تقصيري في صلاتي بسبب عملي الذي أكرهه يقلقني!
2026-06-09 01:58:58 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
أنا جديدة في عمل لا أحب بيئته، وكذلك العمل بحد ذاته، فهو ليس التخصص الذي كنت أطمح إليه، وبفعل كل هذه العوامل، وما أراه من كره زملائي للعمل؛ أشعر وكأنني مقصرة في عملي، فأنا أتكاسل عنه، كما أن لدي مشكلة في التركيز، وأجد صعوبة في ذلك.
وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأجر الذي أتقاضاه أقل بكثير ممَّا يجب أن يكون، فهل آخذ إثمًا على هذا التقصير؟ وإن كان الأمر كذلك، فهل يكون خيرًا لي أن أترك العمل؟ لأني أعلم أنني لا أستطيع أن أعطي أكثر في عمل لا أرتاح له.
ليس لدي عائلة أعولها -والحمد لله-، لكن عملي يرفع عنهم المسؤولية المادية تجاهي، كما أنني أساعدهم في المصاريف، أعني أبي وأخي.
وعائلتي سترفض جلوسي في المنزل بلا عمل؛ وذلك بسبب السنوات التي قضيتها في الدراسة من أجل مستقبل جيد في نظرهم، وبالأخص خالتي التي أخذت مكانة الأم بعد وفاة أمي، فهي تريد أن تراني في عمل جيد؛ لذلك تقول لي: اصبري حتى تجدي عملًا آخر.
أمَّا أهم ما يقلقني فهو تقصيري في الأمور الدينية، كالصلاة والذكر، منذ أن بدأت هذا العمل، أنا الآن في حيرة من أمري، ولا أعرف الصواب من الخطأ.
حفظكم الله ورعاكم.
الإجابــة:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الأخت الفاضلة/ سحر حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكركِ على تواصلكِ معنا وثقتكِ بموقعنا.
قرأنا رسالتكِ بتأملٍ واهتمامٍ، وفهمنا منها أنكِ تمرين بمرحلةٍ صعبةٍ متعددة الأوجه، تجمع بين ضغط العمل غير الملائم، وثقل توقعات الأسرة، والشعور بالتقصير في جوانب حياتيةٍ وروحيةٍ مختلفةٍ، ونسأل الله تعالى أولًا أن يتغمد والدتكِ برحمته، يرحمها الله بواسع رحمته ويسكنها فسيح جناته، وندرك أن الفقد يضيف ثقلاً خاصًّا على كل ما يمر به الإنسان من ضائقةٍ.
أولًا: هل عليكِ إثمٌ بسبب التقصير في العمل؟ يدل هذا السؤال على يقظة ضميرٍ جميلةٍ ورقابةٍ ذاتيةٍ تحمدين عليها، وللإجابة من المنظور الإسلامي العام نقول: إن العمل عقد أمانةٍ بين العامل وصاحب العمل، والإسلام يأمر بالإتقان بغض النظر عن ظروف العمل، إذ يقول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (رواه البيهقي).
غير أن في المسألة فروقًا دقيقةً ينبغي مراعاتها؛ فالراتب المنخفض عن قيمة العمل الحقيقية يمثل إشكاليةً في حق صاحب العمل أولاً لا في حقكِ أنتِ، والتقصير الناجم عن بيئةٍ سلبيةٍ وغياب الدافعية يختلف عن التقصير المتعمد مع القدرة؛ ومع ذلك فإن النصيحة العامة تدعوكِ إلى بذل ما تستطيعين ما دمتِ في هذا العمل، وإن كنتِ تشعرين أن الاستمرار فيه أصبح فوق طاقتكِ فابحثي عن مخرجٍ مشروعٍ، وإن أردتِ فتوى دقيقةً في هذه المسألة فاستشيري أهل العلم ليبتوا في أمرها بحسب ظروفكِ التفصيلية.
ثانيًا: هل تتركين العمل أم تبقين؟ نصيحة خالتكِ بالصبر حتى تجدي بديلاً نصيحةٌ حكيمةٌ ومتوازنةٌ؛ لأن ترك العمل قبل توفر البديل يضع ضغطًا إضافيًّا عليكِ وعلى أسرتكِ، والحل الأفضل أن تجمعي بين أمرين: المحافظة على هذا العمل بالحد المعقول، والسعي الجاد المستمر للبحث عن عملٍ يتناسب مع تخصصكِ وطموحكِ، فالفرج لا يأتي بالانتظار السلبي بل بالسعي الحثيث مع التوكل على الله، يقول تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}، ويقول الشاعر:
وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي *** وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا
فالبحث الجاد الفاعل هو صورة التوكل الحقيقي في مثل هذا الموقف.
