كيف أصل رحمي وبينهم وبين والدي ووالدتي خلافات وقطيعة؟!
2026-05-14 00:38:56 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شابٌّ أبلغ من العمر 17 عامًا، وسؤالي بخصوص صلة الرحم؛ فلديَّ عمٌّ حدثت بينه وبين أبي وعمي الآخر مشكلةٌ وأنا صغير، وقد هاجر هذا العم إلى أوروبا مع أسرته، وهو يرفع قضايا أظنها كيديةً على أبي، ويتهمهما اتهاماتِ زورٍ، والعلاقةُ منقطعةٌ تمامًا بسبب هذه المشكلات والقضايا.
فما الواجبُ عليَّ في صلته وصلة بناته؟ إذ لا توجد بيننا صلة حاليًا، وهو مهاجر، أي لا توجد وسيلة تواصلٍ إلَّا عبر الرسائل، فهل يجب عليَّ إرسال طلب صداقةٍ له، ومراسلته، أم كيف أتصرف؟
ولديَّ أيضًا ثلاث خالاتٍ -أخوات أمي- قاطعات لرحم أمهنَّ التي هي جدتي، وقاطعات لعلاقتهنَّ بأمي، حتى إنَّ منهنَّ من حظرت أمي على وسائل التواصل الاجتماعي، فكيف أصلهنَّ وأصل أبناءهنَّ، ولا توجد صلةٌ بيننا، بل توجد مشاكل، ولا يوجد طريقٌ للوصول إليهم؟ باستثناء واحدةٍ منهنَّ فقط أكلم أولادها الذين هم أبناء خالتي، وأرسل لها السلام معهم فقط.
فأفتوني في أمري، جزاكم الله خيرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ مروان حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
أخي الكريم: بارك الله تعالى في حرصك على السؤال عن صلة الرحم، وهذا في حد ذاته علامة خيرٍ في قلبك؛ لأن كثيرًا من الناس يبرر القطيعة بالمشكلات، أما أنت فمشغول بما يرضي الله تعالى؛ وهذا يدل على حياة الضمير وحسن التربية.
وأحب أن أؤكد لك أن حرصك على بقاء حبل المودة بينك وبين أقاربك، رغم ما وقع بين الكبار من نزاعات وخلافات خلقٌ نبيل، وربما يجعل الله تعالى على يديك بابًا من أبواب الإصلاح، وجمع القلوب، فإن النفوس أحيانًا تلين مع الأبناء والأحفاد أكثر مما تلين مع أصحاب الخصومات القديمة.
أول ما ينبغي أن نقرره: أن صلة الرحم عبادة عظيمة، قرنها الله تعالى بالإيمان به، فقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء:1]، وقال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه» متفق عليه.
وفي المقابل، فالشريعة أيضًا واقعية، فلا تكلفك ما لا تقدر عليه، ولا تحمّلك أخطاء الكبار، لكنها في الوقت نفسه تفتح لك أبواب الخير والإصلاح بما تستطيع، ولو بكلمة طيبة، أو رسالة لطيفة، أو سلام يصل إلى القلوب بعد طول انقطاع.
أولاً: ما المقصود بالرحم، ومن تجب صلته؟
الرحم هم الأقارب من جهة الأب أو الأم، وأقربهم: الوالدان، الأجداد، الإخوة، الأعمام، العمات، الأخوال، الخالات، وأبناؤهم، وأقوى الصلة تكون مع الأقرب فالأقرب، لكنها ليست درجة واحدة، فصلة الوالدين ليست كصلة أبناء العم، قال ﷺ: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها» رواه البخاري، أي أن الصلة الحقيقية تظهر عند وجود الجفاء أو القطيعة.
ثانيًا: ما صور صلة الرحم المطلوبة؟
صلة الرحم ليست شيئًا واحدًا، بل لها صور كثيرة، منها: السلام والسؤال عن الحال، والاتصال، أو الرسالة، والزيارة إن تيسرت، والدعاء لهم، وإيصال السلام عبر وسيط، والتهنئة في المناسبات، وتفقد أحوالهم عند المرض أو الحاجة، وترك الأذى، وعدم المشاركة في النزاعات، أو تأجيج الخلافات.
