الوسواس تسلط عليّ حتى خفت الوقوع في الكفر، فما توجيهكم؟
2026-04-06 04:28:02 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سأشرح حالي بكل تفصيل؛ وأرجو إفادتي بالإجابة الوافية الكافية، وأرجو إجابتي من مفتٍ ديني ومختص نفسي، جزاكم الله خيراً.
أنا أعاني من الوسواس القهري، وخصوصاً في الكفر؛ في البداية جاء لمدة حوالي شهر، وكنتُ أعلم أن هذه ليست أفكاري، بل متيقنة من ذلك، ثم اختفى.
بعد خمسة أشهر عاد ثانيةً بوجه أقوى، وهنا بدأتُ أشك أنه مني؛ حيث كنتُ أستغفر وأتوب كل مرة، وحياتي كانت شبه متوقفة، وهذه المرحلة استمرت ثمانية أشهر، ثم بعد ذلك تعافيتُ لمدة عامين كاملين، ثم في صيف العام الماضي عاد بصورة مغايرة، كدتُ أجزم فيها أن هذه أفكاري، وطبعاً كل مرة أتوب منها، فأخاف أن تكون هذه أفكاري حقاً وأكفر بذلك، وأعيش حياتي كافرة وأموت كافرة، ثم انقطع، وبعد حوالي ثلاثة أشهر عاد بصورة جنونية، وأنا أعاني منه إلى هذه اللحظة، أي منذ أربعة أشهر إلى الآن.
ما يقلقني هو أنني أشعر أنه مني؛ أشعر أنني أنا التي أكفر، وأنا التي أستهزئ بالدين، وكل فكرة سيئة أظل أحاورها وأحللها لساعات: هل هي مني أم لا؟ فأخاف إن كانت مني، وأبقى كافرة؛ لأنني وصلتُ إلى مرحلة متطورة جداً لم أعد أميز فيها هل أنا مطمئنة وراضية بهذه الأفكار أم لا؟ فكيف لا أحلل الفكرة وأعلم منذ البداية أنها ليست مني؟
الآن أنا أتصارع مع وسواس الكفر في "امتهان القرآن"؛ فأرجو إجابتي: هل القذر ينتقل إلى المصحف؟ يعني أحياناً تكون الأرض متسخة ويمشي أخي فوقها أو حتى أنا، ثم يمشي فوق الفراش الذي نضع فوقه المصحف، فبيتنا فيه الكثير من الزوار ويتسخ بسرعة؛ فهل إن لم أنظف الأرض أو الفراش أكفر؟ وماذا عن وضع المصحف على فراش فيه فتات خبز؟ أو على فراش فيه حبيبات لا أعلم ما هي؟ أرجو إجابتي على هذا السؤال بالذات؛ لأن هذا ما أعاني منه هذه الأيام، فأرجوكم لا تتجاهلوه، فأنا أعتمد عليكم بعد الله.
عذراً على الإطالة، وأنتظر الإجابة بفراغ الصبر، وجزاكم الله خيراً.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ chaimaa حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -ابنتنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يذهب عنكِ شر الوساوس، ويعجل لكِ بالعافية منها.
نحن وإن كنا نُدرك -أيتها البنت الكريمة- مدى المعاناة التي تعيشينها بسبب هذه الوساوس، إلَّا أننا في الوقت نفسه نرى أنه بإمكانكِ أن تُريحي نفسكِ من هذا العناء بطرقٍ سهلة يسيرة.
فإذا كنتِ جادة في التخلص من هذه الوسوسة، وترغبين فعلًا في إزالة هذه المشقة عن نفسكِ، فالنصيحة هي أن تعملي بالتوجيهات النبوية التي هي -بإذن الله تعالى- دواؤكِ وِشفاؤكِ، وهي في الوقت نفسه حمايتكِ من هذه الوساوس مستقبلًا.
وهذه التوجيهات النبوية سهلة -بإذن الله- يسيرة، لكنها تحتاج إلى عزيمة صادقة في تنفيذها والقيام بها، وتحتاج إلى قدر كبير من الصبر والمجاهدة، ولكنها مضمونة المفعول ونتائجها مفرحة، فننصحكِ بالصبر قليلًا للعمل بهذه التوجيهات، وكما قال الشاعر:
الصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ** لَكِنَّ عَوَاقِبَهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
هذه التوجيهات أهمها وأولها: تحقير هذه الوساوس، وعدم الاعتناء بها، وعدم الاشتغال بها، والذي يُسهِّل عليكِ هذا التحقير والإعراض عنها أن تُدركي تمامًا أنها ليست من شرع الله تعالى ولا من دينه، ولا مما يحبه الله ولا يأمر به، بل هي من الشيطان؛ ليحزنكِ ويدخل الكآبة إلى قلبكِ، فتنقطعين عن العبادة وعن الاشتغال بما ينفعكِ عند الله.
