كيف أتعامل مع أولاد خالتي وهم يؤذونني؟
2026-01-27 22:49:27 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا مهندس ميكانيكا، مصري، مسلم، خريج أكبر جامعة في الشرق الأوسط، أبلغ من العمر ثمانية وخمسين عامًا، ولدي ثلاثة أبناء، بارك الله فيهم.
لي خالة واحدة وقد توفيت، كما أنّ والديّ قد انتقلا إلى رحمة الله، وتكمن مشكلتي في الكراهية الشديدة التي يُكنّها أولاد خالتي لي ولأبنائي، وما يمارسونه من أذى بالغ علينا، بالفعل لا بالقول فقط، وعددهم أربعة: رجلان وسيدتان، مع أنّ والدي هو الذي ربّاهم، وعلّمهم، وزوّجهم من ماله الخاص، إذ كان أبوهم رجلاً ضعيف المستوى، أميًّا، وقد توفي وهم صغار.
وقد بلغ ظلمهم وجبروتهم أقصى درجاته، حين تآمروا مع والدتي وأودعوني مستشفىً خاصًّا للأمراض العقلية عام 2007، مما ألحق بي وبأولادي أكبر تدمير نفسي وبدني، ولا زلت أعاني من آثاره حتى يومنا هذا.
ومنذ ثلاثة أعوام أعلنوا أنّهم سيودعونني مستشفى الأمراض العقلية بالعباسية -ذلك المكان البشع القذر- للقضاء على ما تبقّى مني، ولتدمير سمعة أولادي ونفسياتهم مدى الحياة، لا قدّر الله ولا سامحهم الله، وحسبنا الله ونِعم الوكيل، ابتعدتُ عنهم تدريجيًا، ثم قررتُ مقاطعتهم منذ عامين، وحظرتهم في مواقع التواصل الاجتماعي منذ أربعةٍ وعشرين شهرًا.
إنّ قصّة حياتي دراما مؤلمة، علمًا بأنني أتناول أدوية مكثّفة باهظة الثمن، بسبب الآثار الجانبية لفترة المستشفى النفسية، أخشى الله وعذاب النار في الآخرة، فماذا أفعل؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ وليد .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أهلًا بك في موقعك إسلام ويب، ونسأل الله الكريم أن يبارك فيك وأن يصرف عنك كل أذى:
فلا يخفى عليك أن صلة الرحم من أعظم القُرُبات، وأجلّ الطاعات، وأوثق ما يتقرّب به العبد إلى الله تعالى، وقد قرنها الله بالإيمان به، وحذّر من قطيعتها أشدّ التحذير، فقال سبحانه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾، وقال جلّ وعلا مبيّنًا خطر التفريط فيها: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، وقال النبي ﷺ في بيان فضلها العظيم وآثارها المباركة في العمر والرزق: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»
ولهذا كان الأصل الأصيل، والمنهج الشرعي القويم: الحرص على الصلة، والصبر على الأذى المحتمل، وبذل الجهد في الإصلاح، وتقديم كل وسيلةٍ مشروعةٍ قبل التفكير في القطيعة، ومن أعظم تلك الوسائل: الاجتهاد في توسيط أهل العلم، وأهل الحكمة، وأصحاب الفضل والجاه، ممن يُرجى قبول كلامهم، ويُؤمن شرّهم، ويُظنّ فيهم تحرّي العدل؛ لأن المقصود ليس الغلبة ولا الانتصار للنفس، وإنما حقن النفس، وحفظ الأعراض، ولمّ الشمل ما أمكن.
لكن -وهذا هو الميزان الدقيق- إن تيقّن الإنسان، لا ظنًّا ولا وهمًا، بل كان يقينًا مبنيًّا على تجربة متكرّرة ووقائع ثابتة، أنّ الصلة لم تعد صلة، بل صارت بابًا للظلم، ومدخلًا للأذى الجسيم، ووسيلةً لانتهاك الكرامة، أو الإضرار بالنفس والعقل والأولاد، وأنّ كل محاولات الإصلاح وتوسيط أهل العلم والفضل قد باءت بالفشل، ولم تُقابل إلَّا بمزيد من الجبروت والعدوان؛ فهنا ينتقل الحكم من الاستحباب والفضيلة إلى جواز القطيعة الوقائية، بل قد تصل إلى الوجوب، والأصل في ذلك قول الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقاعدة النبي ﷺ الجامعة التي عليها مدار الفقه كلّه: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ».
وقد قرّر أهل العلم أنّ صلة الرحم ليست تمكينًا للظالم من ظلمه، ولا تسليمًا النفس للانتهاك، بل هي إحسان بقدر الاستطاعة، فإذا انقلبت إلى مفسدة خالصة، سقطت صورتها وبقي مقصدها، وهو حفظ النفس والدين.
بعد كل ما ذكرتَ من وقائع جسيمة، وتجارب قاسية، وأذى نفسي وبدني موثّق، إن تيقّنت أنّ القطيعة ليست تشفّيًا، ولا حقدًا، ولا كِبرًا، وإنما هي حمايةٌ لما بقي من حياتك، وستْر لأولادك، ومنع لتكرار جريمة وقعت فعلًا؛ فاعلم أنّك غير آثم.
وخِتامًا، أطمئن قلبك بقول الله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، وبقول النبي ﷺ: «اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ».
أنت مأجورٌ على نيّتك، مأجورٌ على صبرك، مأجورٌ على حفظك لنفسك وأبنائك، والله أعلم بسريرتك، نسأل الله أن يحفظك وأن يرعاك، والله الموفّق.