أشعر بالندم لتركي عملي القديم وفقداني العمل الجديد، فما نصيحتكم لي؟
2026-07-05 02:44:56 | إسلام ويب
السؤال:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
جزى الله القائمين على الموقع خير الجزاء، وبعد:
كنت أعمل في فترةٍ قريبةٍ في شركةٍ لصيانة السيارات، وكنت مستقرًّا ومرتاحًا فيها، ثم جاءني عرضُ عملٍ من شركةٍ أخرى براتبٍ أفضل، فاستخرتُ الله تعالى واستشرتُ، فأخبرني مديري في العمل أنه لو كان مكاني لاختار الذهاب، ونصحني بذلك، وقال لي: "إن قررتَ العودة فمكانك دائمًا موجود، وأهلًا بك في أي وقت".
بعد ذهابي إلى الشركة الجديدة، وبعد مضي نحو شهرٍ تقريبًا، لاحظتُ عدم الاستقرار فيها، وكثرة المشكلات، فبادرتُ بإخبار مديري السابق أنني لست مرتاحًا وأرغب في العودة، فقال: "مرحبًا بك، وسأقوم بالتنسيق مع الشركة"، ثم مضت بعد ذلك عدة أشهر دون ردٍّ منه، وفي هذه الأثناء قامت الشركة التي التحقت بها بتسريح عددٍ كبيرٍ من الموظفين، وكنتُ من بينهم، لأن الوضع لم يكن مستقرًّا، فرغم أنها كانت شركةً ذات سمعةٍ في السوق، فقد قدَّر الله وما شاء فعل.
بعد ذلك تواصلتُ مع مديري في الشركة السابقة، ولاحظتُ من أسلوبه أنه يماطل ويتحاشى الالتزام، ثم علمتُ من أحد زملائي في الشركة القديمة أنه لن يلتزم بوعده معي، وأنه كان يماطل ويتجنب الرد.
فامتلأت نفسي غضبًا شديدًا وإحباطًا وسخطًا على ما حدث، سواء بسبب تركي للشركة الأولى التي كنت مرتاحًا فيها، أو بسبب تصرف ذلك المدير الذي أخلف وعده ولم يفِ بكلمته، ومضت شهورٌ وأنا لا أزال أفكر في ذلك، ويملؤني الحزن والغضب على ما فات.
ويزيد حزني أنني بدأت أرى نفسي ضعيف الإيمان بالله تعالى، ولا أزال أسخط على ما جرى، وكلما قابلني أحد ممَّن يعرفني قال لي: أنت مؤمن وذو أخلاق، فثق بالله، فكل شيءٍ بتدبيره، فأجد في نفسي أن الناس لا يُحسنون بي الظن إلَّا بستر الله ولطفه، وأنني لست بذلك الإيمان القوي ولا من المتوكلين حق التوكل.
فزادني ذلك حزنًا على حزني، وشعورًا بأنني لستُ متوكلًا على الله حق التوكل، ولا أزال أغضب وأحزن وأندم على ما حدث، وأقول في نفسي: "يا ليتني لم أستقل من تلك الشركة، ويا ليت كذا وكذا لم يقع"، فأشعر أنني ارتكبت خطأً كبيرًا، وأعيش بين الندم وتكرار الذكريات، وكلما تذكرتُ إخلاف ذلك المدير لوعده ازددت غضبًا منه واعتقادًا أنه لم يكن صادقًا.
ومع ذلك كانت سمعتي طيبة جدًّا في الشركة القديمة، وكنت أُعامل الناس بأخلاقٍ كريمة، بل إن أحد زملائي السابقين أخبرني أن الزبائن ما زالوا يسألون عني ويمدحون أخلاقي ويفتقدون وجودي، ولكن فات ما فات!
أرجو منكم نصحًا لما حدث، وما الذي ينبغي علي فعله، وكيف أقوّي إيماني بالله تعالى، وأكون من المتوكلين عليه حق التوكل.
وشكرًا.
الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نشكرك على تواصلك معنا وثقتك بموقعنا.
قرأنا رسالتك بتأمل واهتمام، وأحسسنا بثقل ما تحمله من مشاعر متشابكة في آن واحد: (فقدٌ لعملٍ مستقر، وإخلافٌ من شخص وثقت بكلمته، وتساؤلٌ روحي عميق عن صحة إيمانك وتوكلك على الله)، ثلاث طبقات من الألم اجتمعت في قلب واحد، وكل طبقة منها وحدها كافية لإثقال الكاهل، فكيف وقد اجتمعن معًا؟ فنحمد الله أنك تحدثت وأخرجت ما في الصدر، وهذه وحدها بداية الشفاء.
أولًا: أول ما يلفت الانتباه في قصتك أنك لم تتصرف باندفاع أو طيش، فقد استخرت الله، واستشرت، وحتى مديرك نفسه نصحك بالمضي قدمًا، فما الذي يجعل الإنسان يأخذ بكل أسباب الحكمة، ثم يعاقب نفسه على نتيجة لم يكن يملكها أصلًا؟
الاستخارة ليست ضمانًا بأن الطريق سيكون سهلًا، أو أن النتيجة ستكون على مراد النفس، بل هي تفويض لله في الاختيار، وتسليم له في التدبير، وقد اختار الله لك هذا المسار بكل ما فيه، وقد أخبرنا جل وعلا أن كثيرًا مما نكرهه قد يخفي خيرًا لا نراه في لحظة الألم، قال تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة:216).
