أريد نصيحة للرجوع إلى سابق عهدي من الاجتهاد في الصلاة والعبادات..
2026-02-09 01:48:23 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
قبل سنتين التزمتُ بالدين وعدتُ إلى الصلاة بعد انقطاعٍ دام سنةً وأشهرًا، وأصبحتُ أنشر محاضراتٍ دينيّةً على فيسبوك من أجل أن تعمّ الفائدة ويستفيد منها أصدقائي، لكن حدثت لي مشاكل بسبب ذلك، وتعرّضتُ للأذى والظلم الشديد، والكذب عليّ والبهتان، فتوقّفتُ عن نشر المحاضرات.
المشكلة أنّني الآن أصبحتُ أتكاسل عن الذهاب إلى المسجد وأصلّي في المنزل فقط، وأشعر أنّ قلبي قد مات بعد أن كان ممتلئًا بالإيمان؛ فقد كنتُ أصلّي صلواتي في المسجد وأؤدّي النوافل، لكنني الآن أصلّي الفرائض فقط وبسرعة، أي لا أدعو في الصلاة، وأشعر أنّني أصلّي وكأنني مُجبَر.
بالإضافة إلى ذلك، لم أصلِّ العديد من الصلوات في وقتها بسبب الدراسة، فهل من نصيحة؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ أحمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فما تصفه لا يصدر عن قلبٍ مات، بل عن قلبٍ تعب، والفرق بين الأمرين كبير، القلب الميت لا يشتكي، لا يتألم، لا يتحسّر على ما فاته، ولا يسأل: لماذا تغيّرت؟ أمّا أنت، فحديثك كلّه وجع على حالٍ كنتَ عليه، وخوف من أن تضيع منك الطريق، وهذا بحدّ ذاته دليل حياة لا موت، فاحمد الله تعالى ابتداءً على هذه النعمة، وأتبعها بالعمل والتغيير.
أخي الكريم: دعنا نكون صادقين بهدوء: ما حصل لك ليس انتكاسة إيمان، بل صدمة دعوية، دخلت باب الخير بنيّة صالحة، نشرت محاضرات لتعمّ الفائدة، ثم فوجئت بالأذى والبهتان والكذب، وهذا باب قديم جدًّا، دخله قبلنا الأنبياء والصالحون، قال تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾، فما أصابك ليس دليل خطأ الطريق، بل من سُننه، وتلك سنة جاريةٌ في الأولين والآخرين.
لكن النفس –إذا لم تُفهم– تفعل أمرًا خطيرًا: تربط بين الطاعة والألم، فتنكمش، لا تترك الصلاة، لكنها تؤديها بلا روح، لا تترك المسجد عنادًا، بل هروبًا من وجع قديم، وهذا ما أنت فيه الآن، أريدك أن تفهم حقيقة مهمة: الفتور بعد الأذى ليس نفاقًا، بل ضعفًا بشريًا يحتاج علاجًا لا جلدًا.
وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةً، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً»، أي أن الفتور مرحلة طبيعية، لكن الخطر أن نستسلم لها، أمّا شعورك بأنك تصلي رغمًا عنك، فهذا لا يعني أن الصلاة بلا قيمة، بل على العكس؛ هذه من أعظم صور المجاهدة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.
أن تصلي وأنت متعب خيرٌ من أن تترك الصلاة وأنت مرتاح، فإن من الناس من لا يصلّي إلَّا إذا شعر، أمّا أنت فتصلِّي لأنك تعلم أن الله تعالى حقٌّ، وهذا إيمان صامت لكنه صادق.
وأما تقصيرك في بعض الصلوات بسبب الدراسة، فانتبه هنا، لا تجعل الشيطان يوسّع الذنب حتى يخنقك، نعم، تأخير الصلاة ذنب، لكن بابه التوبة والتنظيم لا اليأس، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، اقضِ ما استطعتَ، واستغفر عما عجزتَ عنه، واعزم بصدق على المحافظة، والله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها.
أما الحل، فلا يكون بالقفز إلى ما كنتَ عليه فجأة، بل بالعودة الهادئة المتزنة:
أولًا: أعد بناء علاقتك بالله تعالى بعيدًا عن أعين الناس، لا تنشر، لا تدعو، لا تحمل همّ الإصلاح الآن، خُذ وقتك لتُصلح قلبك أنت، العبادة في الخفاء بعد الأذى دواء عظيم، وقد قال ﷺ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ ... وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ».
ثانيًا: لا تحرم نفسك من المسجد، لكن لا تكلّفها فوق طاقتها، فإن استطعت صلاة واحدة يوميًا في المسجد فافعل، ولو كانت العشاء، واعلم أن الثبات القليل خير من الانقطاع الكامل، قال ﷺ: «أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ».
ثالثًا: أبطئ في الصلاة عمدًا، لا تطل، فقط أبطئ، اقرأ الفاتحة بهدوء، وسبّح ثلاثًا وأنت حاضر، ولا تبحث عن خشوعٍ كامل؛ الخشوع ثمرة، وليس زرًّا يُضغط عليه.
رابعًا: افصل بين الدين وتجربة الناس، فالذي آذاك بشر، لا الشريعة، والشيطان يحاول دائمًا أن يجعلنا نعاقب علاقتنا بالله تعالى بسبب أذى الناس، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، فكيف بأن نترك الخير أصلًا؟
خامسًا: أكثر من هذا الدعاء، فهو دعاء القلوب المتعبة: "اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"، وكان النبي ﷺ يكثر منه، وهو المعصوم، فكيف بنا؟
وأختم لك بهذه الحقيقة:
- الإيمان لا يُقاس بلحظة نشاط، بل بالعودة بعد التعب.
- وربّ عبدٍ انكسر في طريق الدعوة، فصار أقرب إلى الله تعالى من عبدٍ لم يُكسر قط.
- لا تحكم على قلبك بالموت، وأنت ما زلت تقف بين يديه سبحانه وتعالى، ولو بتثاقل، هذا ليس موتًا، هذا بداية شفاء.
- انهض خطوة واحدة فقط، والله تعالى يتكفّل بإعانتك.
وفقك الله لطاعته.