إذا أدركتِ هذه الحقيقة وأيقنتِ بها أن هذه الأفكار وهذه الوساوس ليست من شرع الله ولا يحبها الله، بل هي من الشيطان؛ فإن هذا العلم سينفعكِ وييسر لكِ الإعرض عنها وعدم الاشتغال بها، والرسول ﷺ أوصى من ابتلي بشيء من الوساوس بقوله: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ».
فالمطلوب منكِ أنه كلما دهمتكِ هذه الأفكار الوسواسية أن تستعيذي بالله تعالى من الشيطان الرجيم وتكثري منها، ثم تنصرفي عن هذه الوساوس لتشتغلي بأي شيء آخر ينفعكِ في دينكِ أو في دنياكِ؛ فإن قلب الإنسان لا يمكن أن ينشغل بأمرين في نفس اللحظة، كما قال الله تعالى: {مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}، فإذا انشغلتِ عنها بغيرها أرحتِ نفسكِ، وبصبركِ على هذا الطريق ستجدين نفسكِ تتخلصين منها شيئًا فشيئًا، حتى يكتب الله تعالى لكِ منها العافية الكاملة.
نحن نؤكد -أيتها البنت الكريمة- أن أهم خطوات التخلص من الوسوسة تحقيرها وعدم التفاعل معها، أمَّا أن تظلي تحللين هذه الوساوس -كما ذكرتِ في سؤالكِ- لساعات، فإن هذا لا يزيدها إلَّا رسوخًا وثباتًا في نفسكِ.
فأنتِ بين إجابة هذين الداعيين؛ بين إجابة داعي الله تعالى الذي يريد لكِ السعادة والتخفيف والتيسير، ويقول لكِ: أعرضي عن هذه الوساوس، لا تبالي بها، لا تشتغلي بها، لا تخافي منها، لن تؤثر على دينكِ؛ هذا هو داعي الرحمن سبحانه وتعالى.
وفي مقابله داعي الشيطان الذي يهول لكِ الأمر، ويحاول أن يقنعكِ بأنكِ على خطر عظيم إن لم تتجاوبي مع هذه الوساوس؛ فهذا الداعي الشيطاني مطلوب منكِ أن تعرضي عنه تمامًا، مع الإكثار من ذكر الله تعالى والتحصن به، ونحن على ثقة كاملة أنكِ إذا فعلتِ هذا ستتخلصين من هذه الوساوس بإذن الله تعالى.
وأمَّا بخصوص ما سألتِ عنه من مسائل المصحف، فليس فيما ذكرتِ أي شيء من المعصية أو الكفر، وإنما هي مجرد وساوس؛ فوضع المصحف على الفراش -وإن كان عليه شيء من فتات الطعام- ليس كفرًا، بل ليس معصية، وليس فيه أي امتهان للمصحف.
فاطردي عنكِ هذه الوساوس وتجاهليها تمامًا، واشتغلي عنها بما ينفعكِ، أكثري من ذكر الله تعالى، فهو الحصن الحصين الذي تتحصنين به من مكر الشيطان وكيده.
نسأل الله تعالى أن يذهب عنا وعنكِ كل مكروه.
______________
انتهت إجابة د. أحمد الفودعي استشاري الشؤون الأسرية والشرعية
وتليها إجابة د. محمد عبد العليم استشاري أول الطب النفسي وطب الإدمان.
____________
نرحب بك في استشارات إسلام ويب.
قد أفادك الدكتور الشيخ أحمد سعيد الفودعي -حفظه الله- فيما يتعلق بكل الأمور الشرعية الخاصة بالوسواس، وأجاب عن أسئلتك حول المصحف وأين يوضع.
أمَّا من الناحية النفسية، فأود البدء بتعقيبكِ حول وضع المصحف على الفراش الذي قد يحتوي على فتات الخبز أو ما شابه؛ وكما أفادكِ الشيخ أحمد في إجابته السابقة، فقوله هو الخير والأتمُّ والأفضل، ولكن ما يهمني توضيحه لكِ هو أن طبيعة هذه التساؤلات أنها أسئلة وسواسية، ولا شك في ذلك؛ هذا النمط من تشريح الأفكار واستحواذها عليكِ بهذه الكيفية يُمثل جوهر الوسواس، المصحف يُوضع في أفضل مكان في المنزل وينتهي الأمر تمامًا، ومن الضروري ألَّا نسترسل في تحليل وشرح كل فكرة وسواسية تهاجمنا، وبإذن الله تعالى تجدين في هذه الإجابة ما يطمئن قلبكِ ويقنعكِ.
بالنسبة للأفكار والتي أسميتِها أفكارًا كفرية، أنا لا أريدك أن تسميها بهذه التسمية؛ لأن هذه الأفكار متسلطة عليك، مستحوذة، وأنتِ -الحمد لله- مؤمنة، بل راسخة وثابتة الإيمان إن شاء الله تعالى.