ثالثًا: ما تحمله خالتكِ من توقعاتٍ ليس نابعًا إلَّا من حبها لكِ وحرصها على مستقبلكِ، وهي إذ أخذت دور والدتكِ في رعايتكِ فإنها تريد لكِ ما يريده كل محبٍّ، ولا حاجة لأن تخفي عنها ما تشعرين به، بل يمكنكِ أن تشركيها في همومكِ بأسلوب الحوار الهادئ وطلب الرأي لا الشكوى المجردة؛ فهذا يفتح بينكما بابًا من الفهم والتعاون بدلًا من أن يبقى الأمر عبئًا تحملينه وحدكِ.
وما تقومين به من مساعدة والدكِ وأخيكِ في المصاريف برٌّ وصلة رحمٍ يأجركِ الله عليها، فلا تستهيني بهذا العمل من هذه الناحية، وإن كانت الشريعة أساسًا تكفل لكِ العيش في كنف والدكِ أو من يعولكِ من عصبتكِ الذكور حتى تتزوجي؛ وبالتالي فمسؤولية الإنفاق عندها تنتقل إلى الزوج، ومع ذلك فهذا لا يمنع أن تعمل المرأة في مجالٍ يناسبها لتساهم في تخفيف العبء عن نفسها وعن أهلها.
رابعًا: أما بخصوص التقصير في الصلاة والذكر؛ فهذا هو أكثر ما استوقفنا في رسالتكِ، ونؤكد لكِ بصدقٍ أن ما تعانين منه في العمل وما تشعرين به من فقدان التركيز والدافعية له صلةٌ وثيقةٌ بهذا التقصير، لا لأنكِ شخصٌ غير صالحٍ، بل لأن الروح حين تنقطع عن غذائها تضعف، وتصبح قدرتها على تحمل الضغوط أقل وأهش، يقول الله تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}.
والعلاقة بين الصلاة والاستقرار النفسي علاقةٌ حقيقيةٌ يشهد بها علم النفس قبل أن يؤكدها الدين، فالمحافظة على الصلاة في أوقاتها تعيد للنفس إيقاعها المتوازن، وتمنحها لحظات توقفٍ حقيقيٍّ من وتيرة الحياة الضاغطة، وتذكرها بأن ثمة من يسمع ويعلم وهو على كل شيء قديرٌ، ونقول لكِ بصراحةٍ صادقةٍ: ابدئي بالصلاة قبل أي تغييرٍ آخر في حياتكِ، فهي المفتاح الذي يفتح الأبواب الأخرى.
خامسًا: من الأمور التي ستعينكِ بإذن الله:
1. أعيدي الالتزام بالصلاة في أوقاتها فورًا حتى لو كنتِ في العمل، وابدئي بهذا اليوم لا غدًا، فهو أعظم خطوةٍ وأكثرها أثرًا على باقي جوانب حياتكِ.
2. خصصي بضع دقائق في الصباح للذكر والدعاء قبل الخروج للعمل؛ وستلاحظين أثر ذلك على مزاجكِ وتركيزكِ خلال يومكِ.
3. ابدئي بالبحث الجاد عن فرص عملٍ في تخصصكِ، واجعلي هذا البحث هدفًا أسبوعيًّا محددًا بأن تقدمي طلبًا أو طلبين كل أسبوعٍ؛ فهذا يمنحكِ شعورًا بالتقدم ويحافظ على طموحكِ.
4. حاولي في العمل الحالي أن تجدي جانبًا واحدًا مفيدًا تركزين عليه حتى لو كان مهارةً إداريةً أو اجتماعيةً؛ فهذا يخفف شعور الضياع ويعطي لوجودكِ فيه معنًى مؤقتًا ريثما يتيسر الأمر.
5. إن وجدتِ أن صعوبة التركيز والضغط النفسي تزداد بصورةٍ ملحوظةٍ فلا حرج من استشارة متخصصٍ نفسيٍّ يساعدكِ على فهم ما تشعرين به وإدارته؛ فطلب المساعدة شجاعةٌ لا ضعفٌ.
ونختم بهذه الكلمة: أنتِ امرأةٌ واعيةٌ ومسؤولةٌ، تسألين عن الإثم قبل أن تسألي عن الراحة، وتفكرين في عائلتكِ قبل أن تفكري في نفسكِ؛ وهذا دليل خيرٍ كامنٍ فيكِ، والخروج من هذه المرحلة ممكنٌ لكنه يبدأ من الداخل، بإعادة الاتصال بالله أولاً ثم ببناء خطوةٍ عمليةٍ صغيرةٍ كل يومٍ.
نسأل الله أن يييسر أمركِ، وأن يشرح صدركِ، وأن يرزقكِ عملاً تحبينه ويرضاه، وأن يتغمد والدتكِ برحمته الواسعة، وأن يهديكِ سواء السبيل، وبالله التوفيق.