا الشيخ أحمد الفودعي، وخاصة من الجانب الديني، ولكن دعيني أضيف إلى ما ذكره الدكتور الفاضل، أن ما تصفينه -ابنتي الفاضلة- في سؤالكِ هي حالة نموذجية لما يعرف بالوسواس القهري.
والوسواس القهري مرض نفسي يصيب غالبًا الشباب، وهو عبارة عن أفكار لاإرادية تأتي إلى ذهن الإنسان، وهي مزعجة جدًّا لأنها مخالفة لأفكار المصاب ومعتقداته، فهي تقض مضجعه، وكما هو واضح في سؤالكِ، تحاولين دفعها، إلَّا أن هذه الأفكار تأتيكِ بشكل أو بآخر، كما حدث معكِ عندما دخلتِ إلى مواقع متعلقة بالديانة المسيحية، أو عندما شاهدتِ والدكِ يُتابع برنامجًا -كما فهمت- عن مريم عليها السلام، ثم وقع نظركِ على صليب؛ فكل هذه الإشارات تحرك عندكِ هذه الأفكار الوسواسية.
وهذه الأفكار قطعًا لا تشير إلى ضعف إيمانكِ، أو ضعف إسلامكِ، فواضح من سؤالكِ أنكِ شابة مؤمنة، محافظة على دينها، إلَّا أنكِ ابتُليتِ بهذا الوسواس القهري.
ابنتي الفاضلة: الوسواس القهري أصبح معروفًا، له تشخيص واضح وله خطة علاجية واضحة، فأمامكِ سبيلان:
السبيل الأول: أن تحاولي دفع هذه الأفكار، متذكرة ما أقوله لكِ من أنها عبارة عن أفكار وسواسية قهرية، ليست تحت إرادتكِ، مذكرًا لكِ هنا بأن الأفكار مهما كانت لا تصبح واقعًا سلوكيًا، وإنما هي مجرد أفكار، نعم مزعجة، إلَّا أنها تبقى أفكارًا.
السبيل الثاني ابنتي الفاضلة: أن تلجئي إلى إحدى عيادات الطب النفسي ليقوم الطبيب بتحري الحالة النفسية، وخاصة أنكِ ذكرتِ أنكِ عانيتِ من صدمات في حياتكِ، ومنها إغماء والدتكِ أمامكِ -طبعًا أرجو الله تعالى أن تكون الآن في صحة تامة- ولكن هذه الصدمات أحيانًا يمكن أن تُؤثّر في حياتنا النفسية، ومما يمكن أن ينتج عنها مثل هذه الأفكار الوسواسية القهرية.
وبعد أن يضع الطبيب النفسي التشخيص، يمكن أن يعرض عليكِ الخطة العلاجية، سواء كان علاجًا دوائيًا -وهذا يُفيد الكثيرين ممَّن يعانون من الوسواس القهري- وأحيانًا ندعم هذا العلاج بالعلاج المعرفي السلوكي، الذي هو عبارة عن استبدال الأفكار السلبية بالأفكار الإيجابية.
أدعو الله تعالى أن يُيَسِّر لكِ أمركِ، ويثبتكِ على دينكِ، ويكتب لكِ تمام الصحة والسلامة.
_____________________________________
انتهت إجابة الدكتور مأمون مبيض -استشاري الطب النفسي-
وتليها إجابة الشيخ/ أحمد المحمدي -مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-.
_____________________________________
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك، وأن يحفظك، وأن يُقدِّر لك الخير، وقد تفهمنا حديثك تمامًا ونريد أن نجيبك من خلال ما يلي:
أولًا: تبلد المشاعر ليس دليلًا على فساد القلب، فما تصفينه من جمود، وثقل في القلب، وعدم القدرة على البكاء، وعدم التأثر كما كنت من قبل، لا يعني أن الإيمان خرج من قلبك، بل يعني أن النفس أُنهكت من كثرة الخوف والمراقبة والتدقيق والصراع الداخلي.
الإنسان إذا عاش مدة طويلة في حالة خوف شديد، وبكاء، ومراقبة لكل فكرة، يدخل أحيانًا في مرحلة دفاع نفسي اسمها التبلد، كأن النفس تقول: لم أعد أحتمل، فتغلق باب الشعور مؤقتًا لتحمي نفسها.
