كيف أتعالج نفسيًّا من أقدار الله وهي أصلاَ أقدار الله؟

2026-02-09 00:19:44 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كيف يتعالج الإنسان نفسيًّا من أقدار الله، وهي أصلًا أقدار الله؟ فكأنّ الواحد غير راضٍ بها ولا يقبل بما قدّره الله.


الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارة إسلام ويب، نشكر لك تواصلك بالموقع.

سؤالك هذا -أيها الحبيب- سؤال جميل، وهو أيضًا سؤال كبير، ومعرفة الإجابة عنه سبب لطمأنينة النفس وانشراح الصدر وراحة القلب، والإجابة عنه تولاها الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم، وعالجها رسوله الكريم ﷺ في أحاديث كثيرة تمثل الدعم النفسي للإنسان المؤمن عند نزول مقدور الله تعالى به، ولاسيما المقدور المكروه.

وأول هذا الدواء الداعم لهذه النفس والمثبت لها عند وقوع المقادير المكروهة: إيمان الإنسان بأن قدر الله تعالى سابق لوجوده هو، وأن الله تعالى قد قدَّر الأمور قبل أن يخرج هذا الإنسان إلى هذا الوجود، كما قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».

وهذه الحقيقة ذكرها الله تعالى في كتابه الكريم على سبيل المواساة والتخفيف عن هذا الإنسان المؤمن، فقال سبحانه: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}؛ أي لكي لا تحزنوا على الشيء الذي فاتكم، فإذا آمنتم بأن هذا مكتوب وأن قدر الله تعالى لا بد وأنه سيقع، أيقنتم أنه ليس في قدرتكم أن تُغيِّرُوا هذا المقدور، فهان عليكم الأمر لأنكم تُدركون أنه ليس بيدكم أنتم، فتقلَّ الحسرة على فوات الشيء المحبوب، ويقلَّ الحزن والألم بوقوع الشيء المكروه.

ثانيًا: أن يؤمن الإنسان أن الله تعالى الذي قدَّر هذه المقادير لم يقدرها عبثًا، ولكنه قدرها -سبحانه وتعالى- لحكم كبيرة بليغة، وهو -سبحانه وتعالى- الرب الرحيم، اللطيف، الودود، هو أرحم بنا من أنفسنا، وإذا آمن الإنسان بهذه الأوصاف الجميلة لهذا الخالق المقدِّر المدبِّر، فإن نفسه تطيب ويعرف حينها أن الله تعالى لم يُقدِّر عليه شيئًا مكروهًا إلَّا لمصالح كثيرة وراء هذا المقدور، قد يدركها قريبًا وقد لا يُدركها إلَّا بعد وقت طويل.

وقد ضرب الله تعالى لنا أمثلة كثيرة من أخبار عباده الصالحين، وعلى وجه الخصوص أحب الخلق إليه وهم الأنبياء؛ فلك أن تتصور -أيها الحبيب- كيف كان سيصل يوسف -عليه الصلاة والسلام- إلى ملك مصر وأن يصير عزيز مصر والآمر الناهي فيها؟ كيف كان سيصل إلى هذا المنصب العالي الرفيع في بلدٍ غير بلده؛ لولا تلك الرحلة من المعاناة والأقدار المكروهة التي قدَّرها الله تعالى عليه؟ فيُرمى في البئر، ثم يُؤخذ كسلعة، ثم يُباع في سوق العبيد في مصر، وهو أكرم الناس وابن أكرم الناس، ثم يُرمى في السجن ظلمًا وعدوانًا؛ كل هذه المحن والأقدار المكروهة جعلها الله تعالى مراحل ومحطات في هذه الرحلة الطويلة التي تنتهي بأن يصير عزيز مصر وحاكمها.

وهكذا -أيها الحبيب- كل قَدرٍ وراءه حكمة بليغة، إذا تأملت الأحداث كلها ستجدها تجري بهذا المنوال، وعلى هذه الطريقة، ولكن الإنسان قد لا يصبر ويجزع سريعًا؛ لأنه لا يدرك العواقب والنهايات، فإذا قصر عقله عن إدراك هذا ينبغي أن يُسلِّم ويصبر على أقدار الله، ويعلم أن الصبر هو العبودية المطلوبة منه، وأن جزاءه الجنة، وأن ثوابه بغير حساب جزاء صبره، فإذا آمن بهذه الحقائق أيضًا وأنه مثاب مأجور؛ سَهُلَ عليه تحمل الأقدار المكروهة.

بهذا النوع -أيها الحبيب- من التأمُّل الواعي المتأني في النظر في قدر الله تعالى أنه نافذ لا محالة، وأن الذي قدَّره قدَّره بحكمة ورحمة، وأن من ورائه مصالح كثيرة قد يُدركها الإنسان وقد لا يُدركها، وأنها مرحلة وتنقضي ثم يأتي بعدها الفرج، ويأتي التيسير بعد العسر، والفرج بعد الكرب، والسرور بعد الهم والضيق؛ إذا أحسن الإنسان ظنَّه بالله تعالى الْمُقدِّر لهذه الأقدار وظنَّ به الظنَّ الجميل؛ فإن ذلك يكون سببًا لراحة نفسه وطمأنينة قلبه.

فالمؤمن ينبغي له أن يُكثر التأمل في هذا الجانب، ويُكثر من قراءة آيات الله تعالى وأحاديث رسوله -صلى الله عليه وسلم- في هذا المعنى وكلام العلماء، وبذلك يتداوى -بإذن الله تعالى- من ألم النفس وجزعها عند نزول المكروهات.

نسأل الله أن يوفقنا وإياك لكل خير.

www.islamweb.net