طبعًا الإشكالية الكبيرة هي محاورتك لهذه الأفكار، المحاورة للأفكار والتعمق فيها يزيد من قوتها وشدتها، ويجعلها تغير طريقتها، وكما هو واضح أن هذه الأفكار تأتيك في أوقات، وتنقطع في أوقات أخرى، وهذه هي طبيعة الأفكار.
شيء آخر مهم جدًّا أريد أن أوضحه لك، وهو أن الوساوس ذات الطابع الفكري علاجها أسهل بكثير من وساوس الأفعال والطقوس، فأبشري، والعلاج في المقام الأول يجب أن يكون علاجًا دوائيًا، الدواء مهم لأنه قد أُثبت وبما لا يدع مجالًا للشك أن هذه الوساوس الفكرية ناتجة عن تغيرات في كيمياء الدماغ، لما نسميه بالموصلات العصبية، وأهمها مادة تعرف باسم "السيروتونين".
والنظرية التي أنا شخصيًا على قناعة كافية كاملة بها، أن هذه الوساوس حتى وإن بدأت كوساوس خناسية، إلا أنها تتحول في نهاية الأمر إلى وساوس طبية مرتبطة بكيمياء الدماغ كما ذكرت لك؛ لأن الأصل في الأمور هو أن الشيطان يخنس، أي يختفي حين يذكر اسم الله تعالى، ولا شك أنك ذاكرة، وبالرغم من ذلك الوساوس مستمرة، إذًا نحن نقول إن الشيطان قد خنس واختفى، لكن أثره ظل موجودًا، وهو هذه الأفكار.
إذًا العلاج الدوائي علاج ممتاز، ويجب أن تكون البداية به، وبعد ذلك يعقبه أو يكون معه العلاج السلوكي.
العلاج الدوائي: هنالك عدة أدوية، ثلاثة أربعة أدوية:
- من أفضلها عقار يسمى "زولفت - Zoloft"، واسمه العلمي "سيرترالين - Sertraline".
- ويوجد أيضًا دواء اسمه "بروزاك - Prozac"، واسمه العلمي "فلوكسيتين - Fluoxetine".
- ويوجد دواء ثالث يسمى "فافيرين - Faverin"، واسمه العلمي "فلوفوكسامين - Fluvoxamine".
- ويوجد أيضًا دواء آخر وهو "سيروكسات - Seroxat"، والذي يعرف باسم "باروكسيتين - Paroxetine".
- وكذلك دواء "سيبراليكس - Cipralex"، والذي يعرف باسم "إسيتالوبرام - Escitalopram".
إذًا -الحمد لله والشكر لله- عندنا قائمة رائعة من الأدوية، لذا أنصحك أن تذهبي إلى طبيب ليصف لك أحد هذه الأدوية، وإن كان ذلك صعبًا بالنسبة لك، فيمكن أن أصف لك تفاصيل تناول الزولفت -والذي يعرف باسم سيرترالين؛ الحبة تحتوي على (50 ملجم)، تبدئين بنصفها أي (25 ملجم) يوميًا لمدة عشرة أيام، بعد ذلك اجعليها حبة كاملة أي (50 ملجم) يوميًا لمدة أسبوعين، ثم اجعليها (100 ملجم) يوميًا لمدة شهرين، ثم اجعليها (150 ملجم)، أي ثلاث حبات يوميًا، وهذه هي الجرعة العلاجية في حالتك، علمًا بأن الجرعة العلاجية الكلية هي (200 ملجم) في اليوم، لكن لا أعتقد أنك في حاجة لهذه الجرعة.
هذه الجرعة العلاجية يجب أن تستمري عليها لمدة ثلاثة أشهر، ثم تخفضيها بعد ذلك إلى حبتين يوميًا لمدة ثلاثة أشهر أخرى، ثم تجعليها حبة واحدة يوميًا، وهذه هي جرعة الوقاية وتستمري عليها لمدة ثلاثة أشهر، ثم تجعليها نصف حبة يوميًا لمدة أسبوعين، ثم نصف حبة يومًا بعد يوم لمدة أسبوعين آخرين، ثم تتوقفي عن تناول الدواء.
السيرترالين يفضل أيضًا أن تدعميه بدواء آخر يسمى "أريببرازول - Aripiprazole"، هذا تتناوليه بجرعة صغيرة جدًا، وهي (5 ملجم) يوميًا لمدة ثلاثة أشهر.
هذه أدوية سليمة، فاعلة وغير إدمانية، ولا تؤثر أبدًا على الهرمونات النسائية، ويجب الالتزام التام بالجرعة على حسب الأصول التي وصفت، وكذلك المدة العلاجية يجب أن تكون مكتملة، وذلك لتتحصلي على العلاج الصحيح والتام، وإن شاء الله هذا يفيدك كثيرًا.
بالنسبة للعلاج السلوكي: يجب أن تحقري الأفكار، لا تهتمي بها، لا تناقشيها أبدًا، يجب أن تتجاهليها وتصرفي الانتباه عنها، من خلال الإتيان بأفكار أخرى أفضل وأجمل وأحسن.
بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.