تشوهت حياتي وذاكرتي ولا أدري هل ما بي سحر أم غيره؟!
2026-04-05 00:30:17 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
أعتذر للإطالة، لكنني قررت أن أكتب إليكم بعدما خضت حربًا كان طرفاها نفسي، فقد مررت بتجربة سلبت أنفاسي بوحشية لم أر مثلها يومًا، ولا أعرف إن كنت أستحقها أم لا، لكنني وصلت إلى مرحلة تمنيت فيها الموت لأنني لم أعد أحتمل، وقد قيل لي من أكثر من مصدر إنني أعاني سحرًا أسود سفليًا مع مسٍّ عاشق منذ بضع سنوات، وقد ظهر ذلك فجأة بين عشية وضحاها.
أعتذر إن كان في كلامي اضطراب، فذاكرتي قد تشوّهت بالكامل، إذ بدأ شعور الخدر في يديّ ثم قدميّ ثم انتشر في جسدي ليصبح خمولًا ممزوجًا بألم، يصاحبه ألم الأعصاب والمعدة والبطن بشدة، حتى وصلت إلى المستشفيات، لكنهم عجزوا عن تفسير حالتي، وعانيت كوابيس متواصلة لسنوات بين قتلي واغتصابي، وانعزلت عن المجتمع في غرفتي، وتحولت حياتي إلى كارثة بين اكتئاب ابتلع داخلي، وعائلة لم يبقَ في يدها شيء من المشاعر.
ترتسم كدمات على جسدي بعد ضرب مبرح في المنام، ولا يراها أحد غيري، وأسمع أصواتًا تهمس باسمي، وأصوات أبواب تُضرب، وأرى سوادًا يحيط بي وانعكاسات على المرآة، وأدمنت الأغاني ووقعت في ذنوب كنت أحتقرها في الماضي، ومنها ذنوب الخلوات حتى شككت في ميولي.
وحاولت الانتحار مرات لا تُحصى، ثم أتراجع لسبب لا أعرفه، وتمنيت أحيانًا لو أنني قتلت نفسي لأريحها من كثرة المعاصي، وعشت بلا استحمام ودون طهارة لأشهر، حتى دون رؤية ضوء الشمس، وأصابتني حالات شبه إغماء مع نغزات في القلب، ودوخة مستمرة، واضطراب في النوم، وترك للصلاة، وكره للدِّين، والرغبة في الإلحاد، والتحرر من قيود الدّين.
كنت أشعر بملامسات لأشهر على سريري، وبشخص يحتضنني من الخلف أثناء نومي ويبعثر ثيابي، ويجعلني أحلم أحلامًا مخلة، مع آلام أسفل الظهر، لدرجة لا أقوى معها على المشي، ومع ذلك لم أكره شعور الدفء الذي كان يحيط بسريري، وتخدرت عاطفيًا، وأصبحت مزاجية ومؤذية، وتساقط شعري حتى وصلت إلى الحافة.
أرجو مساعدتي، وأعتذر مرة أخرى للإطالة، لكن لدي سؤالان: هل أحاسب على معاصي؟ وإذا كنت لا أحاسب فكيف أقنع نفسي بذلك؟ فأنا غبية، لدرجة أنني أبكي إن اهتممت بدمية أكثر من أخرى، وقد شُخّصت بأمراض جسدية كالتهاب الأمعاء، لكن الأدوية لا تجدي نفعًا، وقالوا إن السبب نفسي.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:
قرأتُ استشارتك بعناية تامة، وأحسستُ بالألم الذي مررتِ وتمرّين به، وهو بلاء تؤجرين عليه بإذن الله تعالى، وسأجيب على استشارتك من الجوانب الثلاثة: الشرعي، والنفسي، والتربوي.
