أحاول التخلص من العادة السرية بالدعاء والمجاهدة، فما نصيحتكم؟
2026-06-17 00:58:24 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا شاب، أدمنت العادة السرية منذ مراهقتي قبل الاستقامة، والآن أنا في طريقي للاستقامة وأجاهد نفسي، ولكن هذه العادة أصبحت راسخةً فيَّ، وأحاول التخلُّص منها بالدعاء والمجاهدة، ولكن هل دعائي مقبول وأنا في حال هذه المعصية مع أنني أبغضها؟
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الكريم .. حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا، ونسأل الله أن يبارك لك في هذه الخطوة التي بدأتها نحو الاستقامة، وأن يجعلها بداية طريقٍ طويلٍ من القرب منه سبحانه وتعالى.
فهمنا من رسالتك -أخي الكريم- أنك تعاني منذ سنوات من عادةٍ سيئةٍ تأصلت فيك في فترة المراهقة، وأنك الآن في طريق التوبة والرجوع إلى الله، تجاهد نفسك للتخلص منها، وفي الوقت نفسه يخالجك سؤالٌ مهمٌ وهو: هل دعاؤك مقبولٌ وأنت تقع في هذه المعصية من حينٍ لآخر، مع أنك تبغضها وتتمنى التخلص منها؟
وقبل أن نجيب عن هذا السؤال مباشرةً، نود أن نقف معك عند نقطةٍ مهمةٍ جدًّا، وهي أن كونك تبغض هذه المعصية وتتألم من تكرارها، هذا في حد ذاته نعمةٌ عظيمةٌ من الله عليك؛ فالشيطان لا يحزن عندما يقع العبد في الذنب بقدر ما يحزن عندما يقوم العبد بعده ليتوب ويستغفر، فالقلب الذي ما زال يكره الذنب ويتألم منه هو قلبٌ حيٌّ فيه نور الإيمان، بخلاف من اعتاد المعصية حتى أصبحت عنده أمرًا عاديًّا لا يحرك فيه ساكنًا، فاطمئن، فأنت في موقعٍ أفضل بكثير مما تظن.
أمَّا عن سؤالك المباشر: هل الدعاء مقبولٌ وأنت في هذه الحالة؟ فالجواب أن باب الدعاء مفتوحٌ لكل عبد، التائب والمقصر، البر والفاجر، ولم يشترط الله سبحانه لإجابة الدعاء أن يكون العبد خاليًا من الذنوب، يقول الله عز وجل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}، فلم يقل سبحانه: إذا دعاني الطاهر من الذنوب أو الكامل في عبادته، بل أطلق الإجابة لكل من دعاه.
وانظر أخي إلى دعاء سيدنا يونس -عليه السلام- وهو في بطن الحوت، حين اعترف على نفسه بالظلم فقال: {لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}، فاستجاب الله له ونجاه من همه وكربه؛ وفي دعاء «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، اغْفِرْ لِي، فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ».
فالاعتراف بالتقصير والانكسار بين يدي الله ليس عائقًا عن قبول الدعاء، بل هو من أقرب الأحوال التي يكون فيها العبد إلى ربه، فالدعاء في أصله هو لجوء العاجز إلى القوي، والمحتاج إلى الغني، وكلما شعر العبد بضعفه وتقصيره كان ذلك أدعى لصدق توجهه إلى الله.
ونذكرك أخي أن طريق الاستقامة ليس خطًّا مستقيمًا لا يعرف الانحناء، بل هو طريقٌ فيه صعودٌ ونزولٌ، وفيه عثراتٌ يتبعها قيامٌ، والمهم ليس أن لا تقع، بل أن لا تستمر في الوقوع دون مجاهدة، وأن تعود إلى الله بعد كل عثرة، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}.
فالآية لم تصف هؤلاء بأنهم لا يقعون في الذنب، بل وصفتهم بأنهم إذا وقعوا تذكروا الله واستغفروا ولم يستمروا على ذلك وهم يعلمون أنه ذنبٌ، وهذا تمامًا ما يحدث معك، فأنت تقع وتستغفر وتكره الذنب، وهذا وصف المؤمن لا وصف العاصي المستمر.
ولعل من أعظم ما يثبت رحمة الله الواسعة قصة الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض ليرشده إلى التوبة، فأرشدوه إلى أرضٍ فيها قومٌ صالحون وأمروه بالهجرة إليها، فخرج تائبًا، فمات في الطريق بين القريتين، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله أن يقاس بين الأرضين، فوجدوه أقرب إلى الأرض الصالحة بشبرٍ فكان من أهل الرحمة، وهذه القصة الثابتة في الصحيحين تبين أن من صدق في توجهه إلى الله بعد طول معصية، فإن رحمته سبحانه أوسع من أن يردها.