ولهذا فربما تكون رسالة لطيفة، أو معايدة في عيد، أو سؤال صادق عن الحال بعد سنوات من الانقطاع؛ سببًا في تليين النفوس وإعادة شيء من المودة.
ثالثًا: هل تتواصل مع عمك الذي بينه وبين والدك مشاكل؟
الأصل أن عمك له حق الرحم عليك، ومن الجميل أن تحاول وصل ما انقطع بالأسلوب الحكيم الهادئ، خاصة وأنك لست طرفًا في النزاع القديم، فلا مانع أن تراسله برسالة مهذبة فيها سلام، ودعاء، وسؤال عن حاله، أو تهنئة في مناسبة، دون الدخول في تفاصيل الخلافات، أو الانتصار لطرف على طرف.
بل لعل مجرد مبادرتك بالسؤال والسلام تكون سببًا في كسر الجفوة القديمة، والنفوس مجبولة على محبة من يبدأها بالخير، وإن وجدت قبولًا وتجاوبًا فزد الصلة شيئًا فشيئًا بالحكمة والرفق.
أما إن غلب على ظنك أن التواصل سيترتب عليه ضرر كبير، أو سيؤدي إلى زيادة المشاكل داخل الأسرة، فحينها تكتفي بالقدر الذي لا يسبب فتنة، كالدعاء له، وإيصال السلام، وعدم المشاركة في القطيعة، أو الإساءة.
رابعًا: خالاتك المنقطعات عن والدتك:
وهنا يظهر جانب جميل في رسالتك، وهو أنك ما زلت تفكر في الإصلاح رغم كل ما حصل، وهذا خُلُق عظيم، وما دمت تتواصل مع أبناء إحدى خالاتك، فباب الخير لا يزال مفتوحًا -بإذن الله-.
حاول أن تتقرب إلى أبناء خالاتك بالكلمة الطيبة، وإيصال السلام، وإظهار المحبة، ثم اجلس مع والدتك، وافهم منها بهدوء أسباب الخلاف، لا لتدخل في النزاع، ولكن لتعرف كيف يمكن أن تكون جسر خير بين الطرفين.
وربما تستطيع مع الأيام أن تبدأ بخطوات بسيطة جدًا، مثل: إرسال سلام أو دعاء عبر الأبناء، أو التهنئة في الأعياد، أو السؤال عن الصحة، أو حتى كتابة رسالة قصيرة فيها مشاعر صادقة دون فتح ملفات الماضي، فكثير من القطيعة يطول بسبب انتظار كل طرف أن يبدأ الآخر، فإذا وُجد من يفتح الباب بلطف انكسرت حدة الجفاء.
لكن مع هذا كله، انتبه إلى أمر مهم: وهو أن التواصل مع بنات العم، أو القريبات يكون في حدود الشرع والاحترام، دون توسع في الأحاديث، أو العلاقات بحجة صلة الرحم.
واعلم أن الله تعالى لا يكلفك ما لا تقدر عليه، كما قال سبحانه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:286]، فإن بذلت ما تستطيع من الصلة والإصلاح بالمعروف، ثم لم تجد استجابة، أو بقي الطرف الآخر مصرًّا على القطيعة، فلا إثم عليك -بإذن الله-، لأن المطلوب منك هو السعي، لا ضمان النتائج.
وعليه أخي الكريم: لا تنظر إلى نفسك على أنك مجرد شاب بعيد عن المشكلة، بل قد يجعلك الله سببًا في إعادة شيء من الألفة بين الأقارب، ولو بعد سنوات، فابدأ باليسير، واستمر باللطف، ولا تيأس من أثر الكلمة الطيبة، واجعل نيتك دائمًا طلب رضى الله تعالى، والإصلاح بين الناس.
أسأل الله تعالى أن يؤلف بين القلوب، وأن يكتب لك أجر الحرص على البر والإصلاح، وأن يجعلك مفتاح خير لعائلتك، مباركًا أينما كنت.