أقوم بتربية يتيمتين من أقارب زوجي ولكني تعبت منهما، فماذا أفعل؟

2026-03-24 23:57:17 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أنا أربي يتيمتين (ابنتي أخي زوجي المتوفى) في بريطانيا، هما تعيشان معي منذ أكثر من سنة، وهما في عمر المراهقة، وقبل ذلك لم يكن لديهما مكان مستقر؛ أحياناً عند الجدة أم والدتهما، وأحياناً عند أمهما المتزوجة، وأحياناً عند جدهما والد الأب، فقررتُ أنا وزوجي أن تعيشا عندنا، ولكن بمجيئهما عندنا في بريطانيا ابتعدتا عن أمهما، وذلك سبب لهما أذى نفسياً في البداية، دائماً كانتا حزينتين وتبكيان لأي سبب.

الحمد لله، الآن استقر وضعهما وهما سعيدتان عندنا، لكن كلما مرت الأيام أشعر بثقل أكبر تجاههما، لم أكن أعلم أن تربيتهما صعبة وحمل مسؤوليتهما أصعب، وخاصة أنهما تعانيان من استيعاب ضعيف، ولم يكن وضعهما الدراسي مستقراً في بلدنا الأصلي، بسبب ظروف البلد؛ فهما لا تجيدان القراءة والكتابة بالعربية، ومعلوماتهما الدينية تقريباً معدومة، ودائماً هما في شجار مع بعضهما أو مع أطفالي، تتكلمان كثيراً ولا تسمعان الكلام، وإن سمعتا تسمعان مجبرتين.

والله أحاول قدر جهدي أن أحسّن من أخلاقهما وسلوكهما من جميع النواحي؛ كالنظافة وآداب الطعام والجلوس والصلاة، لكنهما تستجيبان ببطء، وإن تركتهما يوماً بدون تذكير -وخاصة بالصلاة- لا تصليان، وإن تركتهما بدون أن أطلب منهما أن تستحما لا تستحمان، وإن تركتهما ولم أطلب ترتيب وتنظيف غرفتهما لا تنظفانها، رغم أنهما منذ أكثر من سنة عندي، علمتهما ونصحتهما كثيراً.

أصبحتُ هذه الأيام عصبية ولا أطيق الرد عليهما، ولا على أولادي حتى، سئمتُ الوضع وأنهار من البكاء أحياناً، وأنا الآن في هذه الأيام الفضيلة أدعو الله أن يعينني على تربيتهما تربية صالحة، وخاصة أن زوجي -الذي هو عمهما- لا يساعدني في تربيتهما ولا حتى تربية أطفالي؛ هو من النوع الذي ما زال يظن أن التربية من ناحيته هي العمل وتوفير المال فقط، وهو عصبي جداً.

وأنا لا أخفيكم، عندما أتضايق أشكو له سوء تصرف البنات معي (مثل الكذب أو الكلام البذيء أو الضرب)؛ لأنني لا أقدر على إصلاح الأمور دائماً، وهو لأنه عصبي ينهرهما؛ ويرفع صوته عليهما؛ والله لا أقصد أذيتهما ولا حتى زوجي، فقط نريد أن تتحسنا، لأنهما بالحسنى لا تستجيبان، وبالصراخ تستجيبان فوراً، وهذا لا يحصل إلا نادراً، ولأسباب كبيرة كما أوضحت؛ كالكذب والضرب أو التهاون باللباس، ومرة وضعتا المكياج والزينة عند الذهاب إلى المدرسة، رغم أنني أمنع ذلك، وهما تعرفان، وأخبرتهما بالحكم الشرعي لهذه الأفعال، ولكن لم تسمعا كلامي.

الله خير شهيد على كلامي، فهل بذلك أكون أنا وزوجي قد ظلمناهما أو آذيناهما؟

أطلب منكم الدعاء لي.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ نسرين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكركم على تواصلكم معنا وثقتكم بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تحملين على كاهلك أمانة جسيمة، وتقومين بدور لا يقدر عليه كثيرون، فأنت تربين يتيمتين في بلاد الغربة، بكل ما يعنيه ذلك من تحديات نفسية وتربوية ومادية واجتماعية.

