كيف نوفق بين فضيلة الصمت وضرورة الكلام في عصرنا؟

2026-04-07 22:42:40 | إسلام ويب

السؤال:
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:

كيف نجمع بين هدي النبي ﷺ في موضوع السكوت والكلام وبين واقع حياتنا؟ النبي محمد ﷺ نهى عن الكلام بالكذب، والزور، والغيبة، والنميمة، واللغو، والكلام الذي ليس منه فائدة، وأمر بالسكوت وحثَّ عليه، وأنا قرأتُ لكم منشوراً في موقعكم حول ذلك، وذكرتم أمثلة للصحابة -رضوان الله عليهم- وأمثلة من السلف الصالح، ووجدتُ فيه نوعاً من الامتثال المطلق، الذي يجعل الجاهل يراه تشدداً.

سؤالي: كيف نفعل مثلهم ونعمل بهدي النبي ﷺ في عصرنا الحديث الذي كثر فيه اللغو والقول غير المفيد؟ أنا عندي إشكالية في كيفية التوفيق بين السنة في السكوت والكلام؛ فمثلاً الآن عندما أجلس مع أهلي وأظل ساكتاً "يبرد" النقاش والكلام وينتهي!

مثال آخر: عندما أذهب لـمأدبة أو زيارة لأقاربي، أو عندما أكون مع أصدقائي أو مع أي أحد؛ أظل صامتاً وأكتفي بالرد الخفيف، فمع الوقت يبدأ الناس في نسيانك، ويأخذون عنك انطباعاً بأنك قليل الكلام، لا تحب الحديث ولا تحب أحداً، والبعض يراك متكبراً؛ فيبدأ الجميع بالنفور منك، ويقولون: "هذا لا يحب الكلام ولا يحب الصحبة، وهذا الله أعلم بما يكنُّه في قلبه"، وأحياناً لا يصبح لك رأي ولا صوت مسموع، ويبدأ الناس في تجاهلك.

فكيف أوفق بين السنة في السكوت والكلام في عصرنا هذا؟

أفيدونا حفظكم الله ووفقكم.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ صالح حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ولدنا الحبيب- في استشارات إسلام ويب، نشكر لك تواصلك وحرصك على معرفة الحدود الشرعية، ونسأل الله تعالى أن يرزقنا وإياك الفقه في الدين، والعمل بما يرضي رب العالمين.

ولا شك -أيها الحبيب- أن الإسلام اعتنى بضبط اللسان وتأديبه؛ لأنه أخف الأعضاء حركة وأكثرها أثرًا، لذا جاءت النصوص تحض على قول الخير، والصمت عن الشر، قال الله سبحانه: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، والرسول ﷺ يقول: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ/ أَو لَيَسْكُتْ»، وقال ﷺ: «مَنْ صَمَتَ نَجَا».

والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا، ولكن الموازنة بين السكوت والكلام -وهي محل السؤال الذي تسأل عنه أنت وتبحث فيه- هذه الموازنة تحتاج إلى معرفة للخير من الشر، فالشرع لم يحث على السكوت مطلقًا، إنما حثّ على السكوت عن الشر، أمَّا الخير فإن النطق به غنيمة ومكسب وأجر، والسكوت أقصى ما فيه أنه سلامة، ولا شك ولا ريب -كما يقول العلماء أن الغنيمة أعلى وأفضل من السلامة.

لهذا المؤمن مأمور بأن يقول الخير، أمر إيجاب في بعض الأحيان، وأمر استحباب في أحيانٍ أخرى، فلا ينبغي له أن يسكت عن الخير، بل ينبغي له أن يتكلّم به، ويُكثر من الكلام فيه، وإنما هو مأمور عن السكوت عن الشر وعمَّا لا فائدة فيه من الكلام، وإذا عرفت هذا عرفت أن أبواب الخير كثيرة، لكن الإنسان محتاج فقط إلى التثبت من أن ما سيتكلم فيه خير، فمن الخير ذكر الله تعالى والتذكير به، ومن الخير تعليم الجاهل وتذكير الناس، وإدخال السرور على الإنسان المسلم بالمباح من الكلام، ومن الخير الكلام مع الأهل والأقارب بقصد الصلة والإحسان إليهم، ونحو ذلك، ما دام أن الإنسان لا يقع في شيءٍ محرَّم.

فإذا عرفت ذلك زال عنك هذا الإشكال، وعلمت أنه ينبغي للإنسان أن يخالط الناس وأن يتحدث معهم، ولكن لا يتكلّم إلَّا بالخير، بهذا المعنى الواسع لكلمة الخير، وأن يصون لسانه ويحفظه عن الشر، والشر أنواعه كثيرة، وما لا فائدة فيه من الكلام لا ينبغي له أن يخوض فيه؛ لأنه يُخشى عليه أن يجرَّه إلى الوقوع في الشر.

وبهذا تعرف أن المجالس واللقاءات يمكن أن تُشغل بشيء كثير من المفيد النافع، سواء كان هذا الكلام عن الدِّين ومسائله، وما يحتاجه الإنسان المسلم فيه، أو كان الكلام عن أشياء أخرى غير الدين من أمور الدنيا وإصلاحها ممَّا يحتاجه الإنسان وفيه نفع له.

وبهذا يزول الإشكال إن شاء الله تعالى، وتصبح المسألة في إطارها الصحيح، وهي أن يجاهد الإنسان نفسه للسكوت عن الكلام الضار، والسكوت عن الشر، وأن يُجاهد نفسه أيضًا لتجنُّب الكلام الذي لا فائدة من ورائه.

نسأن الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا جميعًا لِمَا فيه الخير والرشاد.

www.islamweb.net