أخاف إن تزوجت أن أقصر في رعاية والديّ، فهل أستبعد فكرة الزواج؟
2026-04-09 03:22:16 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم.
أنا فتاة أبلغ من العمر 32 سنة، لم يُكتب لي أن أُخطب ولا حتى مرة واحدة؛ بسبب انغلاقي ربما، وعدم مصاحبتي للشباب، والتزامي بدراستي، أنا مدرسة وعائلتي فقيرة، وليس لوالديَّ سكن خاص، ويسكنان -حتى اليوم- رفقة أخويَّ العاطلين عن العمل بالإيجار.
أنا أعلم أن الزواج رزق وليس بيدي، ومع ذلك لستُ متأكدة من مدى صواب فكرة الزواج، وترك والديَّ في الحال نفسها.
قمتُ بمتابعة بعض صفحات الزواج على "فيسبوك"، وقلتُ لعلها تكون سبباً في زواجي، لكني أخاف أن أهين كرامتي بيدي، وكذلك أخاف إن تزوجتُ ألا يجد والداي من يعينهما، خاصة وأن لديَّ فكرة توفير المال وبناء سكن لهما في المستقبل، وهذا ما لا أظن أن أي رجل سيقبل به، في من يريدها زوجة وأماً لأبنائه.
سؤالي هو: هل أنفتح على فكرة الزواج إن يسّره لي ربي، ومحاولة البحث عبر مواقع التواصل؟ أم أنسى الأمر لحين الاطمئنان على والديَّ، ولحين تقدم شخص ما بالطريقة التقليدية الشرعية؟
ملاحظة: نحن في مجتمع تبحث فيه المرأة بنفسها عمن يتزوجها، ونادراً ما يأتي الخطاب ويطرقون الأبواب بسبب سمعة البنت، أو لأن أحدهم وصفها لعائلته، أو لأن أحدهم أُعجب بها وقرر طرق باب أهلها.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سلمى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ أختنا الكريمة في استشارت إسلام ويب، وردًا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:
ما تعيشينه يحمل في طياته قدرًا كبيرًا من النبل والوعي؛ فأنتِ ممزقة بين برّ والديك وحقك الطبيعي في الزواج والاستقرار، وهذا صراع صادق تعيشه بعض الفتيات في مثل ظروفك، وسأجيبك من ثلاث نواحٍ: الشرعية، والنفسية، والتربوية.
أولًا: من الناحية الشرعية.
اعلمي أن الزواج أمر مقدر لكل إنسان من قبل أن يخلقه الله سبحانه وتعالى، قال جل شأنه: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وقال عليه الصلاة والسلام: (قدر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء)، ولما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة)، وقال عليه الصلاة والسلام: (كل شيء بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس)، والكيس الفطنة، فإن كان مقدرًا لك الزواج فلن تستطيعي تقديم وقته، ولا تغيير من كتبه الله ليكون زوجًا لك، ولن تستطيع أي قوة منعك من هذا الحق، فإرادة الله هي النافذة.
الزواج حق من حقوقك الطبيعية، قد يكون سنة مؤكدة، وقد يكون واجبًا إن خشيتِ من الوقوع في الحرام، وفي المقابل، بر الوالدين واجب عظيم، لكن ليس من شرط برهما أن تضحي بحياتك كلها، أو تمتنعِي عن الزواج لأجلهما، فلا يوجد تعارض بين تحقيق هاتين المصلحتين، بل يمكن الجمع بينهما.
لا تتركي حقًا ثابتًا لك شرعًا، وهو الزواج، خوفًا من أمر محتمل، وهو عدم وجود من يعين والديك، خاصة أنهما يعيشان مع أخويك، وإن كانا عاطلين، فالوالدان بحاجة إلى النفقة، وهذا يمكن أن يتحقق حتى مع زواجك، وذلك بأن تتفقي مع من سيتقدم لك أن تستمري في عملك من أجل إعانة والديك من جهة، ومن أجل المشاركة في نفقة البيت، ولعل هذا يكون محل ترحيب ممن سيكون زوجًا لك، فزواجك لا يعني التخلي عن والديك، بل قد يكون بابًا لتوسيع الرزق وتحسين أوضاع الجميع.