وما وصفتِه من إرهاق ومن دموع تنهمر، ومن ثقل يتراكم يومًا بعد يوم، هو دليل على أنك إنسانة حساسة ذات ضمير حي، تأبى أن تقصر في حق من كُلِّفت برعايتهن؛ وهذا الإحساس بحد ذاته، رغم ما يصاحبه من ألم، هو علامة على صدق نيتك وعمق تقواك.

ولا تحسبي أختي أن ما تمرين به استثناء، بل هو القاعدة لكل من يتصدى لمثل هذا الدور النبيل؛ فالإرهاق الذي تصفينه في علم النفس الحديث يُسمى إرهاق مقدمي الرعاية، وهو ظاهرة موثقة، تصيب أكرم الناس قلوبًا وأشدهم التزامًا، وليس فيه أي تقصير في حقهن.

قبل أي شيء آخر، لا بد أن تعلمي -أختي الكريمة- أن ما تفعلينه هو من أعظم القربات إلى الله عز وجل، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى وفرَّج بينهما)، رواه البخاري.

فأنتِ لا تربين فتاتين فحسب، بل تبنين جسرًا بينهما وبين رحمة الله، وتسدين ثغرة خلّفها الموت والحرب والتشرد، وكل لحظة صبر تصبرينها، وكل دمعة تذرفينها من الإجهاد، وكل محاولة تبذلينها لتعليمهن الصلاة أو النظافة أو الأدب، هي في ميزان حسناتك يوم القيامة، إن شاء الله، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ﴾ (الضحى: 9)، وأنتِ بعيدة كل البعد عن القهر، بل أنتِ تعطين من وقتك وصبرك وجهدك وروحك.

لكي نضع النصائح العملية في سياقها الصحيح، لا بد أن ننظر إلى الصورة الكاملة لحياة هاتين الفتاتين قبل مجيئهما إليك؛ لأن فهم الجذور هو مفتاح التعامل مع الثمار.

فهاتان الفتاتان مرتا بتجارب قاسية في سن الطفولة والمراهقة المبكرة؛ فقدان الأب، وعدم الاستقرار بين الجدة والأم والجد، والتشرد الدراسي في بلاد تشهد صراعًا، ثم الانتقال إلى بلد جديد بلغة مختلفة، مع البعد عن الأم، وكل هذه التجارب تُحدث في النفس ما يُسميه المتخصصون جرح الارتباط، أي أن الطفل الذي لم يختبر الأمان والاستقرار، يصعب عليه الثقة بأي بيئة جديدة أو الالتزام بأي نظام؛ لأنه في قرارة نفسه يتوقع أن يكون هذا الاستقرار مؤقتًا.

وما يبدو لك تمردًا أو تكاسلاً، أو عدم استجابة للتوجيه، هو في كثير من الأحيان انعكاس لهذه الجروح النفسية غير المعالجة، لا إصرارًا على العصيان، وكون وضعهن استقر الآن وهن سعيدات عندك، كما أشرتِ، هو مؤشر إيجابي جدًا يدل على أن الأرض الخصبة موجودة، وأن الثمار ستأتي ببطء، لكنها ستأتي.

أما مسألة الاستيعاب الخفيف التي أشرت إليها، فهذه تستوجب تعديل التوقعات، لا بمعنى التساهل في القيم والمبادئ، بل بمعنى تبسيط التعليمات وتكرارها بصبر أكثر، وعدم الاستغراب إذا احتاجت الفكرة الواحدة إلى مئة تكرار قبل أن تترسخ.

أختي الكريمة، الإجابة على سؤالك المحوري: هل تظلمينهن أنت وزوجك؟ والله لا تظلمينهن، ولا تؤذينهن، وما قمتِ بوصفه من رفع الصوت عليهن في حالات الكذب، أو الضرب، أو التهاون بالحجاب، هو تأديب مشروع، وليس ظلمًا.