ثانيًا: الأفكار الشركية التي لا تريدينها ولا ترضينها لا تُؤاخذين بها، وهذه قاعدة يجب أن تكون محكمة عندك، فالأفكار التي تقتحم عليك عقلك وأنت تكرهينها، وتخافين منها، وتحاولين دفعها، ليست كفرًا ولا شركًا، بل هي وساوس قهرية، والنبي ﷺ سُئل عن قوم يجدون في أنفسهم ما يتعاظمون أن يتكلموا به، فقال: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَان»، أي أن كراهية هذه الأفكار والخوف منها دليل إيمان لا دليل كفر.
واعلمي أن العقيدة لا تُنقض بخاطر عابر، ولا بصورة رأيتها، ولا بسماعك لشيء رغمًا عنك، ولا بقولك "تفّ" من باب الاشمئزاز، بل العقيدة تُنقض بالرضا والاعتقاد والاختيار، وأنت لا يوجد عندك شيء من هذا أبدًا.
ثالثًا: دخولك موقعًا فيه فتاوى نصرانية أو رؤية صليب لا يجعلك مرتدة، ووجود شيء مخالف للدين أمامك، أو رؤيته بالصدفة، أو حتى سماعه، لا يخرج المسلم من الإسلام، والصحابة كانوا يرون الصليب في بلاد النصارى، ويسمعون أقوال الكفر، ولم يكونوا يخرجون من الدين بمجرد الرؤية.
وأمَّا قولك (آمنت بالله وملائكته) فقد كان رد فعل خوف لا كفرًا، ومحاولة طمأنة للنفس، وليس اعترافًا بدين آخر، أما نفورك من الصليب واشمئزازك منه، فهذا دليل انتماء لا دليل ردّة.
رابعًا: ما يحدث لك في الصلاة وسواس وليس تقصيرًا، فنسيانك هل كبّرت أو سجدت أو قلت الذكر، ثم إكمالك للصلاة وعدم إعادة ولا سجود سهو، هو التصرف الصحيح شرعًا للموسوس.
الشرع واضح: اليقين لا يزول بالشك، وكثرة الشك لا يُلتفت إليها، وكون هذا يحدث في كل صلاة لا يعني أن صلاتك باطلة، بل يعني أن الوسواس استهدف الصلاة لأنها أحب العبادات إلى الله، وأنت مأجورة على مجاهدتك، لا آثمة على شكوكك.
خامسًا: سؤالك أهل العلم ليس نسيانًا لله ولا شركًا، فالله هو الذي أمرنا أن نسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، وسؤالك ليس اعتمادًا على البشر بدل الله، بل أخذ بالأسباب التي أمر الله بها.
سادسًا: الخوف الشديد من الكفر نفسه من أعظم علامات الإيمان، فالمرتد لا يخاف أن يكون مرتدًا، ولا يبكي، ولا يضطرب، ولا يسأل، ولا يجاهد نفسه، وأنت على العكس تمامًا: تخافين، وتراقبين، وتبكين، وتبحثين عن الحق، وتقولين: مستحيل أن أرضى بالكفر، وهذا أوضح دليل على سلامة الأصل الإيماني.
سابعًا: ماذا تفعلين الآن عمليًا؟
• خففي التدقيق، لأن التدقيق وقود الوسواس.
• إذا جاءت فكرة، قولي: هذه وسوسة، وانشغلي، ولا تحاولي تحليلها أو الرد عليها.
• في الصلاة: كبّري مرة، صلي، لا تعيدي، لا تعدّي الأذكار، لا تراقبي نفسك.
• أكثري من الدعاء وقولي: "رب زدني إيمانًا ويقينًا وسكينة".
• لا تمنعي نفسك من الفرح والراحة بحجة أنك مقصّرة، فالقسوة على النفس لا تزيد الإيمان.
نسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يبدل خوفك طمأنينة، ووسواسك يقينًا، وأن يجعلك من عباده الذين قال فيهم: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}.
والله الموفق.