تراجعت عن الإنكار باللسان بسبب المشكلات التي حدثت، فما توجيهكم؟
2026-03-15 03:12:38 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا أشعر بثقل في جسدي وفي لساني عندما أزيد من قراءة القرآن أثناء القيام في الصلاة، وكأن هناك من وضع حجرًا ضخمًا، وأحافظ على صلواتي وأذكاري، فهل هذا طبيعي؟
كما أن الله منّ علي بالالتزام؛ فقد مررت بفترة تقصير في علاقتي بالله، ولكن الله من علي بالهداية، وأزال عني هذه الغفلة -بفضل الله-، وكنت في هذه الفترة أنكر على كل من حولي إذا رأيت منهم ذنبًا أو تقصيرًا، وهم لم يتعودوا مني على ذلك، حتى زوجي، ولكنهم كرهوا مني ذلك، حتى أصبح زوجي يغضب مني كثيرًا حين أحدثه عن أمر هو مقصر فيه، وازدادت المشاكل بيننا، حتى وصلت إلى أنه هددني بالطلاق، فخفت، وتراجعت، وأصبحت أنكر بقلبي فقط.
ولكن حينما فعلت ذلك شعرت أن الله غير راض عني، كما أن الكثير من الأمور التي من الله بها عليّ اختفت من حياتي؛ فقد كنت عندما أفتح القرآن أجد الآيات التي تطمئن قلبي، وتحدثني عما يشغلني، وكيف الخلاص منه، ولكن هذا لم يعد يحدث.
أنا حزينة جدًا؛ لأنني فقدت ذلك الشعور الجميل الذي بيني وبين ربي، ولا أعلم هل ما وصلني من مشاعر حقيقية أم ماذا؟
لا أدري إن كنت على الطريق الصحيح أم لا؟ فقد أصبحت الآن أنكر على استحياء؛ حتى لا أقع في هذه المشكلات مرة أخرى، ولكني حزينة على ما مضى، وأشعر أن الله قد أعطاني ذلك الإيمان القوي ثم أخذه مني بسبب فعلي.
أريد منكم النصيحة: ماذا أفعل؟ هل أنا على صواب أم لا؟ وماذا أفعل لأرجع ذلك الإيمان الذي شعرت بحلاوته؟ وقد كنت مستعدة لأخسر أي شيء مقابل ذلك الشعور، حتى بيتي وزوجي، ولكني تراجعت.
أرجو أن تفيدوني ولا تتركوني في حيرتي هذه، وجزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ منى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله أن يصرف عنا وعنكِ كل سوء ومكروه، وأن يكتب لكِ السعادة.
ونبدأ بما انتهيتِ أنتِ به في سؤالكِ، فنقول:
أحسنتِ كل الإحسان حين تراجعتِ عن التضحية ببيتكِ وزوجكِ من أجل أن ترجعي إلى الحالة التي ذكرتها في السؤال، وهذا التراجع من توفيق الله تعالى لكِ، فاحمدي الله تعالى كثيرًا الذي منعكِ من أن تُقدِمي على هذا التصرف الذي كان من المؤكد أنكِ ستندمين عليه بعد ذلك، وستتحسرين بسببه، ولكنَّ الله تعالى لطف بكِ، وهو -سبحانه وتعالى-؛ أرحم بكِ من نفسكِ، وأمكِ، وأبيكِ، وهو مع هذه الرحمة الواسعة التي يتصف بها -سبحانه وتعالى- هو أعلم بمصالحكِ من نفسكِ، ففوّضي أموركِ إلى الله، وننصحكِ بأن تمشي في طريقكِ على نور من الله، وعلى بصيرة من دين الله تعالى.
فالغيرة على شرع الله تعالى، وعلى وقوع الناس في المحرمات أمر مطلوب ومحبوب، وينبغي أن يكون المسلم عليه، لكن نهي الناس عن المنكر يحتاج إلى مؤهلات في هذا الإنسان الذي يتولى النهي عن المنكر، أوّل هذه المؤهلات:
1. العلم؛ بأن يعلم أن هذا الشيء الذي ينهى عنه هو منكر بإجماع المسلمين، أي لا يكون فيه خلاف بين العلماء، بحيث يكون بعض الناس الذين عملوا به يكونون قد عملوا؛ لأنه عرف أن بعض العلماء يقول بأنه يجوز، فيأتي شخص آخر ويُنكر عليه هذا؛ لأن هذا الآخر يعتقد أن هذا الشيء حرام، فهذا ليس من الإنكار المشروع الذي شرعه الله وطلبه مِنَّا.
2. من المؤهلات أيضًا: النظر في مآلات الأمور، ونهايات الأمور: فالقصد من إنكار المنكر هو إزالة المنكر، ولهذا إذا كان المنكر الذي ننهى عنه سيزول ثم يأتي محله منكر أكبر منه، فإن الشريعة تقول لنا لا ننهى عن المنكر الأول؛ لأننا لم نفعل شيئًا إلا أننا كبّرنا المفسدة، واستجلبنا مضرة كانت معدومة.
3. فبهذا تعرفين أن الأمر -إن شاء الله تعالى- سهلٌ يسير، وأنكِ لستِ في حرج شرعي من ترككِ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض المواقف التي يقع عليكِ فيها ضرر إذا نهيتِ عن المنكر، وهذا أيضًا من شروط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ألَّا يتضرر الإنسان ضررًا بينًا؛ لأنه ينهى عن المنكر.
فدين الله تعالى -أيتها البنت الكريمة- سهل يسير كما قال الرسول ﷺ: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ)، والله تعالى قال: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ}، وقال سبحانه وتعالى: {طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}، فالله لم ينزل الدين ليكون مصدر شقاء لنا وتعاسة وعذاب وندامة، إنما أنزله ليكون سببًا للسعادة حين نفهمه فهمًا صحيحًا، ونطبقه تطبيقًا صحيحًا، نسأل الله بأسمائه وصفاته أن يفقهنا وإياكِ في الدين.
أمَّا ما ذكرتِ من الأمور الأخرى التي تعتريكِ أحيانًا عند قراءة القرآن في الصلاة، فلا نستطيع أن نُفسِّره تفسيرًا محددًا، وأنتِ بحاجة إلى أن تعرضي نفسكِ أولًا على أطباء؛ لمعرفة هل هناك مرض بدني بسبب القيام مثلًا والوقوف؟
لكن على كل حال نحن ننصحكِ باستعمال الرقية الشرعية؛ فإنها أدعية وأذكار تنفع الإنسان، سواءً كان به آفة ومرض، أو لم تكن به آفة ومرض، فأكثري من ذكر الله تعالى، أكثري من قراءة سورة البقرة وكرريها، اقرئيها وانفثي أثناء قراءتكِ لها، وبعد القراءة، وانفثي -أي أخرجي من فمكِ الهواء مصحوبًا بقليل من الريق- انفثي في هذا الماء واغتسلي منه واشربي منه.
اقرئي سورة البقرة بهذه الطريقة، وخاصة آية الكرسي، والآيتين الأخيرتين من سورة البقرة، ولو قَدرتِ على تكرار سورة البقرة كثيرًا فهو خير وبركة، واقرئي الآيات التي فيها إبطال السحر والعين، {وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}، واقرئي {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}، و{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ}، فهذه الرقية الشرعية تنفعكِ بإذن الله تعالى.
نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يُقدّر لكِ الخير حيث كان، ويصرف عنكِ كل سوء ومكروه.