والدي أهملني في صغري ومرضي ويريدني الآن أن أنفق عليه!
2026-03-25 23:26:15 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرجو إفادتي في هذا الأمر: أنا الابن الوحيد لوالدي، وقد طلَّق أبي أمي وتزوَّج عليها وأنا في سنِّ الثانية من عمري، وكان لا ينفق عليَّ إلَّا القليل، وكان ذلك يحدث عندما يُلحُّ عليه عمي في هذا الأمر بعد شكوى أمي، وكان يعطي المال لها أو لي بطريقةٍ أقرب إلى أنه مُكرَه عليه، وليس مالًا يعطيه لابنه عن طيب نفس.
وكان كلما ذهبتُ إليه وحدثتْ أيُّ مشاجرة بيني وبين زوجته، يطردني من منزله ويقول لي: "اذهب إلى أمك"! وكان يتبرأ مني أمام الناس أكثر من مرة، أو يقول لي في وجهي أمامهم: "أنت لستَ بابني، أنا ابني قد مات، أو لم أُنجب من الأساس" مع العلم أن سني في ذلك الوقت كان حوالي عشر سنوات أو أقل.
وقد ابتُليتُ بمرضٍ في فترة المراهقة، فأجريتُ عمليتين في القفص الصدري والعمود الفقري، ولم يأتِ لزيارتي في ذلك الوقت، وتركني وحدي أنا وأمي، مع العلم أن العمليتين أُجريتا في محافظةٍ غير التي نعيش بها، ولم يأتِ خوفًا من زوجته.
وبعد ذلك، عندما ذهبتُ لاستخراج أوراق القيد العائلي لتقديمها للجيش، لم يأتِ معي، وقال لي: لن آتي معك. وكان لعدم حضوره سببٌ في تأخري في هذا الأمر مدةً تزيد على سنة.
والآن، بعد أن أُعفيتُ من الجيش، وعافاني الله في بدني، وبدأتُ أعمل، يأتي ويقول لي: "اترك أمك وانسَها وتعالَ عِشْ معي" وقد قاطعته بعد كل ذلك، فهل أنا آثم أم ماذا؟ مع العلم أنه يريد مني أن أعمل وأعوله هو، وأترك أمي دون أن أعولها.
أفتوني، جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بك -أيها الولد العزيز- في استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك بالموقع، كما نشكر لك أيضًا حرصك على معرفة حدود الله تعالى، وما يجب عليك تجاه والدك وأمك؛ وهذا من توفيق الله تعالى لك، فنسأل الله تعالى أن يزيدك هدىً وصلاحًا.
وبدايةً نقول -أيها الحبيب-: ينبغي أن تشكر نعمة الله تعالى الذي نجاك من المضايق، وفرج عليك الكروب، ونقلك من حال إلى حال أحسن؛ فهذا فضل عظيم من الله تعالى ينبغي أن تقابله بالشكر حتى تدوم هذه النعمة وتزيد، فقد قال الله تعالى: {لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}.
ومن الشكر -أيها الحبيب-: العمل بطاعة الله تعالى بأداء فرائضه واجتناب محرماته، ومن هذه الطاعات: أداء حق الوالدين؛ فإن الله تعالى عظم حق الوالدين وجعل حقهما تاليًا لحقه سبحانه، فقال: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}.
والوالد مهما أساء فإن له فضلاً سابقًا وإحسانًا قديمًا، وهو التسبب في وجودك في هذه الدنيا، وهذا الوجود هو مفتاح كل النعم التي تعيشها في هذه الدنيا، وسبب لكل النعيم الذي يعيشه الإنسان بعد الموت بعد هداية الله تعالى له للإسلام.
فتسبب الوالد في نعمة الوجود وأن تكون موجودًا في هذه الحياة، هذا فضل كبير للوالد ينبغي ألَّا يكفر وألَّا ينسى؛ ولهذا وصانا الله تعالى بالإحسان إلى الوالد مهما وجدنا منه من إساءة، فقال -سبحانه وتعالى- في سورة لقمان: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}
فإذا بلغ الوالد هذه الدرجة من الإساءة، وهي أن يجاهد ولده من أجل أن يكون من أهل النار المخلدين فيها من الكفار؛ فإن الله تعالى أمره بأن يعصيه حينما يأمره بمعصية الله، ولكنه رجع فوصاه بالإحسان إليه، فلا يتوهم أن إساءته هذه تبرر للولد أن يعقه وأن يسيء إليه، قال: {فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
ووالدك بلا شك قد أساء فيما تصرف فيه معك، وحسابه على الله تعالى، والله تعالى بالمرصاد ويحاسب كل إنسان بما عمل، وقد قال الرسول ﷺ: ((لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقْتَصَّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ)) فكل أحد تحمل حقوق الآخرين فإنه سيؤديها وسيحاسبه الله تعالى عليها، فما أساء فيه الوالد ليس بضائع، بل محسوب عليه، ولهذا ننصحك بأن تسامحه وأن تعفو عنه.
أمَّا ما طلبه منك الوالد الآن بعد أن بدأت العمل من أن تترك أمك وتقاطعها؛ فهذه معصية لا يجوز لك أن تطيعه فيها، فإن أمك لها حق عظيم، ولها ثلاثة أضعاف الأب من البر والإحسان، كما قال الرسول ﷺ حينما سئل: من أحق الناس بحسن صحابتي يا رسول الله؟ قال: ((أُمُّكَ))، قال: ثم من؟ قال: ((أُمُّكَ))، قال: ثم من؟ قال: ((أُمُّكَ))، في الرابعة قال: ((ثُمَّ أَبُوكَ)).
فالأم حقها عظيم وفضلها كبير؛ فهي حملتك في بطنها كرهًا ووضعتك كرهًا، وحضنتك وأرضعتك، فلا تطع والدك في تركها وقطعها، واحذر من هذا كل الحذر، وأدِّ إليها حقها وزيادة، وصلها بكل ما تقدر عليه، ونفقتها واجبة عليك ما دمت تقدر على الإنفاق عليها وهي فقيرة؛ فيجب عليك أن تنفق عليها وتعطيها كفايتها.
وهذا كله لا يعني عقوق الأب والتضييع لحقه، فيجب عليك أن تبره وتحسن إليه بما جرت به عادة الناس وأعرافهم من الصلة، وإذا احتاج إلى نفقة وأنت قادر على الإنفاق عليه؛ فيجب عليك أيضًا أن تنفق عليه، فهذا من حقه عليك.
فحاول أن توازن بين حق والديك، وقيامك بحق أحدهما لا يعني تضييع حق الآخر، واحتسب في ما تفعل أجرك عند الله تعالى؛ وستجد نتيجة هذا وعواقبه في حياتك سعادةً وبرًّا من أبنائك في المستقبل، وسيخلف الله تعالى عليك ما تنفقه على والديك، ويكون سببًا لبركة في رزقك وعمرك.
نسأل الله تعالى أن يوفقك لكل خير.