والفرق بين التأديب والقهر بيِّن؛ فأنتِ تفعلين ذلك من موقع الرعاية والحرص على مستقبلهن، لا من موقع الكراهية أو الانتقام، ورفع الصوت لأسباب جوهرية -كتلك التي ذكرتِ- هو استجابة بشرية طبيعية، ولا ينبغي أن يُحمل منك وزر الذنب.

غير أنه من الناحية التربوية، من المفيد أن تعلمي أن الصراخ المتكرر يفقد تأثيره تدريجيًا ويُصبح هو المعيار المتوقع للاستجابة، بدلًا من أن يكون استثناء، وعليه فإن المنهج الأمثل هو حجب الامتيازات بدلاً من رفع الصوت، كحرمانهن من أمر يحببنه حين يكذبن أو يعصين في أمور جوهرية، مع المدح والتشجيع المادي والمعنوي حين يحسنّ.

من الأمور التي ستعينك بإذن الله، نوصيك بما يلي:
- اعملي على تقليص قائمة المتطلبات إلى الأولويات الكبرى فحسب؛ الصلاة، والصدق، والنظافة الأساسية، واللباس المحتشم خارج المنزل، وتوقفي مؤقتًا عن المعارك الصغيرة كترتيب الغرفة وما شابهها، واجعليها مسؤوليتهن الكاملة مع عواقب طبيعية لا عقوبة مباشرة، فمن لا ترتب غرفتها تعيش في فوضى غرفتها، ومن لا تهتم بمظهرها في المنزل لا تُصحب في زيارات ونزهات، هذا النوع من العواقب الطبيعية أكثر تأثيرًا من التوبيخ.

- لا تجعلي الدين بابًا للعقوبة، بل اجعليه بابًا للمكافأة، أي حين يصلين، اشكري لهن ذلك وعززيه، واجعلي لهن مكانة خاصة حين يلتزمن بتعليماتك الشرعية، وابدئي بالفرائض فقط، ولا تُثقلي عليهن في السنن والمستحبات في هذه المرحلة.

- خصصي لنفسك وقتًا يوميًا ولو قصيرًا تخلعين فيه عباءة الرعاية كليًا، سواءً بالقراءة أو المشي أو التواصل مع صديقة، وتذكري أنه في الطائرة لا يستطيع المسافر مساعدة غيره بالأكسجين؛ ما لم يضع قناعه أولاً.

- حاولي أن تتحدثي مع زوجك في وقت هادئ، لا حين تكونين في ذروة الإرهاق، وقدمي له المطلوب منه بشكل محدد وعملي، كأن تطلبي منه جلسة أسبوعية واحدة يجمعكم بالفتاتين ويتحدث فيها معهن بنبرة هادئة ويسمعهن، فالرجل الذي يرى دوره في العمل وحده يحتاج إلى أن يُعاد توجيهه برفق، لا بالشكوى، بل بتحديد دور يستطيع القيام به.

اعلمي أختي أن ما تمرين به هو من صميم الابتلاء الذي يرفع الله به درجة المؤمن، قال تعالى: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٍ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٍ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 155)، وما من تعب تتعبينه في تربيتهن إلا وهو مكتوب عند الله تعالى.
قال المتنبي:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا *** تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الأَجْسَامُ

فروحك الكبيرة التي قبلت هذه الأمانة، هي التي تجعل جسدك يتعب، وذلك شرف لا ضعف.

وفي أوقات الضيق، أكثري من الدعاء بما رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً)، واجعلي صلاة الفجر أو صلاة الليل لقاءك اليومي مع الله تصبين فيها همومك وتستمدين منه القوة.

نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يثبت قدمك، ويشرح صدرك، وأن يجعل هاتين الفتاتين قرة عين لك ولزوجك، وأن يكتب لك أجر كل دمعة بكيتِها في سبيل رعايتهن، وأن يُعينك ويسدد خطاك، ويجمعك وإياهن في الجنة، آمين.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل.

www.islamweb.net