ثانيًا: من الناحية النفسية
تفكيرك فيه جانب إيجابي، لكن أيضًا فيه شيء من التحمل فوق الطاقة؛ فالشعور أنكِ المسؤولة الوحيدة عن والديك فيه مبالغة، فالمسؤولية أولًا على الذكور من الأبناء، وعليهم أن يقوموا بواجبهم، ويبحثوا عن أي عمل يتكسبون من خلاله الرزق لهما ولوالديهما، لا أن ينتظروا من يأتي لهما ليوظفهما، فمن الخطأ أن تؤجلي زواجك حتى تتحقق ظروف مثالية؛ لأن هذا قد لا يحدث أبدًا.
ثالثًا: من الناحية الواقعية والتربوية
1- هل تفتحين باب الزواج؟
وللإجابة على تساؤلك أقول: نعم، افتحي الباب ولا تغلقيه، ولكن بطريقة محترمة وآمنة، بحيث لا يتسبب لك ذلك بالذل والمهانة؛ فالمرأة المؤمنة لا ينبغي لها أن تتسبب لنفسها بالامتهان، والأصل أن تكون مطلوبة لا طالبة.
2- بخصوص مواقع التواصل وصفحات الزواج.
هذه المسألة فيها تفصيل؛ فلا أنصحك بالصفحات المفتوحة غير المنضبطة، ولا أنصح كذلك بالعلاقات المباشرة مع الشباب، ولا إرسال صورك لتلك المواقع؛ لأن أي تواصل بهذه الطرق قد يعرّضك للاستغلال، أو كسر كرامتك أو تشويه صورتك.
لكن بالمقابل، لا مانع من جعل وسطاء موثوقين (قريبات، صديقات، معارف)، أو تسجيل المعلومات في مجموعات جادة، يشرف عليها جهات موثوقة، وبشرط أن يكون أي تواصل بعلم أهلك ومن البداية بشكل رسمي، وألا ترسلي أي صورة؛ فمن رغب بالتقدم لك فليأتِ البيوت من أبوابها، فكرامتك لا تُهان حين تسعين للزواج بطريقة محترمة، بل تُصان.
3- ماذا عن والديك؟
هذا هو لبّ قلقك، والحل هنا عملي ومتوازن، وذلك من خلال وضع شروط معينة وواضحة، مثل:
• أن يكون الزوج متفهمًا لظروفك.
• وكما سبق، ألا يمانع في مساعدتك لوالديك.
• أو يكون سكنك قريبًا منهما، بحيث تستطيعين المرور عليهما وتفقد أحوالهما يوميًا.
• أو يستمر دعمك لهما ماديًا بجزء من مرتبك.
عليك أن تحرصي على توفر الصفات التي حث عليها شرعنا في الزوج، وهي الدين والخلق؛ لأن الزوج الصالح غالبًا يقدّر الزوجة البارة بوالديها، ولا يرى ذلك عيبًا فيها، بل ميزة إيجابية.
4- فكرة تأجيل الزواج حتى بناء بيت لوالديك.
هذه الفكرة فيها بر وإخلاص، لكنها قد تؤدي إلى تأجيل غير معلوم النهاية، وقد تفقدين فرصًا طيبة، والأفضل العمل والسعي لتحقيق الهدفين معًا: الزواج، ومساعدة والديك، ولا تجعلي أحدهما يلغي الآخر.
ختامًا: نوصيك بكثرة التضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، مع تحيّن أوقات الإجابة، وسلي الله تعالى أن يرزقك الزوج الصالح الذي يسعدك في الدنيا، ويعينك على إقامة دينك وبرك بوالديك.
الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب؛ ففي الحديث: (مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ).
أكثري من دعاء ذي النون، فقد ورد في الحديث: (ذي النُّونِ إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء إلا استجاب له).
أسأل الله تعالى لك التوفيق، وأن يكتب لك الأجر، ويجمع لك بين السعادة الزوجية وبرك بوالديك، إنه سميع مجيب.