لا أستطيع الادخار بسبب مرض زوجتي وبناتي باستمرار، فماذا أفعل؟
2026-02-03 22:36:09 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بناتي وزوجتي يمرضن دائمًا، فلا أستطيع أن أحفظ المال أو أدّخره، وعندما يأتيني عمل أشعر بالفرح في البداية، ثم لا تلبث نفسيتي أن تنغلق من العمل، وأحيانًا أدخل في شجار مع زوجتي، وأشعر بالاختناق والتعب طوال الوقت.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ شوقي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركَ على تواصلكَ معنا، وثقتكَ بموقعنا.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تمر بضغوط متعددة ومتراكمة، فبناتك وزوجتك يعانين من المرض، والأمور المالية صعبة، وحتى عندما تجد عملاً تشعر بعد فترة قصيرة أن نفسيتك تنقلب وتشعر بالاختناق، وهذا يؤثر على علاقتك بزوجتك ويسبب الخلافات بينكما.
أخي الكريم: ما تمر به ليس بالأمر الهين، ومن الطبيعي جدًّا أن يشعر الإنسان بالإرهاق والضيق عندما تتراكم عليه المسؤوليات والهموم من كل جانب.
أول ما أود أن أذكرك به -أخي الكريم- أن ما تمر به هو من جنس الابتلاء الذي يمتحن الله به عباده المؤمنين، وأن الله -سبحانه وتعالى- لا يكلف نفسًا إلَّا وسعها، يقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، فالله تعالى كرر اليُسر مرتين ولم يكرر العسر، وهذا وعد من الله أن الفرج قادم لا محالة، وقد قال النبي ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وليسَ ذاكَ لأَحَدٍ إلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أصابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكانَ خَيْرًا له، وإنْ أصابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا له»، فأنت في موقع الابتلاء الذي يرفع الله به درجاتك ويكفر به عنك سيئاتك إن صبرت واحتسبت.
يمكن أن ننظر إلى وضعك من عدة زوايا لنفهم الصورة بشكل أوضح ونصل إلى حلول عملية بإذن الله:
الأمر الأول: يتعلق بمرض بناتك وزوجتك، وهذا أمر مؤلم بلا شك، فرؤية من نحب وهم يعانون من الوجع تثقل على القلب وتشعرنا بالعجز، ولكن تذكر -أخي- أن الله قد أكرمك بأن جعلك السبب في رعايتهن والقيام على خدمتهن، وهذا من أعظم القربات إلى الله، فالقيام على المريض والصبر عليه وخدمته من الأعمال التي يثاب عليها العبد ثوابًا عظيمًا.
الأمر الثاني: يتعلق بالوضع المالي وصعوبة الاحتفاظ بالمال، وهذا تحدٍّ كبير خاصة مع وجود أفراد مرضى في الأسرة يحتاجون إلى رعاية مستمرة، وربما أدوية ونفقات طبية.
من المهم أن تعلم -أخي الكريم- أن الرزق بيد الله وحده، وأن ما كتبه الله لك سيأتيك ولو كان بين جبلين، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾، ومع ذلك فإن الأخذ بالأسباب واجب، ومن الحكمة أن تحاول وضع خطة بسيطة لإدارة المال الذي يأتيك، مهما كان قليلاً.
الأمر الثالث: وهو الأهم في نظري، يتعلق بحالتك النفسية وشعورك بأن نفسيتك تنقلب بعد فترة قصيرة من بدء أي عمل، هذا النمط المتكرر يشير إلى أنك تعاني من ضغط نفسي شديد ومتراكم، وربما من أعراض الإرهاق النفسي أو ما يسمى بالإنهاك، وقد يكون هناك مشاعر اكتئاب أو قلق مصاحبة، إذا أصبحت هذه المشاعر تؤثر على حياتك اليومية فمن الأفضل زيارة أخصائي نفسي.
أمَّا عن الخلافات مع زوجتك، فمن الطبيعي جدًّا أن تحدث توترات بين الزوجين عندما تكون الظروف صعبة والضغوط كبيرة، كلاكما يعاني، أنت من ضغط العمل والمسؤولية المالية والإرهاق النفسي، وهي من المرض ومن رؤية بناتها مريضات ومن التعامل مع زوج مرهق.
