تواصلت مع شاب بنية التعاون على الخير فتعلقت به!

2026-06-23 05:16:54 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة أبلغ من العمر 18 عامًا، قبل نحو سنتين كنت في غفلة وتقصير في بعض أمور ديني، ثم منَّ الله عليَّ وعلى أختي بالهداية بسبب قناة دعوية على واتساب، فتأثرنا كثيرًا، والتزمنا بالصلاة والأذكار وورد القرآن، وارتدينا النقاب عن قناعة.

بعد فترة طلب صاحب القناة المساعدة في بعض الأعمال الدعوية، فساعدناه، ثم عَلِمنا أنه شاب في سنّ الجامعة، وليس شيخًا كبيرًا كما كنا نعتقد، واستمر التواصل معه في أمور الدعوة فقط، وغالبًا بحضور أختي، وكان يحترم الحدود الشرعية، لكنه أحيانًا يُثني علينا بكلمات مثل: (أنتِ ذكية)، و(حفظكِ الله)، و(أنتِ عاقلة)، وقال مرة: "ليت زوجتي تكون مثلكِ"، ثم وعد بتجنب مثل هذه العبارات.

ومع الوقت شعرت أختي أن استمرار التواصل قد يفتح باب الفتنة، فقررت إنهاءه، لكننا عُدنا لاحقًا بسبب حاجة تتعلق بالعمل الدعوي، وفي إحدى المرات قال لي إن لي عنده مودة تشبه مودة والده الذي كان يحبه كثيرًا وقد توفي، فتأثرتُ بهذه العبارة كثيرًا، وشعرتُ بعدها باضطراب وخوف.

ثم طلب معرفة أسمائنا وأعمارنا وفي أي مدينة نحن، فرفضت أختي إعطاءه هذه المعلومات، وشعرنا أن الأمر ربما تجاوز حدود العمل الدعوي، فقررنا إنهاء التواصل، وبعد ذلك اكتشفتُ أنني تعلقتُ به عاطفيًا أكثر ممَّا كنتُ أظن، وتألَّمتُ كثيرًا عند انقطاع التواصل، ثم اجتهدتُ في نسيانه حتى تجاوزتُ الأمر بعد عدة أشهر.

لاحقًا عاد التواصل بصورة أكثر انضباطًا ومن خلال مجموعة تضم عدة أشخاص، ثم طلب من أختي رقم والدي، فرفضت إعطاءه الرقم، وعندما علمتُ بذلك ظننتُ أنه ربما يريدُ التقدم لخطبتي، فعادت بعض المشاعر القديمة، فحذفتُ حساباتي على مواقع التواصل خوفًا على نفسي من التعلُّق والفتنة به.

أسئلتي باختصار:
• هل يجوز لي الدعاء بأن يكون زوجًا لي إن كان خيرًا؟
• هل نأثم على هذا التواصل أو على عدم علم والدي بتفاصيله؟
• هل ما كانت تقوله أختي عن علم والدي يُعد كذبًا؟
• إذا كان يريد التقدم للزواج وطلب رقم والدي، فهل يجوز إعطاؤه الرقم؟
• وهل تأثري بكلمات المدح وتعلُّقي به أمر طبيعي أم يدل على تجاوز في التعلُّق؟

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عائشة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

حفظكِ الله وثبّتكِ على طاعته، وبارك في حرصكِ على دينكِ وعفافكِ، وأسأل الله تعالى أن يزيدكِ هُدًى وتقوًى، وأن يرزقكِ الزوج الصالح الذي تقر به عينكِ في الدنيا والآخرة.

بدايةً: لفت انتباهي في رسالتكِ أمران يدلان على خير كَبِيرٍ فيكِ وفي أختكِ:
أولهما: أن الله تعالى منَّ عليكما بالهداية بعد فترة من الغفلة، فانتقلتما إلى المحافظة على الصلاة والأذكار والقرآن والالتزام بالحجاب والنقاب عن قناعة ومحبة لله تعالى، وهذه نعمة عظيمة تستحقان عليها الشكر والثبات.

وثانيهما: أنكما كنتما تراقبان قلبيكما بَاسْتِمْرَارٍ، وتخافان من الفتنة قبل وقوعها، ولذلك كلما شعرتما أن الأمر بدأ يتجاوز حدوده سارعتما إلى التراجع وإغلاق الأبواب، وهذه من علامات حياة القلب.

أختي الفاضلة، من خلال ما ذكرتِه لا يظهر أن التواصل بدأ بقصد محرم، ولا يبدو أنكما دخلتما فيه طَلَبًا لعلاقة عاطفية، وإنما كان في أصل الأمر مُتَعَلِّقًا بعمل دعوي وخيري، لكن المشكلة أن القلوب ليست بأيدينا؛ ولذلك جاءت الشريعة بسد الذرائع والأبواب التي قد تجرُّ إلى التعلُّق ولو كانت البداية حسنة.

وأرى أن أختكِ كانت تملك قَدْرًا جَيِّدًا من الفقه والحكمة حين كانت تستشعر مُبَكِّرًا بعض الإشارات التي قد تفتح باب التعلُّق، فليس كلّ خطأ يبدأ بِخَطَأٍ، بل كَثِيرٌ من التعلُّقات تبدأ بكلمة طيبة، أو إعجاب متبادل، أو شعور بالارتياح، ثم تتطور مع الزمن.

