أصبحت أخاف من العبادات لشدة الوساوس فيها، فما الحل؟
2026-02-09 01:15:18 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم
أنا مصابة بوساوس في العقيدة منذ 7 سنوات، وخلال هذه الفترة أصبت أيضاً بوساوس في العبادات؛ سواء في الاغتسال، أو الوضوء، أو النية، أو الصلاة، أو الصيام، وغيرها.
اغتسالي يستغرق ساعتين، ووضوئي يستغرق أربعين دقيقة، أصبح الأمر شاقاً ومنهكاً بالنسبة لي، لدرجة أنني أصبحت أخاف وأقلق من ذكر كلمة 'اغتسال' أو 'صلاة' أو 'وضوء' بسبب المشقة الشديدة المرتبطة بها، ناهيك عن المجهود النفسي والجسدي المبذول فيها.
مشكلتي ليست في تكرار غسل العضو أو الشك في غسله، بل على العكس؛ أكون واثقة من غسله، لكن مشكلتي تكمن في وجود 'قشف' وجلد ميت مرفوع بسبب عادة قضم الأظافر، والجلد المحيط بها، وهذا يستنزف وقتي، وكذلك لدي جلد مرفوع في الشفاه، ولا أعلم كيف أوصل الماء للمنطقة بين الأذن وشعر العذار.
أضف إلى ذلك الوقت المستغرق في النية والاستعدادات التي تسبق الوضوء والاغتسال؛ من حكّ الرجل بشيء صلب مخصص لإزالة الأوساخ، وإزالة 'العمص' من جفن العين لضمان وصول الماء بلا حائل، والتأكد من إزالة النجاسة (من صفرة أو كدرة) بمنديل لدرجة تجريح الفرج ونزول الدم! كما أنني في الاستنجاء أضطر للجلوس بوضعية القرفصاء، ولا أكتفي بالمرحاض العادي، خوفاً من وصول البول لمنطقة لا تظهر إلا بهذه الوضعية؛ مما يعني بقاء نجاسة على جسدي، هذا كله مع محاولة الوساوس بشتى الطرق لقطع نيتي، بينما أظل أنا في مدافعة وتبرير مستمر بأنني لم أقطعها.
كل هذه الأمور مرهقة، لدرجة أنني يجب أن أكون في كامل نشاطي لأستطيع الوضوء أو الاغتسال.
وكذلك في الصوم، فأنا لا أتكلم ولا أبتسم لكي لا تجف الشفاه وتنجرح، وأخاف أن أبللها بلعابي أو أتكلم فيخرج اللعاب إلى شفتي، فأدخل في مسألة 'بلع اللعاب بعد إخراجه' وأنه قد يفطر، فضلاً عن المحافظة على نية الصيام من القطع.
لقد أصبحت أخاف من العبادات؛ فمن المفترض أن أغتسل منذ يومين، لكن عند اقتراب الموعد أشعر بخوف وقلق شديدين فأمتنع، أتحسر كثيراً عندما أجد الناس يتوضؤون ويغتسلون بسهولة، بينما لا أستطيع أنا فعل ذلك.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أسماء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نرحب بك في استشارات إسلام ويب.
أيتها الفاضلة الكريمة: هذا الذي أنت فيه هو ما يمكن أن نعتبره قمة الطقوس الوسواسية ذات الطابع الديني، وطبعًا هذا الفعل فعل خاطئ تمامًا، وليس له أساس شرعي أبدًا، ومن هذه الناحية -إن شاء الله- سوف يفيدك الشيخ الدكتور/ أحمد سعيد الفودعي حفظه الله.
الشيء الأساسي هو أن يكون لديك نية صادقة للتقرر والتغيير، نية صادقة في ألَّا تعيشي مع الوسواس، وكما تفضلتِ يجب أن تكوني مثل بقية الناس، وهذا ممكن.
أيتها الفاضلة الكريمة: أنت تحتاجين لمعاون علاجي، فتخيري أحدًا من أسرتك؛ (أختك، والدتك، خالتك)، أي شخص يستطيع أن يعاونك في هذا الأمر، وتكون المعاونة في أن تُغلق جميع منافذ الماء، وتكتفي بأن تتوضئي من الإبريق، هذا مهم جدًّا، وكمية الماء يجب ألّا تتعدى لترًا، وهذا يكفي تمامًا، وحين تبدئين الوضوء ومعك المعالجة المرافقة أو المساعدة، افتحي كاميرا التلفون، ثم ابدئي في خطوات الوضوء:
- ابدئي بـ "بسم الله الرحمن الرحيم".
