تسببت في حزن والدتي وسمعتها تشكو مني، فكيف أرضيها؟
2026-02-03 23:30:09 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كانت والدتي تشكوني إلى أبي على أقلّ الأمور، وطبْعًا نيّتي كانت خيرًا ولا أقصد الإساءة، ولكن الأمر بدا لها على غير ذلك، وقد رأيت مدى حزنها وعمقه على أمرٍ لا أرى فيه خطأً (حيث كان يوجد عمال يرفعون أشياء إلى شقّة أخي، فقلت لها: أغلقي الباب بسبب الناس الصاعدين والنازلين، ومن غضبي حين وجدته مفتوحًا أغلقتُه بقوّة)، فهذا هو سبب حزنها مني.
ولمّا وجدتها حزينة ومكبّرةً للموضوع جدًّا، وشكوتها إلى أبي وجارتنا المقابلة، كنتُ في البداية أحسبه حديثًا عاديًّا؛ لأن الصوت كان هادئًا، ولكن عند إقبالي عليهم علمتُ أنّها كانت تشتكي مني.
وبعد ذلك، وأنا منصرف، قلت: "لا إله إلا الله، ربّنا يهدي، هذا والله له الجنّة"، قصدي على أبي بنيّة صبره الشديد، وبعدها ببُرهةٍ تذكّرتُ موقف الرجلين: أحدهما كان صالحًا والآخر غير صالح، فلمّا رأى الرجلُ الصالحُ الآخرَ في معصيةٍ قال له: أنت لن تدخل الجنّة، فحبطت أعمال الرجل الصالح وكُتب له النار، وكُتب للعاصي الجنّة؛ لأنّه تدخّل في أمرٍ من أمور الله.
فنزلت هذه القصّة عليَّ كالصاعقة، وخفتُ جدًّا أن أكون مثل الرجل الذي حبط عمله، والعياذ بالله، وبعدها استغفرتُ، لكن ما زال الرعب ينتابني، والبكاء في عيني.
أرجو سرعة الإجابة من فضلكم.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ معاذ حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.
بدايةً: نسأل الله أن يجزيك خيرًا على حرصك وخوفك من الوقوع في ما يغضب الله، فإن هذا الخوف في ذاته دليل خيرٍ في نفسك، وحسب - ما فهمنا من سؤالك - ما وقع منك مع والدتك كان تصرُّفًا اندفاعيًّا ربما في أسلوبه، لا في مقصده؛ إذ لم ترد الإساءة أو الإيذاء. وحزن الوالدة -وإن كان عميقًا – لا يلزم منه أن تكون قد وقعت في العقوق.
والواجب في مثل هذه المواقف هو المبادرة بالاعتذار، والرفق، واحتواء المشاعر، ولو كان الإنسان يرى نفسه غير مخطئ؛ فإن برّ الوالدين يقوم على الإحسان قبل المجادلة والمناقشة، قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
أمَّا ما ذكرتَه من قولك عن والدك على سبيل الثناء: (هذا والله له الجنة)، فليس فيه حكمٌ على المصير، ولا جزمٌ بجنة أو نار، وإنما هو رجاء وثناء على صبره، وهذا لا حرج فيه شرعًا، ما دام على وجه الرجاء لا القطع، ولم يصدر على سبيل الاعتراض على حكم الله أو تزكية النفس، وبإمكانك أن تضيف مشيئة الله إلى كلامك، حتى تخرج من أي حرج أو شك، كأن تقول: (هذا والله له الجنة بإذن الله).
أمَّا ما في قلبك فيعلمه الله إن كان قصدك الإساءة لوالدتك بالتلميح لصبر أبيك عليها، قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ ۚ إِن تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾، ولا شك أن هذا إذا قصد به التعريض فهو قصد جارح في حق والدتك، وعليك المبادرة بالاستغفار والتوبة والاعتذار من والدتك.
وأمَّا ما ذكرت من قصة الرجلين، فقد ورد في الحديث الصحيح أن رجلًا قال لآخر مذنب: «وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ»، فقال الله تعالى: «مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ قَدْ غَفَرْتُ لَهُ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ»، ووجه الخطأ في هذه القصة ليس مجرد الكلام عن الجنة أو النار، وإنما لأن هذا الرجل جزم بمنع رحمة الله، وتكلم وكأنه المتحكم في مصائر العباد، وأغلق باب التوبة على عبدٍ من عباد الله تكبرًا واغترارًا بعمله.
وهذا المعنى لا ينطبق عليك بحال؛ فأنت لم تحكم على أحد بالنار، ولم تمنع رحمة الله عن أحد، ولم تتكلم تكبرًا أو اعتراضًا –كما نحسب- بل على العكس، ما إن خطر لك الأمر حتى خفت، واستغفرت، وهذا كله دليل خير في قلبك وتعظيمك لحدود الله.
أمَّا الخوف الشديد الذي أصابك بعد ذلك، فهو في أصله خوفٌ محمود، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى رعبٍ أو قنوط، فإن الله أرحم بعباده من أن يؤاخذهم بمثل هذه الخواطر، ولا يحبط عمل عبدٍ خافه وراجع نفسه ولجأ إليه.
أخيرًا: لا تحمل نفسك ما لا تحتمل، واعلم أن باب الله واسع، وأن رحمته سبقت غضبه، واجتهد في الإحسان إلى والدتك باللين والكلمة الطيبة، وبادر إلى مراضاتها وإسعادها، وجبر خاطرها حتى وإن كان الحق لديك، ولا بأس في أوقات الرخاء أن تشرح وتوضح موقفك بالكلمة الطيبة والمعروف.
نسأل الله أن ييسر أمرك ويوفقك للخير.