أمَّا تأثركِ بكلمات المدح والثناء، فلا أرى فيه أَمْرًا مُسْتَغْرَبًا، ولا دَلِيلًا على فسادٍ فيكِ، بل هو أمر طبيعي جِدًّا، خَاصَّةً لفتاة في مثل عمركِ، مستقيمة على دينها، قليلة الاختلاط بالرجال، تسمع من شخص تحترمه كلمات تقدير وثناء، فمن الطبيعي أن يتحرك القلب بشيء من المشاعر، لكن الفارق بين الفتاة الحكيمة وغيرها هو طريقة التعامل مع هذه المشاعر، وأحسب أنكِ أحسنتِ التصرف حين خفتِ على نفسكِ، وحذفتِ بعض حساباتكِ، وحاولتِ قطع أسباب التعلُّق.

وأود أن أطمئنكِ هنا إلى أمر مهم: ليس كل إعجاب أو ميل قلبي يُعد ذَنْبًا، فالقلوب تتحرك بطبيعتها، وإنما المؤاخذة تكون في الاسترسال مع المشاعر المحرمة، أو تغذيتها، أو تحويلها إلى علاقة لا تُرضي الله تعالى.

أمَّا سؤالكِ عن الدعاء، فلا حرج عليكِ أَبَدًا أن تدعي الله تعالى فتقولي: "اللهم إن كان هذا الرجل خَيْرًا لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي، وإن لم يكن خَيْرًا فاصرفه عني واصرف قلبي عنه، واقدر لي الخير حيث كان"، بل هذا من حسن التوكل على الله تعالى؛ لأنكِ لا تطلبين شَخْصًا بعينه على وجه الاعتراض على القدر، وإنما تفوضين الأمر إلى الله تعالى وتطلبين الخير.

وأمَّا التواصل السابق، فما دام في حدود الحاجة، وخَالِيًا من الخلوة والمحادثات العاطفية والتجاوزات، فلا يكون إِثْمًا ظَاهِرًا إن شاء الله، لكن كان الأولى والأكمل تقليل التواصل المباشر قدر الإمكان، خُصُوصًا بعد ظهور بوادر التعلُّق.

وأمَّا عدم علم والدكِ بكل تفاصيل هذا التواصل، فلا يلزم أن يكون كل تواصل دعوي أو إداري يُعرض على الوالد تَفْصِيلًا، لكن متى انتقل الأمر إلى احتمال الرغبة في الزواج أو ظهور مشاعر وتعلُّقات؛ فهنا يُصبح وجود الولي ومعرفته أدعى للسلامة وأبعد عن الإشكالات.

وأمَّا ما كانت تقوله أختكِ عن علم والدكِ، فإن كانت أخبرت بخلاف الواقع صَرَاحَةً فهذا لا ينبغي، أمَّا إن كانت تستعمل عبارات محتملة لدفع الإحراج دون تصريح بالكذب، فالأمر أخف، ومع ذلك فالأصل هو الوضوح والبُعد عن كل ما يُوقع في اللبس.

وأمَّا طلبه رقم والدكِ، فإن كان المقصود فِعْلًا التقدم الرسمي للزواج؛ فلا حرج في إعطائه رقم الوالد أو توجيهه إلى الطريق الرسمي، بل هذا هو المسلك الصحيح الذي يحفظ الدِّين والقلوب جَمِيعًا، أما أن يبقى الأمر مُعَلَّقًا بين التلميحات والاحتمالات والظنون؛ فهذا ممَّا يزيد التعلُّق ويُورث الحيرة.

ولهذا أوصيكِ عَمَلِيًّا بعدة أمور:
• لا تنشغلي كَثِيرًا بمحاولة تفسير كل كلمة قالها أو كل تصرف صدر منه، فالتفكير المستمر في التفاصيل الصغيرة يُغذي التعلُّق أكثر ممَّا يحل المشكلة.
• إن كان جَادًّا في الزواج فسيطرق الباب من جهته الرسمية، وحينها تكون الأمور واضحة لا لبس فيها.
• لا تُعلِّقي قلبكِ على احتمالٍ لم يتأكد بعد، ولا تبني أَحْلَامًا على إشارات أو ظنون.
• استمري في حفظ قلبكِ بالقرآن والذكر وغض البصر عن كل ما يُجدد التعلُّق.
• أشغلي نفسكِ بمشاريعكِ العلمية والدعوية وحفظ القرآن وتطوير ذاتكِ؛ فالقلب إذا امتلأ بالنافع ضعف سلطان التعلُّق عليه.
• اجعلي دعاءكِ دَائِمًا مُتَعَلِّقًا بالخير لا بالشخص، فالخير أوسع من تصوراتنا، والله تعالى أعلم بمن يَصلُح لكِ ومَن تصلُحين له.
• ابحثي عن البديل لهذه المجموعات؛ كأن تتعرفي على مجموعات دعوية نسائية، وتمارسي معهم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى والاستفادة منهم.

وأَخِيرًا أختي الكريمة: أرى في رسالتكِ خَوْفًا من الله تعالى، وَحِرْصًا على العفة، ومجاهدة للنفس، وهذه كلها بشائر خير، فلا تقلقي من مجرد وجود مشاعر في قلبكِ، وإنما احرصي على أن تبقى هذه المشاعر منضبطة بضوابط الشرع، وأن يبقى قلبكِ مُعَلَّقًا بالله تعالى قبل تعلُّقه بأي مخلوق.

نسأل الله تعالى أن يُثبتكِ على الهداية التي منَّ بها عليكِ، وأن يحفظ قلبكِ من الفتن، وأن يرزقكِ الزوج الصالح الذي يكون لكِ عَوْنًا على طاعته، وأن يشرح صدركِ للخير حيث كان، ويرضيكِ به.

www.islamweb.net