أستثقل المسؤوليات وأتوجس مما سيحدث في المستقبل، فماذا أفعل؟

2026-06-30 00:06:30 | إسلام ويب

السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب في السادسة عشرة من عمري، وأعاني من تشتت نفسي، ورهبة وتوجس من فكرة العمل والتعب كلما فكرت في مستقبلي.

فكيف يوجهني الشرع الحنيف للتعامل مع هذا الشعور بالوهن؟ وكيف أستمد من عقيدة التوكل على الله ما يزيل عن قلبي هذا الخوف، ويمنحني الطمأنينة، ويورثني الإقبال على السعي والعمل بجدٍّ وهمّة؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة:

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ يوسف حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -ابننا الكريم-، ونشكر لك ثقتك فى طلب المساعدة عبر موقع اسلام ويب، ونسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، وأن يبارك في شبابك وعُمرك.

ونود أولا أن نثني على حرصك على السؤال عن الخير، والاستقامة على طاعة الله تعالى منذ هذه المرحلة المبكرة من العمر، فمجرد انشغالك بتقويم نفسك، وسؤالك عن الطريق الصحيح للتعامل مع مشاعرك، يدل على وعيٍ، ونضج، ورغبة صادقة في بناء مستقبل صالح، وهذه نعمة عظيمة تستحق أن تحمد الله عليها.

واعلم -بارك الله فيك- أن مرحلة المراهقة وبدايات الشباب التي تعيشها الآن (في سن السادسة عشرة) هي مرحلة انتقالية مهمة، يمر فيها الإنسان بتغيرات نفسية وفكرية وانفعالية متعددة، ويبدأ فيها بالتفكير الجاد في المستقبل والدراسة والعمل وتحمل المسؤوليات، ومن الطبيعي أن تصاحب هذه المرحلة بعض الحيرة، أو القلق، أو التساؤلات حول ما ينتظر الإنسان في قادم الأيام، بل إن بعض الشباب في مثل سنك قد يشعرون أحيانًا بالخوف من الفشل، أو من صعوبة الحياة، أو من حجم المسؤوليات المقبلة.

لكن المهم أن تدرك بأن هذه المشاعر لا تعني ضعفًا في شخصيتك، ولا تعني أنك غير قادر على النجاح، وإنما تصبح مشكلة عندما يستغرق الإنسان في التفكير فيها بصورة متكررة حتى تستهلك طاقته النفسية، وتجعله ينظر إلى المستقبل بمنظار التشاؤم أو العجز.

وقد ذكرت أن معاناتك تتمثل في التشتت النفسي، والرهبة والتوجس من فكرة العمل والتعب والتفكير المستمر في المستقبل، وهذا مما قد يمر به بعض الشباب في مثل سنك، إلا إن الإكثار من التفكير في هذه المخاوف قد يرهق النفس، ويولد شعورًا بالإحباط واليأس، وهذا ليس هو المنهج الذي يريده الله لعباده المؤمنين.

فالمؤمن مأمور بالأخذ بالأسباب، وبذل الجهد، والسعي في مصالح دينه ودنياه، ثم بعد ذلك يتوكل على الله تعالى، ويرضى بما يقدره له، مع حسن الظن بربه سبحانه، قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (سورة الطلاق: 3)، أي: كافيه وناصره ومؤيده.

وكما قال سبحانه: (فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (آل عمران: 159)، فجمع بين العزم والعمل وبين التوكل، ولم يجعل التوكل بديلاً عن السعي، ومن أعظم ما يبعث القوة في نفس المؤمن قول الله تعالى: ﴿إن مع العسر يسرا) (الشرح: 6)

وفي السنة النبوية يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز) رواه مسلم، فتأمل كيف جمع الحديث بين ثلاثة أمور عظيمة: الحرص على العمل النافع، والاستعانة بالله، وترك العجز والاستسلام للخوف.

وقال صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانا) رواه الترمذي. فالطير لا تبقى في أعشاشها انتظارا للرزق، وإنما تخرج وتسعى ثم يرزقها الله، وهذا هو المعنى الصحيح للتوكل.

ومن هنا ينبغي أن تعلم أن الشعور بالقوة والأمل وحسن الظن بالله، ليس مجرد أمر نفسي فحسب، بل هو من صميم العقيدة والإيمان؛ لأن المؤمن يوقن أن مستقبله بيد الله، وأن ما كتبه الله له سيأتيه، وأن الخير فيما يختاره الله لعباده، وأن الله أرحم به من نفسه.

أما عن الوسائل العملية التي تعينك على تقوية التوكل والتدرب عليه، فمن أهمها:
- المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها، مع استحضار أنك تقف بين يدي رب العالمين الذي بيده أمرك ومستقبلك كله.

- الإكثار من الدعاء، وخاصة سؤال الله الثبات والقوة والهدى، ومن ذلك: (اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى).

- المداومة على أذكار الصباح والمساء؛ فهي تغرس الطمأنينة في القلب وتقوي الصلة بالله تعالى.

- قراءة القرآن يوميًا بتدبر، مع التركيز على الآيات التي تتحدث عن التوكل، والصبر، والثقة بالله.

- تسجيل النعم والتوفيقات التي يسرها الله لك في حياتك؛ فهذا يدرب النفس على استحضار معاني رعاية الله ولطفه.

- تعويد النفس على اتخاذ قرارات صغيرة وتنفيذها؛ لأن التوكل ليس فكرة نظرية، بل ممارسة عملية تبدأ من الأمور اليومية البسيطة.

- تقليل الانشغال بالسيناريوهات المستقبلية السلبية؛ فمعظم ما يخشاه الناس لا يقع أصلاً، والانشغال به يستهلك الطاقة دون فائدة.

- مصاحبة الشباب الإيجابيين الجادين الذين يجمعون بين الالتزام والعمل والطموح، فالنفس تتأثر بمن حولها.

- الانشغال بهدف يومي، أو أسبوعي واقعي في الدراسة، أو تعلم المهارات، أو خدمة الأسرة، فالإنتاج والعمل من أفضل ما يطرد القلق والتردد.

- التدريب على التفويض القلبي لله بعد الأخذ بالأسباب، كأنك تقول لنفسك: (عليَّ السعي والاجتهاد، وأما النتائج فهي بيد الله تعالى).

- ومن الوسائل الإيمانية المؤثرة كذلك: أن تكثر من ترديد الأذكار الواردة عند الكرب والخوف، مثل: (حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم)، و قول: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، فهاتان الكلمتان من أعظم ما يغرس معاني الاستعانة بالله والتبرؤ من الحول والقوة إلا به سبحانه.

وأخيرًا: لا تنظر إلى المستقبل كله دفعة واحدة، وإنما انظر إلى الخطوة التي بين يديك الآن، واجتهد فيها، وأحسن أداءها، ثم انتقل إلى التي تليها، فالمستقبل الناجح لا يُبنى بالتفكير القلق، وإنما يُبنى بأعمال صغيرة متتابعة، يبارك الله فيها مع صدق التوكل عليه.

نسأل الله تعالى أن يملأ قلبك يقينًا وطمأنينة، وأن يرزقك قوة الإيمان، وحسن التوكل عليه، وأن يجعلك من الشباب الصالحين النافعين لأنفسهم وأمتهم، وأن يفتح لك أبواب الخير والنجاح في الدنيا والآخرة.

وبالله التوفيق والسداد.

www.islamweb.net