- ثم تغسلين يديك ثلاثًا، وبعد الانتهاء تؤكدين على نفسك أنك قد قمت بغسل يديك دون أي نوع من التدقق أو التنطع الذي تحدثتِ عنه.
- ثم بعد ذلك المضمضة، والاستنشاق، ثم الاستنثار، وهكذا.
- وعند كل غسل عضوٍ أو مسحه تؤكدين لنفسك أنك قد قمت بالفعل، وتنظرين إلى الكاميرا.
- ولا بد أن تراعي الوقت، فلا يزيد عن ثلاث دقائق أبدًا.
- ودائمًا تنظري لما تبقى من الماء، مثلًا أمامك الوجه واليدين والرجلين، وهذه طبعًا تحتاج لماء أكثر.
هذا تمرين عملي، وتمرين ممتاز جدًّا، ومهما استحوذ عليك الوسواس يجب ألَّا تنصاعي له، ادخلي في صلاتك دون أي توترات أو قلق، وهذا ينطبق أيضًا على موضوع الغسل، يجب أن تغلقي صنبور الماء وتضعي ماء في إناء، (في جردل، في إبريق)، في أي شيء يمكن الاغتسال به.
هذه تمارين عملية، تمارين سليمة، تمارين مفيدة، تمارين مجربة، وطبعًا حين تقدمين على هذا الفعل السلوكي العلاجي سوف تحسين بقلق شديد ونزاع شديد جدًّا داخلي، وسوف تفرض عليك الوسوسة أن ما قمت به هو باطل، ولا يمكن أن تصلي على هذه الحالة، لكن هذه الفكرة يجب أن تُحقِّريها وترفضيها رفضًا باتًّا.
وهكذا، إذا عالجت موضوع الوضوء، بقية الوساوس والطقوس الوسواسية سوف تُعالج، هذا مجرب تمامًا، وطبعًا ذهابك إلى طبيب نفسي، أنا أراه أيضًا أمرًا مطلوبًا إذا كان ذلك ممكنًا.
البشرى الكبرى التي أزفها إليك هي أن الأدوية سوف تساعدك، نعم، الأدوية سوف تقلل التوتر، سوف تقلل الاندفاع نحو ممارسة هذه الطقوس الوسواسية، وطبعًا توجد أدوية كثيرة جدًّا من أفضلها العقار الذي يعرف باسم الـ (فافرين - Faverin)، واسمه العلمي (فلوفوكسامين - Fluvoxamine)، وتبنى الجرعة تدريجيًّا إلى أن تصل إلى (300 ملجرام) في اليوم، وهذه هي الجرعة العلاجية بالنسبة لك والتي يجب أن تستمري عليها لمدة ثلاثة أشهر، ثم بعد ذلك تخفضي الجرعة تدريجيًّا.
وتوجد أدوية أخرى مثل الـ (زولفت - Zoloft)، والذي يسمى (سيرترالين - Sertraline)، وكذلك الـ (فلوكسيتين - Fluoxetine)، وهو الـ (بروزاك - Prozac) من أفضل الأدوية، ودائمًا في مثل هذه الوساوس الشديدة والمطبقة نستعمل أيضًا أدوية تدعيمية، مثل الـ (رسبيريدون - Risperidone) بجرعات صغيرة.
أيتها الفاضلة الكريمة: أرجو أن يكون منهجك دائمًا قائمًا على تحقير الوساوس وتجاهلها، وعدم الخوض فيها مهما كانت ملحة، نعم، حالتك يمكن أن تعالج وتعالج بصورة فاعلة جدًّا، وأرجو أن يكون قرارك حاسمًا في ألَّا تكون الوساوس جزءًا من حياتك، وهذا يقتضي أن تدخلي في برنامج علاجي ذي جدية ومهنية وانضباط.
بارك الله فيك وجزاك خيرًا وبالتوفيق والسداد.
___________________________________
انتهت إجابة د. محمد عبد العليم -استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان-،
وتليها إجابة د. أحمد الفودعي -مستشار الشؤون الأسرية والتربوية-.
___________________________________
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارة إسلام ويب، نسأل الله تعالى بأسمائه وصفاته أن يكتب لكِ عاجل العافية والشفاء من هذه الوساوس، ويريحكِ من شرها.
ونود أولًا -أيتها البنت الكريمة- أن نلفت انتباهكِ إلى أن هذا الطريق الذي تسيرين عليه مخالف تمامًا للطريق الذي أراده الله تعالى لكِ وشرعه لكِ رسولنا ﷺ، فإن الله تعالى أخبرنا في كتابه أن دينه سهل يسير، ففي آية الوضوء من سورة المائدة يقول سبحانه وتعالى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
والرسول ﷺ أخبرنا في أكثر من حديث أنه بُعث بالتيسير والتسهيل، فقال ﷺ: «إنَّما بُعثتُ مُعلِّمًا مُيسِّرًا»، وقال: «يَسِّرُوا وَلَا تُعسِّروا»، وقال ﷺ: «إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ»، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.