أولًا: من أخطر ما في استشارتك أنكِ قلتِ: "أريد الموت"، وهذا أمر خطر للغاية، خاصة أنكِ "حاولتِ الانتحار مرات لا تُحصى"، أنصحك الآن ألا تبقي وحدك، بل عيشي مع أفراد أسرتك بشكل طبيعي، ويجب أن تذهبي إلى طبيبٍ مستشارٍ في الأمراض النفسية؛ فذلك جزء من العلاج الذي جعله الله تعالى، وهو من العمل بالأسباب الشرعية.
ثانيًا: هل ما تعانين منه سحرٌ ومسٌّ عاشق؟
تشخيص السحر ليس دقيقًا، وإنما هو في الغالب مبني على تخمين وتجارب من خلال النظر في بعض الأعراض، وهذا قد يكون صحيحًا وقد لا يكون، بخلاف التشخيص الطبي المبني على مقدمات وفحوصات، فإنه دقيق في الغالب، أغلب القراء يهوّلون في مثل هذه المسائل -بعضهم- رغبةً في الحصول على المال؛ ولذلك لا يُذهب إلى الرقاة إلَّا بعد أن يقول الطبيب المتخصص في الأمراض النفسية كلمته، ثم إن الرقية لا يلزم فيها الذهاب لشخص بعينه، بل يمكن أن يرقي الإنسان نفسه بنفسه.
الوصف الذي ذكرتِه يمكن أن يكون بسبب سحر، ويمكن أن يكون بسبب اضطراب نفسي شديد؛ فسماع أصوات، ورؤية أشياء، والشعور بلمس أو احتضان أثناء النوم، وكوابيس عنيفة، واكتئاب شديد، وانعزال عن الآخرين، وأفكار انتحارية؛ هذه تُصنَّف في الطب أنها اكتئاب حاد مع أعراض ذهانية، أو اضطرابات قلق شديدة مع هلوسات.
الرقاة يُصنّفون ذلك أنه مسٌّ عاشق أو سحر أسود، لكن كلامهم ليس مبنيًّا على دليلٍ حسي، ومع هذا فيمكن العمل في الاتجاهين: استعمال العلاج الطبي، والرقية.
ثالثًا: تفسير ما يحدث لكِ:
1. الأصوات والظلال؛ ليست بالضرورة أن تكون دليلًا على الجن، بل قد تكون نوعًا من الهلوسات السمعية والبصرية بسبب الضغط النفسي الشديد الذي تعانين منه.
2. الشعور باللمس أثناء النوم؛ هذا يُطلق عليه في علم الطب "شلل النوم" أو أحلام حسية، إذ يشعر فيه الإنسان أن شخصًا ما يلمسه أو يحتضنه أو يخنقه، مع عجزٍ عن الحركة، وهذا يصيب حتى السليم من الناس.
3. الكوابيس والاعتداء في الحلم: ينتج عن خوف داخلي، أو صدمات نفسية، أو قلق مكبوت.
4. تقلباتك ووقوعك في الذنوب ناتج عن شدة المعاناة التي سببت لكِ ضعفًا في الإيمان؛ فحين ضعف إيمانك وتكالبت عليكِ الضغوط، حاولتِ الهروب من الواقع، لكن إلى المعاصي والذنوب.
رابعًا: سألتِ في استشارتك فقلتِ: هل أُحاسَب على المعاصي التي وقعتُ فيها؟ والجواب على ذلك أن المسألة فيها تفصيل: إن كنتِ في حالة فقدان سيطرة أو اضطراب شديد يؤثر على وعيك وإرادتك، فالإثم يكون أخف ممن كانت حالته مستقرة، وقد يُرفع عنك الإثم بحسب الحال التي كنتِ فيها أثناء ارتكاب الذنب، فقد ثبت في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ... وَالْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ».
فالمجنون يتصرف تصرفات لاإرادية، ومن كان مثل المجنون في تصرفاته، أو قارب حالته، فيأخذ حكمه، والعلماء يُلحقون به من فقد السيطرة أو الوعي جزئيًا، أو كانت حالته متقطعة؛ أحيانًا يكون سليمًا فيأثم، وأحيانًا يُصاب بالجنون فلا يأثم.