فاطمئن أخي الكريم، قرارك كان قرار العاقل المتزن، والذنب ليس ذنبك.
ثانيًا: ما تحمله من غضب تجاه مديرك الذي أخلف كلمته ليس نقيصة، ولا دليلًا على ضعف إيمان، بل هو رد فعل إنساني طبيعي على خيانة الثقة.
والوفاء بالوعد في ديننا علامة من علامات الإيمان، فمن أخلف فقد وقع في خلق الكذب، وهو آثم أمام الله، غير أن الغضب حين يتحول إلى نار دائمة في الصدر لا يحرق سوى صاحبه، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى أن القوة الحقيقية ليست في المواجهة الخارجية، بل في السيطرة على الداخل، فقال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» (رواه البخاري ومسلم).
أما ذلك المدير فحسابه على الله، وقد ظلمك بلسانه قبل يده، والحكمة تقتضي أن تضع هذه القضية في يد العدل الإلهي، وتتحرر من عبودية الغضب لشخص لا يستحق أن يستأجر مساحة في قلبك.
ثالثًا: قولك: «قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ» ليس مجرد عبارة، فأنت لم تغفل عن هذا الهدي النبوي، بل ذكرته في رسالتك، وكأنك تعلمه بعقلك، وتعاني من فجوة بينه وبين قلبك، وهذه الفجوة هي موضع المجاهدة الحقيقية، فالنبي ﷺ لم ينهنا عن الحزن، ولكنه أرشدنا إلى ما يخرجنا من حلقات التفكير المغلقة حين قال: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» (رواه مسلم).
فـ«لو» لا تعيد ماضيًا، ولكنها تسرق حاضرًا، وتثقل مستقبلًا، وما فات قد أدى دوره في الكشف عما كان مخفيًا: شركة هشة لم تكن تعلم هشاشتها، ومدير لم يكن يستحق ثقتك، فكان في ذلك من الله عليك بنعمة الكشف والوضوح.
رابعًا: أنت أفضل مما تظن في نفسك، فاعترافك الصادق بضعف توكلك ليس دليلًا على مرض القلب، بل هو دليل على صحته، فالغافل لا يحاسب نفسه، ولا يتألم على تقصيره، أمَّا أنت فتألُّمك على بُعد القلب عن ربه هو بذاته صوت الإيمان يناديك لا يسكتك، والتوكل على الله لا يعني انعدام الحزن أو الغضب، بل يعني أن تحسن الأخذ بالأسباب، ثم تسلم أمرك لله، وقد فعلت ذلك حين استخرت واستشرت.
ثم تأمل ما ذكره صديقك من أن الزبائن لا يزالون يسألون عنك، ويمدحون أخلاقك، فهذه شهادة حقيقية على سيرتك، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (التوبة:120)، فالإحسان الذي تركته في نفوس الناس لن يضيع عند الله، وإن ضاع في ظنك.
خامسًا: من الأمور التي ستعينك -بإذن الله-:
• الأول: المحافظة على الصلوات في أوقاتها بحضور قلبٍ، فالصلاة هي الرباط الحي بينك وبين ربك، والوقوف بين يديه خمس مراتٍ في اليوم يذكرك دائماً بأن الأمر بيده، لا بيد مديرٍ أو شركةٍ.
• الثاني: الإكثار من دعاء الكرب الذي علمنا إياه النبي ﷺ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» (رواه البخاري ومسلم)، وداوم على هذا الدعاء في أوقات الضيق، تجد له أثراً في قلبك.
• الثالث: الانشغال بالبحث الجاد عن عملٍ جديدٍ، فالتوكل الحقيقي ليس القعود، بل هو الحركة مع التسليم، قال النبي ﷺ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا» (رواه أحمد والترمذي)، فالطيور لا تجلس في عشها تنتظر الرزق، بل تغدو وتسعى، ثم يأتيها من فضل الله.
• الرابع: استثمار تلك السمعة الطيبة التي أشار إليها زميلك القديم، فالزبائن الذين يسألون عنك ويذكرونك بخيرٍ هم بابٌ مفتوحٌ، وشبكة علاقاتٍ حقيقيةٍ يمكن أن تفيدك في مسيرتك المهنية القادمة.
• الخامس: إن وجدت أن مشاعر الغضب والحزن لا تخف مع مرور الوقت، وتؤثر في نومك، وتركيزك، وعلاقاتك، فلا حرج في مشاورة أخصائيٍ نفسيٍ مؤهلٍ، فطلب المساعدة في وقتها حكمةٌ، لا ضعفٌ، وفي هذا المقام يحسن أن تتأمل قول أبي الفتح البستي:
تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فِي كُلِّ مَا ... تُحَاوِلُهُ وَاتَّخِذْهُ وَكِيلَا
وَلَا يَخْدَعَنَّكَ شِرْبٌ صَفَا ... فَأَظْمَأْ قَلِيلاً وَأَرْوِ غَلِيلَا
فالدنيا لا تستحق أن تسرق منك صلتك بربك، ولا اطمئنان قلبك، وقد كشفت لك هذه التجربة بجلاء ما كان مخفيًا، ولعل الله أن يبدلك خيرًا مما فات، وأبرك، وأدوم، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} (الطلاق: 3).
نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يبدل حزنك فرحًا، وضيقك سعة، وأن يرزقك عملًا خيرًا مما فات، وأهنأ، وأبرك، وأن يهديك سواء السبيل.