وبعد هذا التأطير، نأتي إلى الجانب العملي، فالدعاء والمجاهدة وحدهما لا يكفيان دون أن تأخذ بالأسباب التي تعينك على ترك هذه العادة، ومن أهم هذه الأسباب:
• أولًا: غض البصر، فهذه العادة غالبًا ما تبدأ بنظرةٍ أو مشهدٍ يحرك الشهوة، فإذا قطعت الطريق على هذه البداية، خفت كثيرًا من حدة الرغبة في الوقوع، يقول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: «يَا عَلِيُّ، لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ»، فالنظرة الأولى قد تأتي بغير قصدٍ، ولكن المتابعة بعدها هي التي تورث القلب الشهوة، فحاول أن تضبط استخدامك للجوال والإنترنت، وتبتعد عن أي مواقع أو محتوى يثير هذه الشهوة فيك، ولو احتاج الأمر إلى وضع برامج حجبٍ على هاتفك فلا تتردد.
• ثانيًا: الصيام، فقد جعله النبي ﷺ علاجًا لمن لا يستطيع الزواج، فقال ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فالصيام يكسر حدة الشهوة ويربي النفس على الصبر، فحاول أن تصوم يومًا أو يومين في الأسبوع، خصوصًا الأيام التي تشعر فيها أن هذه العادة قد تعاودك.
• ثالثًا: شغل الوقت، فالفراغ من أكبر أسباب الوقوع في هذه العادة، خصوصًا في أوقات الخلوة كالليل أو وقت الاستيقاظ من النوم، فحاول أن تنظم وقتك بحيث لا تترك لنفسك فراغًا طويلًا بلا عمل، وخصوصًا قبل النوم، فاجعل لك وردًا من القرآن أو الذكر تنام عليه، ومارس الرياضة بشكلٍ منتظمٍ فهي تساعد على تفريغ الطاقة وتقليل التوتر الذي قد يدفع للعادة.
• رابعًا: الرفقة الصالحة، فالإنسان يتأثر بمن حوله، فاحرص على أن تكون لك صحبةٌ تذكرك بالله وتشاركك في برامج إيمانية أو رياضية أو تعليمية، فهذا يشغل وقتك ويقوي عزيمتك، يقول الله تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}.
• خامسًا: إن كان عمرك وظروفك تسمح بالزواج، فهو أفضل علاج لهذه المشكلة؛ فهو الإطار الشرعي الذي خلق الله فيه هذه الشهوة لتكون عبادة وسكنًا، فلا تتأخر في التفكير فيه إن كانت لديك القدرة عليه.
أخي الكريم، لا تجعل وقوعك في هذه العادة من وقتٍ لآخر يدفعك للقنوط أو للشعور بأنك منافقٌ أو بعيدٌ عن الله، فهذا من كيد الشيطان الذي يريد أن يوقفك عن الدعاء والعبادة بحجة أنك لا تستحق، وهذا غير صحيح، فاستمر في صلاتك وقيامك وقراءتك للقرآن واستغفارك، ولو وقعت فقم وعد، فإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.
وكما قال أبو الطيب المتنبي:
وَمَا نَيْلُ الْمَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي *** وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا
فطريق ترك هذه العادة لن يكون بمجرد الأمنيات، بل بالمجاهدة الفعلية والأخذ بالأسباب، وكل مرة تجاهد فيها نفسك ولو فشلت، فأنت تكتب عند الله أجرًا على هذه المجاهدة.
ونحب أن ننبه إلى أنه إذا شعرت أن هذه العادة أصبحت متجاوزة لحد الذنب العارض، وأصبحت سلوكًا قهريًّا يتكرر بصرف النظر عن إرادتك، فلا حرج أن تستعين بأخصائي نفسي أو سلوكي متخصص في هذا النوع من المشكلات؛ فالاستعانة بأهل الخبرة في جانب الجسد والنفس لا تتعارض مع التوكل على الله، بل هي من الأخذ بالأسباب التي أمرنا الله بها.
نسأل الله أن يتقبل توبتك، وأن يثبت قلبك على طاعته، وأن يجعل ما تبذله من جهد في هذه المجاهدة سببًا في رفعتك عنده، وأن ييسر أمرك، ويشرح صدرك، ويهديك سواء السبيل.
وبالله التوفيق.