ومن رخص الله تعالى وتسهيلاته ترخيصه للمريض، فالمريض -لأنه في حالة استثنائية- شرع الله تعالى له أحكامًا لم يشرعها للإنسان الصحيح، فإذا كلَّف نفسه وشقَّ على نفسه وأرهق نفسه بالتكاليف الصعبة عليه، فإنه بذلك يكون مُباعدًا لما شرعه الله تعالى له من اللطف والرحمة والتيسير في الأحكام، فإن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه.
والموسوس أصيب بنوع من المرض، ولهذا شرع الله تعالى له أحكامًا يتخفَّف بها حتى يتسهَّل له أمر العبادة وينجو -بإذن الله تعالى- من شر هذه الوساوس، ومن هذه التسهيلات والتيسيرات أن الله تعالى شرع له ألَّا يلتفت إلى الوسوسة في أمور عباداته، فيفعل العبادة على الوجه المعتاد الذي يفعله سائر الناس، ثم لا يبالي بعد ذلك بأي شكوك أو أوهام أو وساوس تَرِد عليه، فإذا فعل هذا فإنه -بإذن الله تعالى- سيتغلَّب على هذه الوساوس.
فالوضوء ليس فيه إلَّا غسل هذه الأعضاء، والواجب مرة واحدة فقط، والزيادة على المرة إلى ثلاث سنن، والزيادة عن الثلاث اعتداء في الطهور، وكذلك في الاغتسال الواجب صب الماء على البدن بحيث يصل إلى جميع ظاهر البدن، وما زاد على ذلك ممَّا جاء به الرسول ﷺ سُنَّة.
وما تعانينه من وجود قِشر يابس للجلد، أو وجود بعض الوسخ الذي قد يتجمَّع تحت الأظفار، أو غير ذلك، قد رخص فيه كثير من العلماء؛ لأنه أمر معتاد، فالناس -لا سيما في زمن الرسول ﷺ وهم يعملون في مزارعهم وفي تجارتهم- لا يخلو حالهم من هذا، ومع ذلك لم يُناقش الرسول ﷺ هذه الجزئيات، فكان الواحد منهم يَصُبًّ الماء على عضو الوضوء ويمشي.
فهذه هي العبادة المطلوبة منكِ فقط، كل ما تفعلينه من تَشدُّد في كيفية الغسل أو في الشك في النية، أو في غير ذلك، أمر لم يشرعه الله تعالى، إنما ثقَّلتِ به أنتِ على نفسكِ، وهو من كيد الشيطان ومكره، فإنه حريص على أن يُثقِّل عليكِ العبادة حتى تصلي إلى هذه النتيجة التي وصلتِ إليها وهي الرعب والخوف من العبادة فتتركين العبادة بالكلية.
فلا تطيعي هذا الشيطان، وامتثلي لقول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}، فالله تعالى لا يرضى منكِ أبدًا بأن تسيري في هذا الطريق، وإن حاول الشيطان أن يُظهره لكِ بأنه الحرص على الدِّين والاحتياط له، والحرص على العبادات، فكل هذا من كيده ومكره، الله تعالى يحب التيسير عليكِ، وهو الذي يجازيكِ على هذه الأعمال، ويرضى أن تفعلي ما شرعه لكِ فقط دون زيادة عليه، وقد قال الرسول ﷺ: «اكْلُفُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُون».
فإذا أقلعتِ عن هذه الوساوس، وحاولتِ مقاومتها، وفعلتِ بهذا التوجيه الذي ذكرناه لكِ، فإنكِ ستتغلبين -بإذن الله تعالى- على هذه الوساوس قريبًا.
أكثري من الاستعاذة بالله تعالى من الشيطان الرجيم كلما دهمتكِ الوساوس، ولازمي ذكر الله سبحانه وتعالى، وخذي بمنهج التيسير في شأن الموسوس، افعلي العبادة كيفما تيسر لكِ دون مبالغة أو تنطع، فالرسول ﷺ يقول: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُون»، وإذا صبرتِ على هذا الطريق فإنكِ ستُشفين بإذن الله، وكذلك ننصحكِ بالأخذ بالأسباب الحسِّية من التداوي، فما أنزل الله داءً إلا وأنزل له دواءً.
نسأل الله تعالى أن يُذهب عنكِ شر هذه الوساوس ويُريحكِ منها.