الأهم هنا أن تعرفي أن باب التوبة مفتوح مهما كانت الذنوب والمعاصي، قال ربنا الرؤوف الرحيم: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، حتى لو أخطأتِ ألف مرة.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه تبارك وتعالى قال: «أَذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، ثُمَّ عَادَ فَأَذْنَبَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَذْنَبَ عَبْدِي ذَنْبًا، فَعَلِمَ أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ، وَيَأْخُذُ بِالذَّنْبِ، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ» (متفق عليه).
وقوله: "فليفعل ما شاء" يعني: ما دام يتوب إلى الله من ذنبه، ويُقلع ويندم، فهو جدير بالتوبة؛ لأن الإنسان محل الخطايا، وليس المقصود أن الله يبيح له فعل المعصية.
كيف تُقنعين نفسك أنكِ لستِ مُحاسبة؟
لا تضغطي على نفسك، ولا تحاولي إقناعها بالقوة، بل عليكِ أن تعلمي أنكِ لم تكوني مختارة لهذه الحالة، وأن تصرفاتك لم تكن بإرادتك ووعيك، كوني على يقين أن الله أعدل وأرحم بعباده من الأم بولدها، وأنه خلق مئة رحمة، فأنزل رحمةً لهذه الدنيا، فبها تتراحم كل المخلوقات، وادخر تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.
خامسًا: أخطر فكرة عندك قولك: "أنا غبية"، "أريد الموت"، وأنا على يقين أن هذه ليست حقيقة، بل هي أفكار مرضية.
سادسًا: خطوات عملية لا بد منها:
1. الذهاب إلى طبيبٍ مستشارٍ في الأمراض النفسية؛ فالعلاج بالعقاقير الطبية نافع في هذا المجال بإذن الله تعالى، وعليكِ أن تأخذي بنصائحه، وتستعملي العلاج بالطريقة التي يقررها دون أي مخالفة، وقد صح في الحديث: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلَّا وَأَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ، فَتَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ».
2. لا تعتمدي على تشخيص مسبق بأنكِ مصابة "بالسحر"؛ لأن هذا سيجعل عقلك الباطن يرفض أي تشخيص آخر، ويرفض الذهاب إلى الطبيب أو استعمال العلاج، وسيجعلك تستسلمين، ويؤخر علاجك الحقيقي.
3. ارقي نفسك بنفسك كما سبق، ولو بالقليل من الآيات والأدعية، دون أن تجعلي الرقية لمعالجة السحر، وإنما للاستشفاء بالقرآن،
4. عودي تدريجيًا للعبادات، ابتداءً بأداء الفرائض دون النوافل، واستمعي إلى القرآن، واجعلي لنفسك وردًا من الأذكار، ولو أن تبدئي بآية الكرسي، و"قل هو الله أحد"، و"قل أعوذ برب الفلق"، و"قل أعوذ برب الناس".
5. أعيدي بناء حياتك خطوةً خطوةً؛ فاغتسلي ونظّفي نفسك بانتظام، ومارسي أعمالك اليومية في البيت مساعدةً لأهلك، وابتعدي عن العزلة فإنها من أخطر الأمور، وخالطي أسرتك، وتعرّضي للشمس، واخرجي للتنفس بالهواء الطبيعي، وهكذا بالتدريج، وستجدين نفسك تتحسنين يومًا بعد الآخر.
سابعًا: رسالة طمأنة:
أختنا الكريمة، أنتِ لم تُهزمي، ولستِ سيئة ولا فاسدة، ولا تستحقين الموت، بل أنتِ مرهقة فقط، وتحتاجين إلى المساعدة والعلاج والرحمة والاحتواء.
أسأل الله تعالى أن يمنّ عليكِ بالشفاء، ويرزقك الطمأنينة والسعادة، إنه سميع مجيب.