من المهم أن تتذكر أن زوجتك شريكة حياتك وسكنك، وأنها ليست عدوك، بل هي معك في نفس القارب، يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْواجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
حاول أن تجد وقتًا، ولو قصيرًا، للجلوس معها بهدوء والحديث عما تشعران به، وأن تخبرها أنك تفهم صعوبة وضعها وأنك تحتاج إلى دعمها وصبرها معك، وأنكما معًا بإذن الله ستتجاوزان هذه المرحلة.
من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله تعالى- أن تلجأ إلى الله بالدعاء والمناجاة، فالله -سبحانه وتعالى- هو يجيب المضطر إذا دعاه، وهو القادر على تبديل الأحوال من حال إلى حال، يقول الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾.
أكثر من الاستغفار، فإن الاستغفار يفتح أبواب الرزق ويزيل الهموم، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾.
واحرص على صلاة الفجر في وقتها، وعلى قيام الليل ولو ركعتين قبل الفجر، فإن في جوف الليل ساعة يستجاب فيها الدعاء، وأكثر من الصدقة ولو بالقليل، فإن الصدقة تطفئ الخطيئة وتدفع البلاء، وقد قال النبي ﷺ: «دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ».
ومن الأمور العملية التي قد تساعدك أيضًا أن تحاول تنظيم وقتك قدر الإمكان، وأن تخصص ولو دقائق معدودة في اليوم لنفسك، تخرج فيها إلى مكان مفتوح أو تمشي قليلاً، فإن الحركة والهواء الطلق يساعدان على تحسين المزاج وتخفيف الضغط النفسي.
وحاول أن تنام ساعات كافية، فإن قلة النوم تزيد من التوتر وتجعل الإنسان أكثر عصبية وأقل قدرة على التحمل، وإن كان لك أصدقاء أو أقارب تثق بهم، فلا تتردد في مشاركتهم بعض همومك وطلب دعمهم، فالإنسان لا يستطيع أن يحمل كل شيء بمفرده، والمؤمنون بعضهم لبعض كالبنيان يشد بعضه بعضًا.
وأمَّا عن شعورك بأن نفسيتك تنقلب بعد فترة من بدء العمل، فهذا قد يكون بسبب الإرهاق المتراكم وعدم أخذ قسط كافٍ من الراحة، أو قد يكون بسبب ضغوط العمل نفسه أو بيئة العمل غير المناسبة، أو قد يكون بسبب مشاعر القلق والاكتئاب التي تحتاج إلى علاج متخصص.
لذلك أكرر نصيحتي لك بزيارة أخصائي نفسي، فقد يساعدك على فهم ما يحدث معك ويعطيك أدوات للتعامل مع الضغوط بشكل أفضل، وقد يحتاج الأمر إلى علاج دوائي بسيط لفترة مؤقتة يساعدك على استعادة توازنك.
أخي الكريم: أريد أن أذكرك بأن الحياة دار ابتلاء، وأن الله لا يبتلي عبده إلا ليرفع درجته ويكفر عن خطيئته، وتذكر أن الفرج مع الكرب، وأن بعد كل عسر يسرًا، قال الشاعر:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضِيقُ بِهَا الْفَتَى *** ذَرْعًا وَعِنْدَ اللهِ مِنْهَا الْمَخْرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا *** فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
فلا تفقد الأمل، واصبر واحتسب، والتمس الفرج من عند الله، وأحسن الظن بربك، فإن الله عند حسن ظن عبده به، وتذكر أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، والقوة هنا ليست فقط قوة الجسد، بل قوة الإيمان والعزيمة والصبر على البلاء.
لا بد أن أذكرك -أخي الكريم- بأهمية الحفاظ على الصلوات الخمس في أوقاتها، فإن الصلاة راحة للنفس وطمأنينة للقلب، وقد كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وأكثر من قراءة القرآن، فإن في القرآن شفاء لما في الصدور وراحة للنفوس، يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾، وردد أذكار الصباح والمساء، فإنها حصن وحماية من الهموم والأحزان.
نسأل الله أن يشفي بناتك وزوجتك شفاء عاجلاً لا يغادر سقمًا، وأن يوسع عليك في رزقك، وأن يفرج كربك، وأن يشرح صدرك، وأن يجعل لك من كل هم فرجًا ومن كل ضيق مخرجًا، وأن يرزقك الصبر والثبات والسكينة، وأن يصلح بينك وبين زوجتك، وأن يجعل بيتكم بيت سعادة وطمأنينة، إنه سميع مجيب الدعاء.
والله الموفق.